
بعد عاصفة الحملة الانتخابية، يأتي هدوء قراءة الأرقام والرسائل السياسية التي بعثت بها هذه المحطة الانتخابية إلى الأحزاب وقياداتها، والمسؤولين والمنتخبين بالمجالس التي تشرف على تدبير الشأن العام المحلي، فضلا عن التحالفات المحلية الهجينة التي قدمت وعودا معسولة بالجملة، ثم تنصلت منها عند أول اختبار لتقديم الحصيلة ومخاطبة الناخب بلغة الأرقام، عوض الاستغراق في الإكراهات والمعيقات التي لا تغير من الواقع البئيس شيئا.
وأولى الرسائل التي يتعين قراءتها بشكل جيد، هي نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات البرلمانية، وما تفرضه من ضرورة لتحمل الأحزاب مسؤوليتها الكاملة في استقطاب الشباب وتشجيعه على الانخراط في العمل السياسي، ومراجعة طرق اشتغالها بشكل جذري، وتقديم برامج واضحة تواكب روح العصر، فضلا عن مواكبة التحولات الاجتماعية ومنح الأمل في التغيير انطلاقا من ممارسة ديمقراطية جدية داخل هياكل الأحزاب، قبل حمل شعار المطالبة بالديمقراطية داخل المؤسسات.
ولا ينبغي القفز على نسبة الأوراق الملغاة التي تربعت، أحيانا، على عرش نتائج بعض الدوائر، إذ إن ذلك قد يعكس، في جانب منه، مشاركة ناخبين اختاروا الحضور إلى مكاتب التصويت، لكنهم لم يجدوا في القوائم المعروضة ما يعبر عن اختياراتهم. وهي إشارة تستحق التأمل، خصوصا في ظل تراجع الثقة لدى فئات من المواطنين في الأحزاب السياسية وفي بعض ممارسات ممثليها، وما يترتب على ذلك من إساءة إلى المسار الديمقراطي، وتمييع للمهام الانتدابية داخل المجالس، وتحويل بعض الدورات الرسمية إلى مشاهد مؤسفة، فضلا عن ضعف الجدية في ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتأخر في مواكبة المشاريع الملكية وما تطرحه من طموحات مرتبطة بالتقدم والازدهار وبناء دولة حديثة.
ومن الرسائل التي بعثت بها الانتخابات البرلمانية أيضا، أن جزءا من الناخبين اختار منح الفرصة لوجوه جديدة وفئات شابة لخوض تجربة العمل المؤسساتي والمساهمة في تحقيق التنمية المنشودة، في مقابل تسجيل تصويت عقابي، في بعض الدوائر، ضد قيادات ظلت بعيدة عن المناطق التي تفوز فيها، ولم تواكب بما يكفي مشاكلها وانتظارات سكانها، ثم تعود عند كل محطة انتخابية بحثا عن مقعد برلماني، أو شرعية سياسية تفتح أمامها أبواب المؤسسة التشريعية أو المسؤولية الحكومية.
فالانتخابات لا تعني الذهاب إلى النوم بعد كل محطة انتخابية، وإنما هي فرصة للمراجعة والمساءلة وتحمل مسؤولية الفشل دون لوم، أو محاولة تصدير الأزمة. ومن لم يقرأ هذه الرسائل اليوم، قد يجد نفسه أمام رسائل أكثر وضوحا في الاستحقاقات المقبلة، لأن الناخب يحاسب على الوعود التي قُطعت له وما تحقق منها على أرض الواقع، وكذلك على السلوك السياسي ومدى الجدية والابتعاد عن مظاهر الرعونة والتمييع والبلطجة التي للأسف شاهدنا الكثير منها بالمجالس الجماعية، ونأمل أن يتم كنس كل ما علق بالعمل السياسي من عوالق خلال الاستحقاقات القادمة.





