شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

رأسمالية البوطة

 

مقالات ذات صلة

 

تعتبر سنة 1999 تاريخا مميزا في مسار السينما الأمريكية والعالمية، حيث تم تقديم مجموعة من أهم الأفلام التي عالجت تيمات مركبة، كالمرض العقلي والمثلية الجنسية، والذكاء الاصطناعي وثقافة الاستهلاك في ظل نظام رأسمالي شمولي متغول. نذكر، على سبيل الحنين للزمن السينمائي الجميل، أفلام «الماتريكس»، «جمال أمريكي»، «فتاة، قوطعت»، «السيد ريبلي الموهوب» وغيرها الكثير من الأعمال التي ظلت خالدة في الذاكرة السينفيلية. غير أن حديثنا اليوم سيكون عن الفيلم الشهير «نادي المصارعة» لمخرجه ديفيد فينشر، المخرج العاشق لجمالية الصورة وجنون الفكرة. ناقش «فايت كلوب» تيمة الاستهلاكية المفرطة لدى الإنسان المعاصر وأنظمة العبودية الحديثة التي حولتنا إلى آلات إنتاجية بائسة مجردة من الخيال أو العاطفة الإنسانية الأصيلة.

يصور الفيلم المكاتب على أنها زنازين باردة يعاني فيها الموظفون أبشع أنواع العذاب النفسي والجسدي. لم يكن الأرق معاناة اعتباطية للبطل، بل كان نتيجة حتمية للقهر والاستعباد وميكانيكية الأعمال المكتبية الرأسمالية. فكيف استطاع «الراوي» لدى ديفيد فينشر الفرار من أَسْرِ تراتبية الموارد البشرية التي أمعنت في إذلاله واستعباده، وتحطيم القوالب الاجتماعية الخانقة التي دفعت به إلى الجنون؟ يجوز لنا القول إن رد الفعل العنيف لشخصية «الراوي» ضد النظام الرأسمالي كان منطقيا ومفهوما. إذ كيف تستطيع التخلص من أنظمة استهلاكية تقتات على صناعة الوهم وتسويق السعادة المزيفة، دون اللجوء لأساليب راديكالية تقوض أسس هذا النظام المادي من الداخل، وتضع حدا لتغوله وسيطرته على العقول المنهكة. لقد اختار البطل الاحتماء بالفوضى في مواجهة النظام، لكن هذا الرهان كان فاشلا نظرا لأن الأناركية والرأسمالية وجهان لنظام عالمي واحد، يتم تبادل الأدوار بينهما كلما استدعت الظرفية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية ذلك. فلماذا رفض الراوي الانصياع لقواعد اللعبة؟ ولماذا هذا الهجوم الشرس ضد أساليب الاستهلاك تحت ظل الرأسمالية؟ ولماذا التأفف من الأعمال المكتبية الروتينية التي تعتبر فاعلا مهما في عجلة التنمية؟ ولماذا أصبح الإنسان المعاصر متأرجحا بين فوضى النظام ونظام الفوضى؟ إذا كان المواطن الغربي المرفه في دول العالم الأول يصارع أثمنة المواد الغذائية الأساسية من أجل البقاء.. فما حال «الزغبي» المغربي في صراعه الأبدي مع وحوش البوطة والزيت والدقيق؟

هل يجوز لنا الحديث عن ثقافة استهلاكية مفرطة في ظل الحد الأدنى للأجور؟ هل تنطبق مأساة «الراوي» على الموظف المغربي المسحوق؟ وهل نملك رفاهية الجنون والفوضى في مواجهة ثمن الصردي؟ هل يحق للمغربي الحديث عن غلاء وسائل العيش الحيوية، في الوقت التي تكتظ فيه المولات والمحلات التجارية الكبرى بالمتسوقين السعداء؟ هل المغاربة أغنياء سرا وفقراء علنا؟ أو أننا مجرد قطيع استهلاكي يسوقنا النظام الرأسمالي إلى مذابح الماركات الفاخرة والكريديات الخانقة والعطل المكلفة؟ إن السكيزوفرينيا التي تطرق إليها ديفيد فينشر في نادي المصارعة، تنطبق وبشدة على العقل الجمعي المغربي. إذ نعاني من انفصام شديد في شخصيتنا المغربية كلما تعلق الأمر بالمظاهر الاجتماعية الخداعة.. حيث نعيش صراعا غير معلن على من سيفلس أولا.

ونحن اليوم على مشارف عيد الأضحى، الذي يعتبر شعيرة دينية مقدسة تم تجريدها من عمقها الروحي ورمزيتها الإنسانية التي تحتفي بقيم أخلاقية مهمة، كالتضحية وقوة الإيمان والانصياع التام والمريح للأمر الإلهي، وركنها في زاوية الأسواق الموسمية وتلويث قدسيتها بأساليب المضاربة والنصب والاحتيال والغش التجاري. إن فوضى عيد الأضحى أسوأ مثال على غياب الروحانية لدى المغاربة واستبدالها بثقافة استهلاكية متوحشة تدفع بالمواطن إلى حافة الإفلاس والعنف والطلاق والجنون بل وحتى الانتحار. حَمَّل المغاربة الكبش فوق طاقته. لقد قمنا بإسقاطات سوسيولوجية مركبة على هذا الكائن اللطيف. إذ يربط المغاربة بين الصردي وبين الفحولة والرجولة والحياة الزوجية المستقرة والنجاح المهني ورضى النسيبة وغيرة اللوسة وحسد الجيران.. وغيرها من المفاهيم الاجتماعية المتداخلة التي تخنق العقل المغربي وتحاصره بهلاوس مرضية يتردد صداها بشدة كلما عجز أب مغربي طالب معاشو عن الرضوخ إلى تسلط زوجته واقتناء كبش بنصف مليون سنتيم.. فإذا استطاع الراوي لدى فينشر خلق فضاء يصارع فيه الاستهلاكية المفرطة، فكيف يستطيع المواطن المغربي المعدم الفرار من ثنائية الحولي والبوطة؟

من الملاحظ أن مغرب اليوم يسير بسرعات اقتصادية مختلفة، حيث يقبع ملايين المغاربة تحت خطوط الكرامة الإنسانية.. بينما تتشبث فئة اجتماعية عريضة بالكماليات وسبل العيش الباهظة رغبة منها في ممارسة رفاهية زائفة تمنح شعورا كاذبا بالتفوق والنجاح. ولكن هل تتحمل هذه الشرائح الاجتماعية شبه المتوسطة المسؤولية كاملة في ما يتعلق بثقافة الاستهلاك المفرط؟ أو أن النظام الرأسمالي المخادع يسوقنا بشكل لا واع إلى تبديد مدخراتنا إرضاء لنظم اجتماعية معينة؟ لماذا نشعر برغبة جامحة في اقتناء منتج انستغرامي نعي جيدا أننا لسنا بحاجة إليه؟ هل أصبح السباق نحو الإفلاس رياضة يمارسها المغاربة شهريا؟ حيث تكتظ مقاهي بول والمطاعم الفاخرة بجحافل «الرواة» في محاولة يائسة منهم للتشبث بفتات البرجوازية المتساقط من مائدة رأسمالية ما بعد حلبة المصارعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى