الرأي

حول الصراع العربي الصهيوني والتطبيع

بقلم: خالص جلبي

رسالة من أخت فاضلة من غزة قالت: «لماذا لا ننتصر رغم كل التضحيات التي قدمناها.. رغم كل الدماء التي سكبت ونزفت… رغم كل هذا الصمود الأسطوري لشعبنا… ورغم رغم رغم؟»،
وكان جوابي: جوابك يحمل قسما من شرح المشكلة، وفي تقديري أنه من أجل النجاح في أي عمل لا بد له من عنصرين ـ وفي هذا جاء كتابي «في النقد الذاتي» ـ تضافر الجانب النفسي والجانب الفني. تأملي قوله تعالى «ناصح أمين» وقوله ـ والمكرر ـ «القوي الأمين». مثلا في قصة فتاة مدين مع موسى، وفي قول عفريت من الجن للنبي سلمان. شرح هذه الفكرة بسيط من الأم وابنها ـ ابنتها، وفي الطبيب والعملية الجراحية. كل الأمهات يحرصن بصدق على تربية أطفالهن على أحسن وجه، ولكنها ثمرات مختلف ألوانها وغرابيب سود. والطبيب الحريص على إنقاذ المريض لا يكفي حرصه، بل لا بد له من الإتقان الفني للتدخل الجراحي.
أكرر أنا جملتين لا أمل من ترديدهما: انسوا إسرائيل وانتبهوا إلى التفكك الداخلي عندنا. هنا إسرائيل تأتي كنتيجة وليست سببا لوضعنا. بكلمة أدق البرد يأتي بالرشح، ومرض السكر يهيئ للدمامل.
إذا كان الورم الصهيوني ـ بكلمة أدق السرطان الصهيوني ـ قد زرعه الغرب ليتخلص من اليهود ويشبكهم بصراع لا نهاية له مع الأمة الإسلامية، فهو خاطئ مرتين، كما أن اليهود ارتكبوا أكبر حماقة في تاريخهم في أن يسكنوا في أرض مليئة بالغيلان. تايوان في الشرق البعيد أصبحت في حضن الأم الصين، وكذلك سيكون مصير بني صهيون حين يتحسن وضع العرب ويصبحوا بنعمته إخوانا. وحين يتقاتل العرب، ولو كان لبني صهيون يد في إيقاظه، فبسبب الاستعداد الداخلي لذلك.
أقول وأكرر نموذج مثال المرسل والمستقبل كما جاء في الإنجيل عن مثل الزرع والزارع: إذا عرضت خمسة أوساط مختلفة للحرارة أخذت خمس نتائج مختلفة. إذا عرضت الماء والحليب والشمع والبنزين والبارود للنار تباينت النتائج، أما الماء فيتبخر والحليب يفور والشمع يذوب والبنزين يلتهب والبارود يتفجر. المشكلة الأساسية والجوهرية والتناقض الحاد والجوهري هو أوضاعنا الداخلية، ولو خسف الله الأرض ببني صهيون فلن تتغير أوضاعنا، ولتقاتلت فتح وحماس بكل حماس.
عندنا أمران يجب استيعابهما: علينا أن ننسى إسرائيل، لأن العنصر الداخلي هو الأهم والتناقض الجوهري داخلي بحت. وحين بعث نبي الرحمة (ص) طلبوا منه السكوت وله الملك فرفض، وقال: «لا لهذا جئت ولا لهذا بعثت». أقول لو إن نتنياهو قتل يهوديا واحدا، ما بقي في كرسيه يوما واحدا، أما في سوريا فالبراميلي قتل مليونا وهجر 15 مليونا، وسوف يعاد انتخابه مجددا بكل وقاحة وبجاحة. المشكلة الجوهرية ظهرت تماما مع حماس عندكم فكانت فرصتها أن تبني مجتمع الصحابة، ولكن هيهات هيهات لما توعدون. لذا وفي قناعتي العميقة أن نبني الشباب بالعلم والرحمة على غرار حلقاتي في «رحلة العلم والسلم». وأما بنو صهيون فسيأتي دورهم بالتأكيد حين يستيقظ العرب وهذا قادم بالتأكيد، ويمكن تسريعه في مدى ثلاثين عاما، في تكوين ثلاثة مستويات من العلم والسلم، كل دورة بعشر سنوات. ولو انتبهت حماس إلى هذا واستغنت عن صواريخ السليماني المجرم وصوارخ إيران، لكان أنفع لها، ولكنهم يؤمنون بالقوة أنها المركز وهذا لب المجتمع الوثني وإن لم نسمه. وفي القرآن المعاناة هي التي تصحح الطريق، اقرئي قوله تعالى «ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون الأكبر لعلهم يرجعون». ومن خلال الصقل المستمر لهذه المفاهيم وتعميمها يمكن الخروج من عنق الزجاجة وبناء مجتمع العدل لو كانوا يعقلون. سنصل في النهاية إلى وضع أفضل، ولكن بمعاناة طويلة فمن ينطح برأسه الجدار وهو أعمى سيفطن في النهاية أن عليه أن يغير الاتجاه، كان ذلك في الكتاب مسطورا. وحاليا يبدو أن حكومات العالم العربي ستتدافع إلى التطبيع مع إسرائيل، وفي ظنها أن التطبيع هو عناق وتقبيل وهي حماقة سيدركونها متأخرين، أن هناك فاتورة تعويضات مخيفة بلغت، حسب مصدر إسرائيلي، 250 مليار دولار، كما حصل مع أوروبا والهولوكوست المزعوم. ولكن تطبيع (الحكومات) لا يعني تطبيع (الشعوب)، فسوف تنظر الشعوب إلى ثلاثة أعداء بريبة وتيقظ وهم الثلاثي: الطغاة والغلاة والغزاة. في إطاحة الحكومات المستبدة بطرق سلمية عاقلة، وتنظيف الوجدان من خوارج العصر الجديد (داعش وفاحش) والغزاة من بني صهيون. وهنا نقطة هامة يجب الانتباه إليها وهي أن معركتنا المستقبلية هي ضد الفكرة العنصرية الصهيونية، وليست اليهود، ولسنا بصدد طردهم؛ فمن ولد على هذه الأرض عاش ضمن دولة مواطنة، كما حصل في جنوب إفريقيا. المهم هو التخلص من فكرة الصهيونية وخرافاتها، كما تحدث روجي غارودي عن الأساطير المؤسسة. وبذلك تتخلص إسرائيل من الكود الوراثي عندها وتتحول من ورم سرطاني إلى ورم حميد يذوب في الجسم، كما يحصل مع أي كتلة شحمية. وهذا سيكون في المستقبل، ويجب تكريس هذه الفكرة وترديدها بدون ملل، فهي خشبة الخلاص للمنطقة في التخلص من الثلاثي الخطير، الغزاة والطغاة والغلاة، وترسيخ مفاهيم السلام في المقاومة، كما فعل السيد المسيح يوما في فلسطين وهو يواجه أعتى قوتين روما والسنهدرين اليهودي، الذي كفر سبينوزا لاحقا وطعنه بسكين في رقبته.
ونصيحتي للأخت: «اتقني العبرية واختلطي بثقافتهم وافهمي عقليتهم واكتبي في ذلك». وختمت كلماتي أن المؤرخ البريطاني توينبي يعتبر وجود إسرائيل جيدا، فهو المنخس الذي سوف يحرك العرب للنهوض، كما يفعل الذباب مع الخيل الذي يطرده بذنبه وهو قادم.

في القرآن المعاناة هي التي تصحح الطريق، اقرئي قوله تعالى «ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون الأكبر لعلهم يرجعون». ومن خلال الصقل المستمر لهذه المفاهيم وتعميمها يمكن الخروج من عنق الزجاجة وبناء مجتمع العدل لو كانوا يعقلون. سنصل في النهاية إلى وضع أفضل، ولكن بمعاناة طويلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى