
في قصة بديعة للكبير عبد الفتاح كيليطو في كتابه: «خصومة الصور»، عنوانها: «زوجة ر».. نقرأ عن امرأة العتبة الفضولية بلا حدود، والتي تقوم يومياً ولسنوات برصد متخَفٍّ وراء الباب لكل ما يدور في الزنقة، وبمراقبة شرهة لكل شيء، وحين تستفرد بامرأة أو طفل تستفرغ كل ما عندهما من أخبار ومعلومات وأسرار. كانت للمرأة شبكة عنكبوتية منصوبة في الزنقة، تهرع لأدنى تردد في خيط من خيوطها لتشبع نهمها للأخبار، حتى إنها، وبعد أن عرفت آلافاً من الأسرار والحكايات والوقائع، تحولت في الواقع إلى: «محافظ أرشيف الدرب المسدود».
غير أن هذه المرأة العاقر، وبشكل استثنائي، لم تكن، كما يفعل الفضوليون، تنشر ما عملت على جمعه من أخبار وأسرار، فهي كانت تعيش في عزلة تامة، لا تنفتح على أحد، ولا تجالس أحداً ولا تشارك في تلك الجلسات التي تكون فيها الوجبة لحم الآخرين، فهي، وبشكل من أشكال الازدراء، تتلقى دون أن تهب، وتسجل دون أن تذيع. غير أن الحكاية تدخر لنا مقلباً عجيباً، فما كانت المرأة تكد في جمعه طيلة النهار لم يكن لها وإنما لزوجها: «كانت تجلس عند قدميه، وحتى الفجر تروي له الحكايات التي جمعتها في أثناء النهار». وحين مات: «ما عاد أحد يرى زوجته خلف الباب».
حاول الراوي، الذي كان طفلاً من أطفال الزنقة، وتعرض هو أيضاً للاستنطاق الماكر، أو التفتيش الدقيق للقفة التي يحملها، تفسير هذا الفضول في نظام اجتماعي يَحْرِمُ المرأة المنزوية في الدار من المعرفة، بالقول:
«من الواضح أن زوجة ر، كانت تجسد مقدماً المرأة الجديدة التي كانت تتأهب للخروج من شرنقتها ومجابهة العالم الخارجي، سلوكها أوحى به التمرد ضد الحبس والجهل اللذين كانا من نصيب المرأة. كانت بفضولها تعبر عن رغبة التعلم والاشتراك في الحياة العامة. ما كان عليها، على عتبة دارها، إلا أن تخطو خطوة واحدة لتجد نفسها في الجهة الأخرى، في أرض الرجال، لكن لم يكن الأوان قد حان».
يحكي نص كيليطو وقائع طفولة عاشها الراوي في زمن كان فيه المغرب مستعمَراً، وغارقاً في التقاليد التي يجترها منذ قرون. تقاليد كانت تجبر المرأة على التسلح بالصبر والمكر وحتى الخداع لتكون لها مكانة في عالم ذكوري يملك فيه الرجل كل شيء: الكلمة والسلطة والفضاء الخارجي. وفي الهامش الصغير الذي يتبقى للمرأة، ووسط كل الأخطار كانت، وعلى غرار شهرزاد في ألف ليلة وليلة، تحاول أن تغوي بالحكاية لتربح الوقت في انتظار خلاص طلوع شمسها واستواء نهار مساواتها مع الرجل.
غير أن التلصص ليس خاصية نسائية، فالمتلصص الحقيقي في الحكاية هو الرجل الذي كان، ورغم مظهر المتفهم والمتسامح والبشوش الذي يبديه وهو خارج من بيته أو عائد إليه، يُخفي روحاً فضولية تلتذ بفض أسرار الآخرين، وتجميع الأخبار عنهم لتزجية الوقت في ليالٍ باردة وبئيسة بينه وزوجته، لا تتمخض عن حَمْلٍ ولا عن تعمير بيت لا يكتظ إلا بالأخبار والأسرار، كانت المرأة، إذن، تمارس التلصص لا لإرضاء عطب نفسي فيها، ولا لملء حياة فارغة وبلا معنى، وإنما لإرضاء زوج كان يفرض عليها ذلك.
حين توفي لم يعد يراها أحد في الزنقة مترصدة، فحتى لو وصلت لسر أو جمعت أخباراً، فلمن ستحكيها؟ ومن سيسمعها؟
لا شك أن أهل الزنقة فهموا، وبشكل متأخر، بأن للواقع ظاهراً وباطناً، وأن نقمتهم على المرأة كانت ظلماً، لكن أليست الحياة سوى أسواء فهم متراكمة… (يتبع).





