
أنجاز: سفيان أندجار
لم يعد مركب محمد الخامس بالدار البيضاء بالنسبة إلى جزء كبير من جماهير الوداد والرجاء الرياضيين مجرد ملعب يحتضن مباريات الفريقين، وإنما تحول، مع توالي الأسابيع، إلى مصدر جديد للقلق والاحتقان، بعدما أصبحت عملية ولوج الجماهير إلى المدرجات تطرح مشاكل متكررة، تتراوح بين الاكتظاظ وطول الطوابير، وتعطل بعض بوابات المراقبة، وصعوبة قراءة التذاكر، وصولا إلى التدافع والاحتكاك بين المشجعين، في مشاهد تعيد إلى الواجهة السؤال القديم حول قدرة هذا الملعب التاريخي على استيعاب الحضور الجماهيري الكبير في ظروف آمنة ومنظمة.
ومع بداية الموسم الحالي عاشت جماهير الوداد والرجاء مشاكل تنظيمية كبيرة على غرار المواسم المنصرمة، رغم المفارقة أن هذه المشاكل تظهر في ملعب خضع خلال السنوات الماضية، لسلسلة طويلة من عمليات الإصلاح وإعادة التأهيل، رصدت لها اعتمادات مالية مهمة، كان يفترض أن تجعل المركب أكثر جاهزية وقدرة على استقبال الجماهير، خصوصا أن عملية تحديثه ارتبطت في مراحلها المختلفة برغبة المغرب في الرفع من جودة بنياته الرياضية، والاستجابة لمعايير المنافسات القارية والدولية.
وكشف مصدر مسؤول أن حالة الانزعاج داخل دوائر المسؤولين والسلطات المحلية بلغت مستوى دفع إلى التحرك، من أجل إعادة النظر في طريقة تنظيم عملية الولوج، سيما بعد تكرار المشاهد نفسها خلال مباراتي الوداد أمام وداد تمارة، والرجاء أمام نهضة أتلتيك الزمامرة.
ووفق المعطيات المتوفرة، يرتقب أن يجمع اجتماع، اليوم الأربعاء، ممثلي السلطات المحلية ومسؤولي الشركة الوطنية لإنجاز وتدبير المنشآت الرياضية «سونارجيس»، للوقوف على مكامن الخلل والبحث عن إجراءات عاجلة قبل مباراة الوداد أمام النادي المكناسي المقررة، الأحد المقبل، لحساب الجولة الثالثة من البطولة الوطنية الاحترافية لكرة القدم.
طوابير طويلة.. والتذكرة لا تضمن الدخول
المشكلة التي تواجه الجماهير لا تبدأ داخل المدرجات، بل قبل الوصول إليها بكثير. فالمشجع الذي يقتني تذكرته يفترض أن يكون قد أنهى الجزء الأصعب من رحلته، غير أن الواقع داخل محيط «دونور» يجعل التذكرة مجرد بداية لمسار آخر من الانتظار والبحث عن المدخل المناسب، ومحاولة المرور عبر أنظمة المراقبة.
وتحدثت مصادر عن صعوبات واجهها عدد من المشجعين، رغم توفرهم على تذاكر، بسبب الضغط الكبير على المداخل، إلى جانب المشاكل المرتبطة بقراءة التذاكر والبوابات الإلكترونية.
وفي الحالات التي تتعطل فيها إحدى نقاط الولوج، تتجه أعداد من الجماهير بشكل طبيعي نحو بوابات أخرى، وهو ما يضاعف الضغط عليها ويحول عملية الدخول إلى نقطة اختناق حقيقية.
وتزداد صعوبة الوضع عندما تصل أعداد كبيرة من المشجعين في الفترة نفسها، خصوصا خلال الساعة الأخيرة التي تسبق بداية المباراة، إذ يصبح هامش المناورة أمام رجال الأمن والأمن الخاص ضيقا، ويصعب توجيه الجماهير وإعادة توزيعها في الوقت المناسب.
المفارقة الأخرى أن المركب الرياضي محمد الخامس يتوفر، وفق المعطيات التقنية المنشورة من طرف «سونارجيس»، على 27 بوابة للدخول ونظام متكامل لمراقبة الولوج يحمل اسم «تذاكر»، إضافة إلى منظومة للمراقبة بالفيديو ومركز قيادة. أي أن المشكلة، في ظاهرها على الأقل، لا تبدو مرتبطة بغياب التكنولوجيا، وإنما بمدى جاهزية هذه المنظومة وعملها بشكل متكامل في يوم المباراة، وبطريقة توزيع الجماهير على المداخل والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
إصابات وتدافع.. الوصول إلى المقعد محفوف بالمخاطر
حسب مصادر مطلعة، فإن التدافع والاكتظاظ عند بعض المداخل تسببا خلال مباريات سابقة في تعرض جماهير لإصابات متفاوتة الخطورة، في وقت يصبح فيه التحكم في حركة الجمهور أكثر صعوبة عندما تختلط الطوابير، أو يحاول بعض المشجعين تغيير المسار للوصول إلى مدخل آخر.
المشكلة لا تتعلق فقط بمن يدخل الملعب ومن يبقى خارجه، وإنما أيضا بطريقة توزيع المشجعين داخل المدرجات. فعدم احترام الأماكن المخصصة، أو وصول المشجع إلى مدخل لا يتطابق مع القطاع الموجود في تذكرته، يخلق ضغطا إضافيا على المنظمين، ويجعل عملية إعادة توجيه الجماهير داخل الملعب أكثر تعقيدا.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عناصر الأمن الخاص تجد نفسها في بعض الأحيان أمام مهمة تتجاوز مجرد مراقبة التذاكر، إذ تتحول إلى طرف في عملية تنظيم الطوابير، ومنع التدافع، وتهدئة الاحتكاكات، وتوجيه المشجعين، في وقت تتطلب فيه هذه المهمة تنسيقا دقيقا مع السلطات الأمنية، وإدارة المركب، والشركة المكلفة بالتدبير.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشاكل «دونور»: كل خلل تقني صغير يمكن أن يتحول، في ظل حضور جماهيري كبير، إلى مشكلة أمنية وتنظيمية أكبر.
«دونور» يكرر أخطاء الماضي
العودة إلى أرشيف المركب الرياضي محمد الخامس تكشف أن أزمة التنظيم والولوج ليست وليدة مباريات بداية الموسم الحالي. فقد سبق للبرلمان أن وثق، في سؤال كتابي، مشاكل رافقت إعادة افتتاح المركب سنة 2023، من بينها إغلاق بعض المداخل وتعطل بعض البوابات الإلكترونية والعشوائية في اقتناء التذاكر، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالولوج والخروج.
وقبل ذلك، شهدت إعادة افتتاح الملعب ذاته سنة 2017، بعد أكثر من سنة من الأشغال، انتقادات حادة، بسبب سوء التنظيم وارتباك الجماهير أمام المداخل الجديدة، وعدم وضوح مسارات الولوج.
وأظهرت تقارير صحفية آنذاك أن الجمهور وجد نفسه أمام تغييرات في هندسة المداخل وطرق الولوج، دون أن تكون عملية التوجيه في مستوى هذه التغييرات.
وفي أبريل 2022، اضطرت جماعة الدار البيضاء إلى عقد اجتماع للجنة تتبع عقد تدبير المركب، بعد تسجيل اختلالات في تنظيم عدد من المباريات. وتحدثت الجماعة رسميا آنذاك عن ضرورة وضع خارطة طريق لمعالجة المشاكل، كما طُرحت فكرة مراجعة عقد التدبير وتحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين، مع التأكيد على ضرورة إشراك الجماهير في عملية تنظيم الولوج.
وبذلك، فإن ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد سوء حظ في مباراتين، وإنما باعتباره حلقة جديدة في مسلسل لم يتمكن مختلف المتدخلين من وضع حد نهائي له.
220 مليون درهم.. أول فاتورة كبيرة
المثير في ملف المركب الرياضي محمد الخامس أن مسلسل الإصلاحات لم يكن محدودا أو رمزيا. فالمشروع الذي أنجز خلال مرحلة سابقة بلغت كلفته الرسمية 220 مليون درهم، وشارك في تمويله كل من وزارة الداخلية بـ40 مليون درهم، ووزارة الثقافة والشباب والرياضة عبر الصندوق الوطني لتنمية الرياضة بـ130 مليون درهم، وجماعة الدار البيضاء بـ30 مليون درهم، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بـ20 مليون درهم.
وشملت الأشغال آنذاك إصلاح البنية الخرسانية والعزل، وتركيب مقاعد جديدة، ووضع لوحات إعلانية، وإنشاء نظام لمراقبة الولوج والمراقبة بالفيديو، فضلا عن تحسين التجهيزات الكهربائية والسمعية البصرية، وإعادة تأهيل مرافق مختلفة.
لكن مرور السنوات كشف أن تلك الإصلاحات لم تكن كافية لوضع حد نهائي لمشاكل المركب، بل إن تقريرا صحفيا في 2023 تحدث عن فتح تحقيق حول شبهات مرتبطة بأشغال إعادة تهيئة أنجزت سنة 2015 بكلفة 220 مليون درهم، مع التأكيد على أن فتح التحقيق لا يعني ثبوت أي مسؤولية أو مخالفة.
250 مليون درهم جديدة
في يوليوز 2023، صادق مجلس جماعة الدار البيضاء على اتفاقية جديدة مرتبطة بتأهيل وتدبير وصيانة المركب، ونصت الاتفاقية على تخصيص 250 مليون درهم لبرنامج تأهيل «دونور» ومرافقه، في إطار الاستعداد للمنافسات الكبرى، وعلى رأسها كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025. كما تم إسناد تدبير المركب الرياضي إلى «سونارجيس» بدل «كازا إيفنت».
وبذلك دخل «دونور» مرحلة جديدة من الإصلاحات، حيث أغلقت أبوابه ابتداء من نونبر 2023، قبل أن يعود إلى استقبال المباريات في أبريل 2025. وشملت الأشغال استبدال المقاعد، وتحديث المدرجات والمنصة الصحفية، ومنظومة المراقبة والتحكم في الولوج، والإنارة والصوت والصورة، وتجديد أرضية الملعب إلى عشب هجين، فضلا عن مرافق اللاعبين والإعلام والجوانب الخارجية للمركب.
لكن اللافت أن كلفة بعض الأشغال لم تتوقف عند الغلاف العام المعلن في الاتفاقية.
عشرات الملايين للأشغال الخارجية وأرضية الملعب
في يوليوز 2024، تم إسناد صفقة الأشغال الخارجية للمركب الرياضي محمد الخامس إلى شركة«Jet Contractors» ، بقيمة بلغت 69.1 مليون درهم، بينما بلغت قيمة صفقة تهيئة أرضية الملعب 42.8 مليون درهم. كما تم إطلاق طلب عروض لإعادة تهيئة الملعب الملحق بغلاف توقعي بلغ 10 ملايين درهم.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن جميع هذه المبالغ تضاف حسابيا إلى غلاف 250 مليون درهم، لأن بعضها يدخل ضمن برامج وصفقات مرتبطة بمكونات المشروع، ولذلك يجب عدم تقديمها باعتبارها مجموعا نهائيا للإنفاق على المركب من دون وثيقة مالية رسمية موحدة. لكنها تكشف في المقابل حجم الأموال التي استثمرت في إعادة تأهيل أجزاء مختلفة من «دونور»، خلال سنوات قليلة.
وهنا تبرز المفارقة التي يصعب تجاهلها: إذا كان أحد أهداف الاستثمار هو تحسين تجربة المشجع، فإن استمرار أزمة الولوج بعد كل هذه العمليات يفرض السؤال حول مدى نجاعة الإصلاحات في الجانب الذي يمس الجمهور مباشرة.
اجتماع الأربعاء.. البحث عن حل لا عن تشخيص جديد
الاجتماع المرتقب، اليوم الأربعاء، بين السلطات المحلية ومسؤولي «سونارجيس»، يأتي وفق مصدر مسؤول، في هذا السياق تحديدا. فالمطلوب هذه المرة ليس فقط تحديد مكامن الخلل، وإنما وضع إجراءات قابلة للتطبيق، قبل فتح أبواب المركب الرياضي محمد الخامس أمام الجماهير.
وسيكون ملف توزيع الجماهير على المداخل في صلب النقاش، إلى جانب مراقبة التذاكر، وجاهزية البوابات الإلكترونية، وتحديد مسارات واضحة للمشجعين، والتنسيق بين الأمن والسلطات والأمن الخاص وإدارة المركب.
وتتجه الأطراف المعنية إلى جعل مباراة الوداد أمام النادي المكناسي، الأحد المقبل، أول اختبار عملي للإجراءات الجديدة، وهي مباراة أعلنت العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية برمجتها على أرضية مركب محمد الخامس، انطلاقا من الثامنة مساء.
المشكلة في النهاية ليست في الإسمنت والمقاعد والعشب وحدها. فملعب يمكن أن يتوفر على أرضية بمعايير دولية وشاشات حديثة وأنظمة مراقبة ومرافق جديدة، لكنه يفشل في أهم اختبار، إذا لم يستطع إدخال الجماهير وإخراجها بطريقة آمنة وسلسة.
والتحدي الحقيقي أمام مسؤولي المركب الرياضي محمد الخامس والسلطات هو إدارة «رحلة المشجع» بكامل مراحلها: من محيط الملعب إلى البوابة، ومن البوابة إلى المدرج، ثم من المدرج إلى الخارج بعد صافرة النهاية.
فإذا كانت الملايين قد أنفقت على تأهيل البنية التحتية، فإن جزءا من هذه الأموال يجب أن ينعكس أيضا على جودة التجربة الجماهيرية، لأن المدرجات ليست مجرد مقاعد، والبوابات ليست مجرد أجهزة إلكترونية، والتذكرة ليست مجرد ورقة أو رمز رقمي، وإنما هي حلقات متصلة في منظومة واحدة عنوانها السلامة والتنظيم.





