
كثيرون يتساءلون: لماذا يتحفظ الأطباء على بعض المناهج العلاجية المشهورة، مثل نظام «الطيبات» للدكتور ضياء العوضي، رحمه الله؟ ولماذا يصر الأطباء دائما على السؤال الممل: «أين الأبحاث؟»
هل لأن الأطباء يرفضون كل جديد؟ أو لأن لديهم عداء للأفكار المختلفة؟ أو لكى يظلوا هم قبلة المرضى يتكسبون من ورائهم؟
الحقيقة أبعد من ذلك تماما.
كيف ساعد طبيب أسير في معسكر نازي على تغيير الطب الحديث كله؟ وما علاقة ذلك بنظام الطيبات؟».
الطب وحياة البشر
الطب ليس ساحة للنوايا الحسنة، أو القصص المؤثرة، أو الشهادات الشخصية، مهما كانت صادقة.
الطب يتعلق بأمر أكثر خطورة: ألا وهو حياة البشر.
لو جاء شخص وقال: «هذا النظام شفى آلاف المرضى»، فسيسأل الطبيب سؤالا واحدا فقط:
كيف عرفت أنه هو الذي شفاهم؟
ربما تحسنوا تلقائيا.
ربما كانوا يتناولون علاجا آخر.
ربما المرض بطبيعته يتحسن، ثم ينتكس.
وربما تحسن البعض، بينما تضرر آخرون ولم تُحكَ قصصهم.
ولهذا السبب ظهر ما يسمى بـ«الطب القائم على الدليل العلمي» (Evidence-Based Medicine).
فبعد أن ظل الطب لقرون طويلة يعتمد بدرجات مختلفة على الخبرات والآراء والمدارس الطبية، أصبح لا يقبل إلا بالتجربة والدليل العلمي.
الطبيب آرتشي.. أسير حرب
الطب القائم على الدليل العلمي لا يعني تجاهل خبرة الأطباء، أو رفض الأفكار الجديدة، بل يعني ببساطة: ألا نقرر علاجا للبشر اعتمادا على الانطباعات والقصص والآراء، أو حتى التجارب الشخصية مهما بدت منطقية، وإنما نقرر العلاج بناء على أدلة يمكن اختبارها علميا وقياسها وإعادة تكرارها.
ومن هنا يظهر اسم رجل ربما لا يعرفه عامة الناس، لكنه غير أسلوب ومنهاج الطب الحديث كله، وهو الطبيب الأسكتلندي آرتشي كوكرين.
في عام 1941 كان كوكرين أسير حرب داخل معسكر اعتقال تابع للنازية في سالونيك باليونان، أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان مسؤولا طبيا عن آلاف الأسرى من زملائه، الذين بدؤوا يصابون بتورم شديد بالساقين والقدمين، بسبب قلة الطعام والجوع وسوء التغذية، وكانت الوفيات ترتفع بصورة مرعبة.
طلب كوكرين من السلطات الألمانية زيادة كمية الغذاء للأسرى، لكن طلبه قوبل بالرفض.
هنا واجه كوكرين سؤالا مصيريا: ما سبب هذا المرض؟ وكيف يمكن علاجه؟
لم تكن هناك أدلة واضحة آنذاك.
افترض كوكرين احتمالين:
إما نقص فيتامينC ، أو نقص فيتامينات B،
وبإمكانات شديدة البساطة حصل على كمية من الخميرة كمصدر لفيتامينات B، وكانت لديه كمية من فيتامين C.
وكان بإمكانه أن يفعل ما يفعله معظم البشر: يعطى الجميع العلاج الذي «يشعر» أنه صحيح، لكنه لم يفعل.
اختار عشرين أسيرا يعانون من نفس الحالة وقسمهم إلى مجموعتين: عشر حالات هنا وعشر هناك.
مجموعة تناولت فيتامين C، ومجموعة تناولت الخميرة.
ثم راقب النتائج وسجلها بالأرقام.
خلال أول يومين لم يظهر فرق.
لكن بعد 4 أيام بدأت مجموعة الخميرة تتحسن بصورة واضحة، بينما لم تتحسن المجموعة الأخرى.
أخذ كوكرين نتائجه إلى قائد المعسكر، فوافق على توفير الخميرة للأسرى بعد أن رأى الدليل. فاستطاع كوكرين تحسين أوضاع عدد كبير من الأسرى، وربما إنقاذ حياة كثيرين منهم بتجربته الفريدة.
ويروى كوكرين لاحقا أن هذه كانت أول تجربة إكلينيكية له، وأسماها: التجربة الأولى … الأسوأ… والأكثر نجاحا.»
كانت الدراسة بدائية، صغيرة العدد، وتحت ظروف كارثية، بل إنها لا تحقق معايير الدراسات الحديثة، لكنها صنعت فكرة غيرت الطب كله: «لا تعتمد على الانطباع عندما يمكنك الاختبار».
بعد الحرب أصبح آرتشي كوكرين الأب الروحي لحركة الطب القائم على الدليل، وسُمي أكبر تحالف علمي عالمي لمراجعة الأدلة الطبية العلمية باسمه Cochrane.
لماذا يتحفظ الأطباء على نظام «الطيبات»؟
الإجابة ليست لأن صاحبه سيئ، أو لأن الأطباء يرفضون الجديد.
بل لأن أي نظام يدعى أنه يعالج أمراضا متعددة، أو يحقق نتائج واسعة يحتاج إلى أن يمر بما يمر به أي علاج ناجح من دراسات إكلينيكية عشوائية منضبطة (هذا هو اسم هذا النوع من الدراسات) تعتمد على مجموعات لنقارن بينها، وتوزيع عشوائي للمشاركين في الدراسة على المجموعات، وقياسات لمخرجات أو نتائج مرجوة واضحة وتحليل إحصائي، وبعد ذلك نشر نتائج الدراسة في المجلات العلمية، ليتمكن الآخرون من مراجعتها وتكرارها.
وإن ثبتت فعالية العلاج يستفيد منه العالم كله وآلاف وربما ملايين المرضى، ويصبح إضافة عظيمة للطب.
أما إذا لم تُختبر الفكرة علميا، فتبقى مجرد فرضية أو تجربة شخصية مهما بدا أصحابها مقتنعين بها، أو بدت الفكرة مقنعة.
الفرق بين الفكرة والدليل ليس فرقا بسيطا، إنه المسافة بين الطب الحديث والطب الذي كان يعتمد على الحدس. والتخمين … بينهما… سنوات ضوئية.
ولكن، هل هناك دلائل على أن التجربة قد تثبت فشل العلاجات التي بدت ناجحة في نظر الأطباء أنفسهم؟
نعم، هناك العديد والكثير من الأدلة.
في تاريخ الطب ظهرت علاجات كان الأطباء والمرضى مقتنعين تماما بنجاحها، بل وشاهدوا تحسنات حقيقية أمام أعينهم. ثم جاءت الدراسات المنضبطة لتكتشف أن بعضها بلا فائدة، وبعضها كان يسبب ضررا.
دعوني أذكر لكم مثالين شهيرين غيرا نظرة الطب نفسه.
في سبعينيات القرن الماضي كان الدكتور بنجامين سبوك من أشهر أطباء الأطفال في العالم، وكان كتابه عن تربية الأطفال ورعايتهم من أكثر الكتب تأثيرا وانتشارا بين الآباء والأمهات.
وكانت له نصيحة بدت وقتها شديدة المنطق: أن ينام الرضيع على بطنه، وليس على ظهره، بعد الرضاعة.
كان التفسير مقنعا جدا؛ فإذا تقيأ الطفل بعض اللبن أثناء النوم، ظن الأطباء أن النوم على البطن قد يحميه من استنشاق القيء والاختناق. بدت الفكرة معقولة إلى درجة أن ملايين الأسر اتبعتها، ولم يكن الأمر يبدو مجرد رأى فردي، بل نصيحة طبية واسعة الانتشار، خاصة أن الغالبية العظمى من الرضع لا يموتون.
لكن مع مرور السنوات بدأ الباحثون يدرسون الأمر بصورة علمية، ويقارنون بين أوضاع نوم الرضع ومعدلات الوفيات الناتجة عن متلازمة الموت المفاجئ للرضع (SIDS).
