
لم تكد حرب الاستوزار تضع أوزارها، بعد أن حسمت الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية معركة توزيع الحقائب الوزارية وتقاسمت مواقع المسؤولية، حتى اندلعت حرب من نوع آخر داخل الأحزاب نفسها، عنوانها هذه المرة الظفر بمقاعد داخل دواوين الوزراء، في مشهد يعيد إلى الواجهة السؤال القديم- الجديد حول طبيعة العلاقة بين المسؤولية الحكومية وخدمة المصالح الحزبية والشخصية، وحول ما إذا كانت المناصب العمومية تحولت إلى غنائم يجري توزيعها لإرضاء المقربين وتدبير التوازنات الداخلية، بدل جعلها أدوات لخدمة المواطنين وتنفيذ البرامج الحكومية.
فإذا كانت معركة الاستوزار دارت حول من سيحصل على حقيبة وزارية، فإن المعركة الجديدة تدور حول من سيحظى بمقعد داخل الديوان، ومن سينجح في حجز موقع بالقرب من الوزير، بما يوفره ذلك من نفوذ وامتيازات وإمكانية الوصول إلى مراكز القرار، حيث تحولت الدواوين إلى «ريع» حزبي يتم توزيعه على المقربين أولا.
والأخطر في هذه الحرب أنها تفتح الباب أمام إعادة إنتاج ممارسات ظلت تثير الكثير من الانتقادات داخل الإدارة العمومية، وفي مقدمتها استغلال الدواوين لإيواء موظفين يفترض أنهم يمارسون مهامهم داخل إداراتهم ومؤسساتهم الأصلية، لكنهم يجدون في القرب من الوزراء فرصة للابتعاد عن وظائفهم الفعلية، والاستفادة من وضعيات إدارية ومالية أكثر جاذبية، دون أن يقابل ذلك بالضرورة أداء مهني يتناسب مع حجم المسؤولية والامتيازات.
وبذلك تحولت دواوين الوزراء إلى مرتع للموظفين «الأشباح» الذين يتهربون من أداء مهامهم، عوض أن تكون فضاءات لإعداد القرارات وتتبع تنفيذها وتنسيق البرامج، وحين تغيب معايير الكفاءة والاستحقاق والمحاسبة، تتحول دواوين الوزراء إلى ملاذ لبعض الباحثين عن الامتيازات، أو محطة للموظفين الذين يفضلون مغادرة مواقع العمل الفعلية نحو فضاءات النفوذ والظهور بالقرب من المسؤولين.
فعلا هناك أطر وكفاءات تحتاج إليها القطاعات الحكومية، وقد يكون إلحاقها بالدواوين ضروريا لضمان التنسيق والنجاعة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه المواقع إلى مكافآت سياسية، أو امتيازات توزع على أساس القرابة والولاء والعلاقات الحزبية، عوض الكفاءة والتجربة والقدرة على تقديم قيمة مضافة للعمل الحكومي.
وتزداد خطورة الوضع عندما يستغل بعض أعضاء الدواوين صفتهم وموقعهم بالقرب من الوزراء لقضاء مصالح شخصية، أو «السمسرة» في الملفات، من خلال التدخل لفائدة أشخاص وشركات تربطهم علاقات مصالح مع القطاعات الوزارية التي يشتغلون بها، كما يستغلون معلومات وأسرارا تتوفر لهم بحكم قربهم من الوزير في أغراض تمس بالشفافية والنزاهة، لأنه، حينما يتحول الانتماء إلى ديوان وزير إلى وسيلة لتسهيل المصالح الخاصة أو منح الانطباع بامتلاك مفاتيح الإدارة، يصبح الأمر متجاوزا لمجرد الاختلال في تدبير الموارد البشرية، ويمس جوهر الثقة في المؤسسات ومبدأ المساواة أمام المرافق العمومية.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل ما يرتبط بعضوية الدواوين من تعويضات وامتيازات مادية وإدارية، تختلف بحسب الإطار القانوني والوضعية المهنية وطبيعة المهام المسندة، حيث يحصل أعضاء دواوين الوزراء على تعويضات مالية تفوق 20 ألف درهم شهريا، تنضاف إليها «البريمات السخية» و«التعويضات السمينة» عن التنقل داخل الوطن وخارجه لأداء مهام تكون في غالب الأحيان «وهمية» لتبرير صرف هذه التعويضات من المال العام.
لذلك من الواجب وضع حد لهذه الممارسات، لأن خطورتها لا تقف عند حدود هدر المال العام أو سوء تدبير الموارد البشرية، بل تمتد إلى تشويه وظيفة الديوان الوزاري نفسه، وتحويله من أداة لمساعدة الوزير على اتخاذ القرار إلى مجرد «ريع» سياسي.





