
التزمت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أمام ملايين المغاربة، وداخل مؤسسة دستورية، هي البرلمان، بإخراج قانون يجرم الإثراء غير المشروع. وهو ما جعل النواب البرلمانيين من الأغلبية والمعارضة يصفقون لها بحرارة، لأن هذا الموضوع كان من القضايا التي أثارت الكثير من النقاش والجدل في السنوات الأخيرة، بالنظر إلى ما يرتبط به من أسئلة حول مصادر الثروات، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والاغتناء غير المبرر خلال تولي المسؤوليات العمومية.
إن المغاربة لا ينتظرون من الحكومة أن ترفع سقف الوعود فحسب، بل أن تقدم ما يثبت أن زمن التساهل مع الإثراء غير المشروع قد أصبح جزءا من الماضي. وشعار «من أين لك هذا؟»، ينبغي ألا يبقى مجرد سؤال يتردد في النقاش العمومي، بل أن يتحول إلى مبدأ مؤسساتي تحكمه قواعد القانون، وتدعمه رقابة مستقلة، وتترتب عليه نتائج ملموسة.
ويتضمن دستور 2011 بشكل صريح في الفصل 36 الإشارة إلى إخراج نص قانوني لتجريم بعض الممارسات التي تمس بالنزاهة، بحيث ينص الفصل المذكور على أن القانون يعاقب على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي، وعلى السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الانحرافات، ويعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.
لقد أصبحت السياسة وسيلة للاغتناء، وتحولت الانتخابات إلى «حرفة» تزاولها بعض الكائنات الانتخابية، إلى درجة أصبحنا نرى بعض محترفي اللعبة الانتخابية يورثون الكراسي لأبنائهم وزوجاتهم، وأصبحوا من كبار الأثرياء يملكون القصور والسيارات الفارهة داخل أرض الوطن وخارجه، بعدما كانوا في بداية مسارهم بالكاد يوفرون «عشاء ليلة» كما يقال، ما يجعل الكثير من الأسئلة تثار حول مدى مصداقية تفعيل قانون التصريح الإجباري بالممتلكات، وتتبع ثروات الوزراء والبرلمانيون وكبار المسؤولين والموظفين الملزمين بالتصريح بممتلكاتهم.
وأسند دستور المملكة في فصله 147 للمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات. كما ألزم الفصل 158 من الدستور كل شخص منتخبا كان أو معينا، يمارس مسؤولية عمومية، أن يقدم، طبقا للكيفيات المحددة في القانون، تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التي في حيازته، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بمجرد تسلمه لمهامه، وخلال ممارستها وعند انتهائها.
ويشكل تحديد مصادر ثراء المنتخبين وكبار المسؤولين أحد أعمدة الحكامة الجيدة والشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد، ورغم أن المغرب اعتمد قانون التصريح الإجباري بالممتلكات منذ سنة 2010، لكن هذا القانون تشوبه العديد من النقائص والثغرات التي تجعل مهمة تتبع ثروات الملزمين بالتصاريح غير ذات جدوى، وذلك في ظل استغلال المعنيين لهذه النقائص في التحايل على القانون، بتسجيل ممتلكاتهم في أسماء زوجاتهم وأبنائهم، في حين يتملص البعض الآخر من التصريح بالممتلكات، أمام الصعوبات التي تواجه المجلس الأعلى للحسابات في دراسة كل الملفات المعروضة عليه، كما أن نسبة كبيرة من المسؤولين الملزمين لا يصرحون أبدا بممتلكاتهم، ما يطرح أسئلة مقلقة حول فعالية هذا القانون في محاربة الإثراء غير المشروع، وتفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟».