مفاجأة «Back to Sleep»
ثم جاءت المفاجأة في نتيجة الدراسات:
الأطفال الذين ينامون على ظهورهم كانت معدلات الوفاة لديهم أقل بصورة واضحة ممن ينامون على بطونهم.
بمعنى آخر: الفكرة التي بدت منطقية ومقنعة لعقود، كانت مرتبطة بنتائج أسوأ ووفيات أكثر.
وبعد تراكم الأدلة من الدراسات ظهرت حملات صحية واسعة تحت شعار: «Back to Sleep» تدعو إلى وضع الرضع على ظهورهم أثناء النوم، وأدى ذلك إلى انخفاض كبير في معدلات وفيات الرضع من 30 -50 في المائة في دول عديدة. أي إن فرضية بدت منطقية قادت إلى توصية اتضح لاحقا أنها أسوأ، ثم تم تدارك الأمر بالتجربة العلمية.
لم يكن د. سبوك جاهلا، بل كان من أفضل الأطباء، ولم يكن سيئ النية، ولم يكن الناس أغبياء.
كانت المشكلة أبسط من ذلك: المنطق وحده لا يكفي.
ففي الطب، حتى أكثر الأفكار إقناعا تحتاج أن تمر بالاختبار العلمي الصحيح، قبل أن نطمئن إليها، لأن ما يبدو منطقيا ليس بالضرورة أن يكون علميا أو صحيحا.
دعونى أعطيكم مثلا آخر.
في الثمانينيات، كان الأطباء يعطون المرضى الذين يعانون اضطرابات في ضربات القلب بعد الجلطات أدوية تقلل هذه الاضطرابات. وكان الأمر يبدو منطقيا جدا؛ فاضطراب ضربات القلب قد يؤدي إلى الوفاة، وهذه الأدوية كانت تنجح بالفعل في القضاء على الاضطرابات أمام أعين الأطباء وعلى أجهزة رسم القلب.
بدا الأمر نجاحا باهرا.
لكن عندما أُجريت الدراسات الإكلينيكية العشوائية المنضبطة كانت الصدمة:
الأدوية نجحت في تحسين رسم القلب وتقليل الاضطرابات فعلا… لكنها زادت معدلات الوفاة.
بمعنى آخر: ما بدا نجاحا واضحا كان يؤدي إلى نتائج أسوأ للمرضى دون أن ندري، فالنتيجة الواضحة … تحسن في اضطراب القلب والنتيجة الخفية … زيادة معدل الوفيات من هذا العلاج.
كان هذا درسا مهما للطب كله:
ليس كل ما يبدو صحيحا يكون صحيحا فعلا، وليس كل ما نشاهده بأعيننا يعكس الحقيقة كاملة.
ولهذا لا يكتفي الطب بالانطباع أو التجربة الشخصية أو تحسن بضع أو عشرات الحالات، بل يصر الطب على الاختبار العلمي المنظم، والمنضبط فبدونه تكون الحقيقة ناقصة.
وإذا ذهبنا الى نظام الطيبات ستظهر حجة تتكرر كثيرا: «الأطباء رفضوا مناظرة د. العوضي، لأنهم يخافون الهزيمة أمامه».
لكن في الحقيقة هذه الفكرة تقوم على سوء فهم لطبيعة العلم أصلا.
في السياسة قد تحسم المناظرة الفائز، وفي الإعلام قد ينتصر الأكثر بلاغة وحضورا، وفي البرامج التلفزيونية قد يكسب الأكثر تأثيرا على الجمهور. أما في الطب فلا تُحسم الحقائق بالتصفيق ولا بسرعة البديهة ولا بقوة الإقناع.
لو كان التفوق في المناظرات دليلا علميا، لأصبحت أفضل علاجات الأمراض الخطيرة تُختار داخل الاستوديوهات لا داخل مراكز الأبحاث.
العلم بين المناظرة والدليل
العلم لا يسأل: «من انتصر في المناظرة؟»، بل يسأل: «ما الدليل من التجربة؟».
أشهر العلماء في التاريخ لم يثبتوا صحة أفكارهم بمناظرات تلفزيونية؛ بل أثبتوها بتجارب منضبطة يمكن للآخرين مراجعتها وإعادة تكرارها واختبار نتائجها.
ولهذا إذا ادعى شخص أن لديه نظاما علاجيا ناجحا، فليس المطلوب أن يهزم طبيبا في مناظرة، بل أن يهزم «الفرضية الصفرية» داخل دراسة إكلينيكية منضبطة جيدة التصميم.
المناظرة قد تثبت مهارة المتحدث… لكنها لا تثبت أبدا فاعلية العلاج.
«المناظرة تختبر لباقة المتحدث… أما التجربة الإكلينيكية فتختبر صحة الفكرة التي يطرحها».
وهنا تظهر بعض الأسئلة الهامة التي لا بد من إجابتها:
1- لماذا لا تكفي الشهادات الشخصية؟
قد يقول أحدهم: «أنا جربت نظام الطيبات وتحسنت».
وأنا أصدقه. بالفعل ربما تحسن.
لكن الطب يسأل سؤالا مختلفا:
هل تحسن بسبب النظام، أم بالتزامن معه؟ فهناك أمراض تتحسن تلقائيا، وأعراض تتذبذب بطبيعتها، وتأثير نفسي معروف يسمى «البلاسيبو» (Placebo Effect) يجعل المريض يشعر بتحسن حقيقي حتى لو تناول مادة غير فعالة.
وهل هناك غيره لم يتحسنوا، أو أصابهم ضرر؟
ولذلك لا ينكر الطب تجارب الناس، لكنه يعلم أن التجربة الشخصية، ولو كانت ناجحة، لا تستطيع وحدها إثبات السبب والنتيجة أو إقامة حجة على فاعلية نظام علاجي أو دواء ما. ولهذا وُجدت الدراسات المنضبطة.
2- على من يقع العبء الحقيقي لإثبات الادعاء؟
في العلم لا يُطلب من الآخرين إثبات أن الفكرة خاطئة.
بل يُطلب من صاحب الفكرة إثبات أنها صحيحة.
لو قلت لك إن لدي دواء يشفي السكر والضغط والمناعة والسرطان ويحسن الصحة العامة، فلن يكون المطلوب من العالم كله أن يثبت أنني مخطئ. بل المطلوب منى أنا أن أقدم الدليل العلمي المقبول.
وهذا ليس ظلما أو تعسفا، بل قاعدة أساسية تمنع تحول الطب إلى ساحة ادعاءات لا تنتهي.
3- إذا كان النظام فعالا فعلا فلماذا يطالب الأطباء بالدراسة؟
قد يظن البعض أن طلب الدراسات هدفه التعقيد أو التعنت.
العكس تماما.
إذا أثبتت الدراسات فاعلية أي فكرة جديدة، فلن يحتكرها أحد.
سيتحول الأمر من تجربة شخصية إلى معرفة يستفيد منها ملايين المرضى حول العالم.
فالعلم لا يدفن الأفكار الجيدة… بل يمنحها الخلود.
ليست المشكلة أن تكون لديك فكرة مختلفة.
المشكلة أن تطلب من الناس أن يعالجوا أجسادهم بناء على الثقة وحدها، بينما توجد أدوات صنعها العلم لاختبار الحقيقة لم تستخدمها، فلا يوجد في ما هو منشور في المجتمع العلمي، تجارب إكلينيكية عشوائية منضبطة كافية تسمح بتقييم فعالية نظام الطيبات بصورة علمية».
أخيرا، ليس المطلوب أن نرفض كل فكرة جديدة، ولا أن نقدس ما اعتاده الطب. المطلوب فقط أن نستخدم نفس الأداة على الجميع: الدليل العلمي. لأن المرضى لا يحتاجون أفكارا تبدو صحيحة… بل يحتاجون أفكارا ثبت فعلا أنها صحيحة.
وبين الأمرين… سنوات ضوئية.
نافذة:
المنطق وحده لا يكفي ففي الطب حتى أكثر الأفكار إقناعا تحتاج أن تمر بالاختبار العلمي الصحيح قبل أن نطمئن إليها لأن ما يبدو منطقيا ليس بالضرورة أن يكون علميا أو صحيحا




