
النعمان اليعلاوي
كشف تقرير صادر عن المرصد المغربي لليقظة الإعلامية والرقمية، حول الرصد والتتبع الرقمي للانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، عن تحولات في أساليب التواصل الانتخابي بالمغرب، بعدما أصبحت شبكات الإنترنت أداة مركزية في استقطاب الناخبين والتأثير في اختياراتهم، ولم تعد مجرد وسيلة مكملة للحملات الميدانية.
وأفاد التقرير بأن عدد مستعملي الإنترنت بالمغرب بلغ نحو 35.5 مليون شخص خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، مقابل 27.62 مليون سنة 2021، مسجلا ارتفاعا يواكب توسع المجال الرقمي وتحوله إلى ساحة رئيسية للتنافس بين الأحزاب السياسية. وإذا كانت الانتخابات السابقة عرفت اعتمادا مكثفا على الإنترنت بسبب جائحة كورونا والقيود المفروضة على التجمعات، فإن الأحزاب، خلال استحقاقات 2026، واصلت الاعتماد عليه رغم السماح بتنظيم التجمعات الجماهيرية.
وأوضح التقرير أن حجم المتابعين على المنصات الرقمية لا يعكس بالضرورة مستوى التفاعل مع المحتوى الحزبي، مستندا إلى دراسة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري شملت صفحات 12 حزبا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026. وأبرز التقرير، كذلك، تفاوتا كبيرا في الإنفاق على الإعلانات الرقمية، إذ بلغ إنفاق الحزب الأكثر صرفا 836 ألفا و75 دولارا (836 مليون سنتيم)، مقابل 2724 دولارا للحزب الأقل إنفاقا، أي بفارق يتجاوز 300 مرة.
ورصد التقرير استخدام بعض الأحزاب أدوات الذكاء الاصطناعي خلال الحملة الانتخابية، من خلال برامج للإجابة عن أسئلة الناخبين، وشخصيات رقمية تتحدث باسم مرشحين، وصور ومقاطع فيديو مولدة آليا. غير أن أغلب هذه المضامين، بحسب الوثيقة، لم تكن تشير بوضوح إلى كونها مصنوعة باستخدام هذه التقنيات، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بالشفافية وحق الناخب في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الاصطناعي.
وفي مقابل تطور الأدوات الرقمية، سجل التقرير أن الحملة الانتخابية لم تفرز مواجهة واضحة بين البرامج السياسية للأحزاب، إذ اتجهت التنظيمات إلى تقديم عروضها بشكل منفصل مع تقارب ملحوظ في الوعود الانتخابية. وركزت ستة أحزاب من أصل عشرة على القدرة الشرائية والخدمات، بينما أعطت أحزاب أخرى الأولوية للتشغيل ودعم الأسر.
وبرزت، أيضا، ملفات الفساد وتضارب المصالح وارتفاع الأسعار والدعم العمومي ضمن أكثر المواضيع تداولا، خصوصا قضية دعم استيراد الأغنام، المعروفة إعلاميا بـ«ملف الفراقشية»، التي تحولت إلى موضوع لتبادل الاتهامات بين أحزاب، من بينها أطراف كانت مشاركة في الأغلبية الحكومية السابقة.
وسجل التقرير أن النقاش الانتخابي اتجه، في حالات متعددة، نحو التشكيك في صدقية الخصوم واتهامهم بالشعبوية وتقديم وعود غير واقعية، بدل المقارنة بين الحلول المقترحة. فيما لاحظ التقرير محدودية حضور قضايا الحريات والإصلاح الديمقراطي، مقابل هيمنة الملفات الاجتماعية والاقتصادية على الخطاب الانتخابي.
وبحسب التقرير، تصدرت التسريبات الصوتية والاتهامات المتبادلة ومقاطع الخروقات الانتخابية والفيديوهات الشخصية والبث المباشر قائمة المضامين المتداولة، إلى جانب المحتوى الديني والمحتويات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية والإعلانات الحزبية.
وخلص معدو الوثيقة إلى أن المحتوى المرتبط بالصراع والشخصيات والأحداث يحظى بانتشار أكبر من المحتوى المرتبط بالبرامج، معتبرين أن الشبكات الرقمية أصبحت تؤثر في المشهد الانتخابي عبر صناعة صورة بعض المرشحين، والمساهمة في كشف وقائع قد تفضي إلى فتح أبحاث قضائية، فضلا عن توفير مضامين قد تُستعمل في الطعون الانتخابية.
وأثار التقرير، كذلك، مسألة انتقال منتخبين بين الأحزاب خلال الأسابيع القليلة السابقة للاقتراع، معتبرا أن هذه الممارسات تطرح إشكالا بشأن قدرة الناخب على التمييز بين المشاريع الحزبية، عندما ينتقل المرشح نفسه من تنظيم سياسي إلى آخر.
وشدد التقرير على ضرورة تحويل الرصد الرقمي من تدخل ظرفي مرتبط بمواعد الانتخابات إلى عمل مستمر، يستند إلى منهجية معلنة وقواعد موحدة لتتبع الحسابات والمحتويات المتداولة، بما يعزز الشفافية ويساعد على فهم تأثير المجال الرقمي في المنافسة السياسية.





