حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

المساندة النقدية

ثمة اكتشافات سياسية عظيمة لا ينبغي أن تظل حبيسة قبة البرلمان، بل يجدر تعميمها على مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها العلاقات العاطفية. ولعل أحدث هذه الاكتشافات مفهوم «المساندة النقدية»، الذي يبدو، بعد شيء من التأمل، صيغة مثالية لإعادة ترتيب العلاقة بين الرجل والمرأة، بعيداً عن ضجيج المساواة الحسابية، وصداع المناصفة والإرهاق الناجم عن الإفراط في ممارسة الأدوار الرقابية.

لقد استغرق الأمر عقوداً من النضال النسوي حتى انتزعت المرأة حقها في المشاركة في تدبير الشأن العام والخاص، قبل أن تكتشف، متأخرة بعض الشيء، أن المشاركة ليست دائماً امتيازاً، وأن بعض الحقوق قد تتحول، بفعل سوء الاستعمال، إلى واجبات ثقيلة لا تتناسب إطلاقاً مع مواعد العناية بالبشرة.

فلماذا تصر المرأة، مثلاً، على خوض جميع معارك الحياة إلى جانب الرجل؟ ولماذا يتعين عليها أن تكون شريكة في القرار والتمويل والتنفيذ والمحاسبة، بينما تستطيع الاكتفاء بموقع أكثر أناقة وأقل استنزافاً، تمنح منه الثقة حين تستحق، والنصيحة حين تُطلب والاعتراض حين تقتضي الضرورة، دون أن تضطر إلى بيع سوارها الذهبي لاستكمال الدفعة الأخيرة من ثمن سيارة مستعملة؟

هنا، بالضبط، تتجلى العبقرية الكامنة في مفهوم المساندة النقدية، فهي ليست اصطفافاً أعمى خلف الرجل، ولا تفويضاً مطلقاً له لتدبير مصائرنا المشتركة، وإنما موقف متقدم يجمع بين الدعم والاستقلالية، وبين التضامن والاحتفاظ بحق الاختلاف. إنها، بلغة السياسة، مساندة لا ترقى إلى الاندماج في الأغلبية، ومعارضة لا تبلغ حد إسقاط الحكومة. أما بلغة العلاقات الإنسانية، فهي أن تقولي للرجل «أنا معك، أثق بقدرتك على تجاوز الصعاب، وسأكون أول من يصفق لنجاحك، لكن لا داعي لأن نغرق معاً في أقساط القرض العقاري».

وقد أتحفتنا التجربة السياسية المغربية بنماذج مبتكرة في تدبير المسافة الفاصلة بين الموالاة والمعارضة، حين اختارت بعض الأحزاب موقع المساندة النقدية للحكومة، في صيغة تسمح لها بدعم ما تراه صائباً والاعتراض على ما تعتبره خاطئاً، دون أن تتحمل بالضرورة كامل أعباء التدبير الحكومي. ثم جاء الجدل الذي رافق الامتناع عن التصويت على رئيس مجلس النواب ليذكرنا بأن الامتناع نفسه قد يتحول إلى موقف سياسي قائم بذاته، لا هو تأييد صريح ولا هو رفض قاطع. والحقيقة أن في هذه الهندسة الدقيقة للمواقف من المرونة ما يستحق الدراسة خارج المؤسسات الدستورية أيضاً.

فما المانع أن تعتمد المرأة المنهج نفسه داخل المؤسسة الزوجية؟ تساند البرنامج العام للرجل، وتثمن مجهوداته وتحتفظ بحق مساءلته عند الاقتضاء، لكنها تمتنع، بكل مسؤولية، عن التصويت على الملحق المالي المتعلق ببناء الطابق العلوي فوق منزل العائلة.

لا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح باعتباره حنيناً إلى التقسيم التقليدي للأدوار الجندرية، حيث يتولى الرجل الإنفاق وتتكفل المرأة بإعداد الطعام وانتظار عودته. فذلك تصور تجاوزه الزمن، كما تجاوزنا، نظرياً على الأقل، فكرة أن كفاءة المرأة تقاس بمهارتها في تدبير المطبخ. المرأة الحديثة مستقلة، متعلمة، منتجة وقادرة على إعالة نفسها، بل وعلى إعالة غيرها إن اقتضت الضرورة. غير أن القدرة على القيام بشيء لا تعني وجوب القيام به في كل مرة.

وليس في الأمر انتقاص من رجولة الرجل أيضاً، بل ربما كان العكس تماماً. فمن الإنصاف أن نترك له مساحة يمارس فيها شجاعته، ويختبر قدرته على مواجهة تقلبات الحياة، ويتحمل نصيبه من المسؤولية دون أن نسارع، بدافع الحب أو الحماسة النسوية، إلى اقتسام كل فاتورة وكل أزمة وكل مشروع استثماري لم تتضح بعد مؤشرات مردوديته.

لقد أصبحنا نخلط أحياناً بين المساواة وتحويل العلاقة العاطفية إلى شركة ذات مسؤولية محدودة، برأسمال موزع بالتساوي، ومجلس إدارة دائم الانعقاد، ولجنة افتحاص تراجع النفقات وتطابق الفواتير. والحال أن الحب ليس صفقة عمومية، وأن الشراكة لا تستلزم بالضرورة توزيع الأعباء بالملمتر، ولا إخضاع كل لفتة حنان لمقتضيات الحكامة المالية.

قد يكون من الجميل، بين الحين والآخر، أن نسمح للرجل بأن يخوض معركته وحده، بينما نكتفي نحن بتشجيعه من مسافة آمنة، وربما من كرسي مريح داخل صالون للتجميل. لا لأننا عاجزات عن القتال، وإنما لأننا قاتلنا بما يكفي لانتزاع حق الاختيار، ومن العبث أن يتحول هذا الحق إلى التزام أبدي بالمشاركة في كل الجبهات.

على أن المساندة النقدية، حتى لا تصبح مجرد غطاء أنيق للانتهازية، تفترض قدراً من الاتساق. فلا يصح أن نطالب بحقوق المعارضة كاملة، ونتمتع بامتيازات الأغلبية، ثم نتنصل من المسؤولية كلما اقترب موعد الأداء. كما لا يجوز للرجل أن يستأثر بالقرار بدعوى تحمله العبء، ثم يطالب المرأة بالتصفيق كلما أعلن عن حصيلته.

أما أنا، فأميل إلى الاعتقاد بأن أجمل ما في الديمقراطية، داخل البرلمان أو خارجه، أنها تتيح لنا ثلاثة اختيارات، الموافقة والرفض والامتناع. ولأنني امرأة تؤمن بالمشاركة السياسية، وبالمساواة في الكرامة والحقوق، وبضرورة استقلال القرار النسائي، فإنني أحتفظ لنفسي بكامل الصلاحية الدستورية للامتناع عن التصويت، خصوصاً عندما يتعلق جدول الأعمال ببيع قطعة أرض ورثتها عن أبي لتمويل مشروع تجاري واعد لا تتجاوز دراسة جدواه عبارة «غير تيقي بيا وعطيني رزقك».

فلتكن للرجل معاركه، وللمرأة استقلاليتها وللحب مساندته النقدية. أما المناصفة، فسنعود إليها بعد انتهاء جلسة العناية بالأظافر.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى