حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

 المغرب بعيون الآخرين…. خوان غويتيسولو مراكش جزء من حياتي

تحدث الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو مرارا عن سبب اختياره للمغرب ولمراكش تحديدا، مكانا للإقامة فيقول: “إن استيعابي للفكر الأوروبي المتفتح جعل مني تدريجيا إسبانيا جديدا، عاشقا لمختلف طرق وأشكال الحياة، وللثقافات واللغات والفضاءات الجغرافية المتنوعة. وأنا لست مفتونا فقط بسيرفانتس، وفلوبير، وملارميه، وإنما أنا مفتون أيضا بابن حزم، وابن عربي، وبجلال الدين الرومي. وفي باريس أولا، ثم في نيويورك، ومراكش فيما بعد، تعلمت أن أتفحص لغتي وثقافتي في ضوء اللغات والثقافات الأخرى”. ويضيف: “إن المغرب بصفة عامة، ومراكش بصفة خاصة، أصبحا جزءا من حياتي”.

 أنا ابن ساحة جامع الفنا

ظل غويتيسولو يردد على مسامع زواره في بيته عبارة أنا ابن ساحة الفنا. هذا الشغف فسره بقوله: “عرفت الإنسانية زمنا كان فيه الواقع والخيال يمتزجان، والأسماء تنوب عن الأشياء المسماة، والكلمات المبتكرة تُؤخذ بحذافيرها: فتنمو وتزدهي وتحتوي بعضها البعض وتحبل كأنها كائنات من لحم ودم. كان السوق والساحة والفضاء العمومي أفضل مكان لتوالدها البهيج: فيه تختلط الخطابات وتُعاش الخرافات ويصير المقدس موضوع سخرية دون أن يفقد القدسية، وتتوافق المحاكاة الهزلية مع الشعائر الدينية، وتطير الحكاية المحبوكة بلب السامعين، فيسبق الضحك دعواتهم التي يكافؤون بها المنشد أو المروض الجوال…

مدينة واحدة ظلت تمتاز حتى اليوم بصونها لهذا التراث الشفوي الإنساني المنقرض، أعني مدينة مراكش وساحة جامع الفناء، التي بجوارها أعيش وأجول وأكتب بنشوة، منذ عشرين سنة”. خلال إقامته في مراكش أصبح خوان غويتسولو جزءا من الحياة اليومية المراكشية خاصة بمجالسه المسائية في ساحة جامع الفنا في مقهى مطيش بداية ومقهى أركانة ومقهي فرنسا…

هذه المجالس ذات الطابع الإنساني أكثر من الثقافي أو الأدبي، لكن حضوره كان بارزا، خاصة وأن مواقفه السياسية والإنسانية، في تلك الفترة كانت متداولة في الصحافة العالمية بخصوص القضية الفلسطينية أو حرب البوسنة والهرسك أو اجتياح العراق. كما أن علاقاته بالوسط الثقافي المغربي والكتاب المغاربة كانت دوما متواصلة ومترابطة”.

توطدت علاقتي به، بحضوري، مع مجموعة من الأصدقاء، إلى مجلسه اليومي المسائي بساحة جامع الفناء، بمقهى مطيش في الأول، وبعد ذلك بمقهى أركانة ومقهى كلاصيي، وفي الأخير مقهى فرنسا. كنت آنذاك قد قرأت له كتاب “الإستشراق الإسباني” الذي ترجمه كاظم جهاد والذي صدر عن مجلة الكرمل سنة 1987، وقرأت أيضا روايتين أو ثلاث بالفرنسية وبعض كتاباته الحقوقية والسياسية التي كانت تترجم هنا أو هناك.

الجلسة مع غويتيسولو ممتعة، إلا أنها تكون خالية تقريبا من الحديث عن الأدب؛ لأن جلساءه أغلبهم لا علاقة لهم بالحقل الأدبي والثقافي من جهة، ومن جهة أخرى كان يتحاشى الخوض في ذلك، ويرغب دائما سماع السلوكيات اليومية في مراكش وجامع الفناء على الخصوص. وإذا كان حدث ما لافت أو مزلزل في العالم يكون هو شغله الشاغل، مثل القضية الفلسطينية أو حرب البوسنة والهرسك أو اجتياح العراق…

كنت أيضا أزوره بمنزله المحاذي لجامع الفناء بحي القنارية درب سيدي بو الفضايل، كان في الأغلب يدعو ثلاثة أشخاص أو أربعة، المهتمين بالأدب والثقافة لمشاهدة حلقة من حلقات برنامج “قبلة”، الذي كان ينجزه لإحدى قنوات التلفزيون الإسباني، مثل البرنامج الذي أنجزه عن ناس الغيوان أو فلسطين أو الدراويش في تركيا، وقد كان موجودا في عين المكان أثناء تسجيل كل ما حضره. وإذا ما كنت راغبا في رؤيته خارج هذا السياق كنت أتصل به فيحدد لي موعدا ويستقبلني بحفاوته المعهودة في باحة منزله الأندلسي، وهي عادته مع جميع أصدقائه.

كان يقدم للأدب المغربي خاصة والعربي عموما خدمة كبيرة، حيث كان يرشح بعض الروايات لدار النشر بإسبانيا لترجمتها، وبما أنه لا يقرأ العربية كان يكلف أصدقاءه بقراءتها وإبداء الملاحظات حولها، وحذاري أن يفقد فيك الثقة الأدبية لأنه سيقرأ النص حين ترجمته، لأن كل ما يرشحه للترجمة مطالب بوضع تقديم له”.

 الموري في الاستشراق الإسباني

اشتهر غويتيسولو فضلا عن رواياته بكتابه “في الاستشراق الإسباني” الذي رسم فيه صورة المسلم أو الموري في المتخيل الإسباني: “يحتل الإسلام في متخيل الإسبان الذهني مكانة مركزية لا تفلت من انتباه المراقب حتى السطحي لأدبنا.

إن المسلم، مغربيا كان أم تركيا، “ساراثين” دُعِيَ أم “موريا”، يتقدم في هذا المتخيل في وجوه عديدة، ويثير تارة الذعر والحسد طورا، الشتيمة حينا والملاحقة حين آخر”. ويورد قولة المفكر الإسباني مانويل غارسيا مورنته: “منذ الغزو العربي والحياة الإسبانية تخضع لمقابلة: المسيحي/ الموري… فكل ما ليس لنا هو مسلم وأجنبي في آن واحد، وكل ما لنا هو مسيحي وإسباني في الوقت نفسه. إن التأكيد على ما هو “لنا” يتسع ليشمل، على نحو متزامن، المسيحية والإسبانية، أما التأكيد على ما ليس “لنا” فيستوعب على النحو ذاته قومية الآخر المتطفل ودينه.

وإلى يومنا هذا، ما زال بعض الآباء في أريافنا الأندلسية، يسمون كل صغير لم يُعمد بعد بـ”الموري”… يحدث غالبا لعدوين بمثل هذه الجذرية أن يعرفا فترات سلام وهدنة، بل وحتى تحالفات مرحلية. إلا أن الموري، صديقا كان لنا أم عدوا، معلما أم تلميذا، وحتى إذا جمعتنا به المدينة أو المنطقة نفسها التي نسكن، يظل يمثل “الآخر” بامتياز.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى