
للمرة الثانية يستقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بعد تعيينها رئيسة للحكومة المكلفة، وذلك بعد إعلانها عن تشكيل التحالف الأغلبي من أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. وأصدر الديوان الملكي بلاغا حول هذا الاستقبال تضمن عدة إشارات ورسائل بشأن متطلبات تشكيل حكومة قوية تكون في مستوى التحديات والرهانات التي تواجه المغرب في المرحلة المقبلة.
ولعل الرسالة الأبرز، التي حملها بلاغ الديوان الملكي، حين أكد أن المرحلة المقبلة تتطلب «تعبئة شاملة، وأداء حكوميا جادا ومسؤولا، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وفي مختلف المستويات»، تكمن في ضرورة الانتقال من منطق التوافقات السياسية المجردة إلى منطق المسؤولية والنجاعة والكفاءة في تدبير الشأن العام.
إن هذه الإشارة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد توصيف عام لمتطلبات المرحلة المقبلة، بل تنبغي قراءتها في سياق سياسي واجتماعي يفرض مراجعة عميقة لمعايير اختيار أعضاء الحكومة، بعيدا عن الحسابات الضيقة التي ظلت، في محطات سابقة، تلقي بظلالها على هندسة التحالفات وتوزيع الحقائب الوزارية.
إن المغرب، وهو يستعد لمرحلة جديدة من التدبير الحكومي، لا يحتاج إلى حكومة ترضي جميع الأطراف السياسية بقدر ما يحتاج إلى فريق قادر على ترجمة الالتزامات إلى قرارات، والبرامج إلى نتائج ملموسة والتوجيهات إلى سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين.
ولم يعد تشكيل الحكومة المقبلة يحتمل تكرار الأخطاء التي وقعت فيها حكومات سابقة بخصوص تدبير المشاورات بمنطق إرضاء الأحزاب وتوزيع الحقائب الوزارية وفق حسابات التوازنات والتحالفات، واقتراح المقربين والأصدقاء للاستوزار وكأن الأمر يتعلق بتوزيع «الغنائم»، عوض اقتراح كفاءات لتحمل مسؤولية تدبير شؤون بلد يواجه رهانات اقتصادية واجتماعية متزايدة، وانتظارات شعبية لم تعد تحتمل مزيدا من الوعود المؤجلة.
وأبانت تجارب سابقة عن أن الإشكال الحقيقي الذي يرافق كل مشاورات تشكيل حكومة جديدة لا يكمن فقط في هوية الأحزاب المشاركة فيها أو حجم تمثيليتها، بل في المعايير التي يتم اعتمادها لاختيار الأشخاص الذين سيتولون تدبير القطاعات الوزارية، وهنا فالتحدي الأكبر الذي يواجه رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، هو البحث عن «بروفايلات» تتوفر على التجربة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، عوض أن تبقى رهينة الاعتبارات الحزبية والشخصية، وإرضاء مراكز النفوذ داخل التنظيمات السياسية، والاعتماد على الولاءات التنظيمية والتوازنات الداخلية لتزكية أسماء لا تملك بالضرورة المؤهلات المطلوبة لتدبير قطاعات حيوية واستراتيجية بالنسبة للبلاد والعباد.
فالجدية والمسؤولية اللتان تحدث عنهما بلاغ الديوان الملكي تقتضيان القطع مع منطق إسناد الحقائب الوزارية على أساس الأقدمية الحزبية أو الولاء التنظيمي أو الرغبة في مكافأة بعض الوجوه على مواقعها داخل الأحزاب، لأن المنصب الوزاري ليس امتيازا شخصيا، ولا «غنيمة» تمنح لأشخاص مقربين، بل تكليف ثقيل بالمسؤولية يرتبط بمصالح ملايين المغاربة، لذلك يتوجب اقتراح أسماء تكون قادرة على تحمل هذه المسؤولية، من خلال الاعتماد على معايير واضحة وموضوعية، تستحضر التكوين والخبرة والتجربة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، مع إخضاع الأداء للتقييم والمحاسبة.
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة الجديدة هي أن المرحلة المقبلة تتطلب حكومة قوية تكون في مستوى التحديات والرهانات التي تواجه البلاد داخليا وخارجيا.





