ذاكرة المدن

تعرضت شقته بالدار البيضاء لهجوم بقنبلة عنقودية بسبب كتاباته المناوئة للحماية

حسن البصري

في الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الفرنسية تجد اسم ميشال أنطوان مازيلا في لائحة شهداء فرنسا، رغم أن عبوره في جيش بلده كان بصفته مراسلا حربيا، وفي كثير من الندوات حول تاريخ الصحافة المكتوبة كان اسمه يتردد بقوة بوصفه واحدا من سفراء القلم إلى الجزائر والمغرب.
ولد أنطوان مازيلا في مدينة وهران الجزائرية عام 1912، من أبوين فرنسيين يعملان في مصالح إدارية بالمدينة الجزائرية، خضع للتجنيد الإجباري في الجزائر قبل أن يرحل إلى المغرب ليشتغل في مجال الصحافة مراسلا، أولا، لمجموعة من الصحف الجزائرية اليسارية، ومحررا ثانيا في جريدة «لوبوتي ماروكان». وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية، تحول إلى مراسل حربي ينقل الأخبار من جبهات القتال في إيطاليا، كما اشتغل فترة قصيرة في تونس.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد ميشال إلى المغرب لينضم إلى تنظيم نقابي «الكونفدرالية العامة للشغل»، ويقرر استبدال مهنة المتاعب بمهنة أخرى لا تقل عن سابقتها أوجاعا ومحنا. دخوله للعمل النقابي لم يدم طويلا حيث تلقى مقترحا بالعودة إلى الصحافة المكتوبة رئيس تحرير لصحيفة «ماروك بريس»، التي كانت في ملكية الفرنسي لوميغر دوبروي، صاحب شركة «لوسيور»، ابتداء من سنة 1954.
يتحدث الباحث المغربي عبد الرحمن زحل عن معاناة مازيلا خلال اشتغاله ريس تحرير لصحيفة معارضة للتوجه الاستعماري، «وجد الصحافي نفسه رئيس تحرير في مقاولة جديدة، وكان يريد التخلص من معاناته حين كان محررا في جريدة «لوبوتي ماروكان»».
يتذكر مازيلا معاناته وما جلبت له كتاباته من عداء: «في 11 أكتوبر1954 كنت في طريق عودتي رفقة الزعماء الوطنيين المغاربة المفرج عنهم في تلك الآونة، وكنت أقصد بيتي، بعد أن مررت بالصحيفة لأعيد قراءة آخر المسودات. وبعد ساعتين، أي في الواحدة صباحا، شرع إرهابيون في إلقاء قنبلة لتنفجر في شرفتي، وترتمي شظاياها في الشقة، وفي الحجرة حيث ينام الأطفال، وقد نجت بنيتي من الموت بأعجوبة. وأراني وزوجتي التي كنت أعهدها شجاعة، كيف يعجزها الغضب وهي ترى أبناءنا الثلاثة فزعين يبكون، فيما الشرطة تجتاح الشقة لكي «تفتح تحقيقا»، وكأنها كانت تجهل بهوية الفرنسيين الجناة».
لم يخرج ميشال من الصدمة حيث اضطر إلى تهجير زوجته وأبنائه إلى فرنسا لمدة طويلة، لنسيان المداهمة التي سجلت ضد مجهول، لكن الاعتداء الجبان على صحافي أعزل خلف عند أنطوان مازيلا ألما يتعذر عن الوصف، رغم أن الصحافي كان يملك بنية قوية وقوة تحمل. قال أنطوان: «أن يستهدفني أعدائي، فذلك شيء طبيعي، وأما أن يتعرضوا لأسرتي، فذلك فعل حقير».
الحملة استهدفت أقلاما أخرى صنفت في خانة «أصدقاء الحركة الوطنية»، ففي مساء يوم السبت 11 يونيو 1955، قتل جاك لوميكر، مالك الجريدة، قرب مسكنه في عمارة الحرية بالدار البيضاء، بالمكان الذي أصبح يحمل اسمه، تمت تصفيته برصاص فرنسي متطرف.
حين نال المغرب استقلاله، قرر أنطوان القطع مع مهنة المتاعب، وعاد إلى فرنسا رفقة أفراد أسرته، قبل أن يتلقى عرضا من صديقه النقابي المحجوب بن الصديق بالعمل في المغرب مشرفا على المكتب الشريف للاستغلال المعدني، وهي المهمة التي جعلت الصحفي يغير جلده بعد أن قضى فيها أربع عشرة سنة.
في 28 أبريل 2014 توفي أنطون تاركا وراءه مكتبة حبلى بالمستندات التاريخية، وفوقها صورة لمحمد الخامس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق