
في كل مناسبة دينية أو عائلية أو وطنية، لا بد أن يلاحقك ذلك العم ثقيل الظل أو تلك الخالة «الفضولية» بنظرات الشفقة والتشفي كما لو أنك حالة إنسانية مؤلمة، فقط لأنك لم تتزوج بعد. يجلس الشاب حاملا شهادة جامعية، يتحدث ثلاث لغات، يعمل عن بعد مع شركة أجنبية، يخطط للسفر، ويحاول النجاة بما تبقى من صحته النفسية، ثم يسمع السؤال الأبدي: «ايوا امتى نفرحو بك؟». وكأن الفرح لا يتحقق إلا بإضافة طفل جديد إلى طابور طويل من البشر الواقفين أمام شبابيك الوكالات البنكية لتقديم طلب «الكريدي» من أجل اقتناء شقة في السكن شبه الاقتصادي.
الجيل القديم لا يفهم أن العالم تغير. بالنسبة له كانت الحياة عبارة عن وصفة موحدة: تزوج بسرعة، أنجب بسرعة أكبر، ثم اقض بقية عمرك في إقناع نفسك أن المعاناة بطولة أخلاقية. لم يكن أحد يملك رفاهية التساؤل: «هل أريد فعلا هذه الحياة؟». المجتمع كان يتكفل بالإجابة نيابة عن الجميع، ومن يخرج عن النص يتحول إلى مشروع فضيحة عائلية متنقلة.
لكن الجيل الجديد ارتكب خطيئة كبرى: لقد فكر قليلا. وهذه كارثة حقيقية بالنسبة لكل منظومة تعيش على إعادة تدوير الطاعة. فجأة بدأ الشباب يسألون أسئلة مزعجة: لماذا أتزوج وأنا غير قادر حتى على شراء شقة دون الدخول في عبودية بنكية لثلاثين سنة؟ لماذا أنجب طفلا فقط ليعيش القلق نفسه الذي عشته؟ لماذا أعيد إنتاج الفشل الاقتصادي والعاطفي على شكل تقاليد مقدسة؟
هنا يبدأ الجيل القديم في استعمال أكثر أسلحته فعالية: الابتزاز العاطفي. فجأة يتحول الآباء والأمهات إلى ضحايا تاريخيين يحملون على أكتافهم «تضحيات العمر». يبدأ الخطاب الشهير: «كبرناك وقريناك وتعذبنا عليك»، «ربيناك في ظروف صعبة»، «ضحينا بشبابنا». وكأن المطلوب من الأبناء هو تسديد دين نفسي أبدي عبر تكرار الأخطاء نفسها بحذافيرها.
في علم النفس، هناك مفهوم معروف يسمى «إعادة إنتاج الصدمة». الإنسان الذي عاش القهر طويلا قد يجد صعوبة في تقبل رؤية شخص آخر ينجو منه. ليس لأن ذلك الشخص سيئ، بل لأن نجاته تفضح حجم التنازلات التي قدمها الجيل السابق دون مقاومة. لهذا يبدو الشاب الذي يختار السفر بدل الزواج التقليدي، أو الفتاة التي تفضل بناء مسار مهني بدل الدخول في علاقة استنزاف عاطفي، كأنهما إهانة شخصية لجيل كامل تربى على تقديس التضحية حتى لو كانت بلا معنى.
الجدات اللواتي ينصحن الفتيات بالصبر على الزواج التعيس لا يدافعن دائما عن مؤسسة الأسرة، بل يدافعن أحيانا عن معنى حياتهن السابقة. لأن الاعتراف بأن المعاناة لم تكن ضرورية يفتح بابا مرعبا من الأسئلة: هل كان يمكن أن نعيش بطريقة أفضل؟ هل ضيعنا أعمارنا مجانا؟ هل كانت كل تلك الشعارات حول «السترة» و«كلام الناس» مجرد أدوات لضبط المجتمع لا أكثر؟
التاريخ نفسه قائم على هذا الصراع بين الأجيال. كل جيل يعتبر تمرده الأخلاقي الوحيد المقبول، ثم يتحول لاحقا إلى شرطي اجتماعي ضد الجيل الذي يليه. الأجداد تمردوا على الفقر القروي. الآباء تمردوا على السلطة الأبوية القديمة. أما الجيل الحالي فيتمرد على فكرة أن الإنسان مجرد آلة للإنجاب والعمل والموت المبكر. ولهذا يبدو التمرد الجديد أكثر استفزازا، لأنه لا يستهدف السلطة السياسية فقط، بل يهدد البنية النفسية للعائلة نفسها.
المفارقة المضحكة أن بعض الناس، الذين يهاجمون «أنانية» الجيل الجديد، هم أنفسهم من قضوا سنوات يشتكون من الزواج، وضغط المصاريف، والأقارب، والعمل، والمدارس، وفواتير الماء والكهرباء. ومع ذلك يريدون للشباب أن يدخلوا المتاهة نفسها، وكأن الحياة تجربة احتيال جماعية لا تكتمل إلا بإقناع ضحايا جدد بالانضمام.
طبعا ليس كل زواج فاشلا، وليس كل إنجاب جريمة اجتماعية. المشكلة ليست في الحب أو تكوين الأسرة، بل في تحويلهما إلى واجب جماعي مفروض حتى على أشخاص منهكين نفسيا وماديا. الجيل الجديد لا يرفض الحياة، بل يرفض النسخة الرديئة منها. يرفض أن يتحول إلى موظف دائم في مصنع المعاناة العائلية الذي اشتغل لقرون دون توقف.
لهذا يبدو إصرار الشباب على الحرية مرعبا للبعض. فالإنسان الحر يذكر الآخرين بقيودهم، والشخص الذي يختار نفسه أولا يزعج أولئك الذين تربوا على قتل ذواتهم باسم الواجب. وربما لهذا السبب بالذات يبدو الشاب الأعزب السعيد أو المرأة المستقلة الناجحة كأنهما تهديد حضاري كامل، لا مجرد شخصين قررا ببساطة ألا يسلما حياتهما القديمة لنظام اجتماعي يشتغل منذ قرون بمنطق: «دازت علينا الدكاكة… والآن جاء دوركم».





