
رغم بلاغات المجالس الجماعية وتحذيرها من الفوضى وقرارات المنع، تتكرر مع كل موسم من مواسم الاحتفال بعيد الأضحى، مجموعة من الممارسات العشوائية التي تسيء إلى هدوء المناسبة وروحانيتها، وتخرق شروط الصحة والسلامة والوقاية من الأخطار، فضلا عن مساهمتها في تلوث البيئة وتراكم النفايات المنزلية.
وتجد الجماعات الترابية ومختلف المصالح المختصة التابعة لوزارة الداخلية نفسها في حالة استنفار قصوى يوم العيد، من أجل جمع أطنان من الأزبال والمخلفات المنتشرة بالشوارع والأسواق، حيث بالإمكان التقليل من كميتها والعمل على فرزها، لو تم التزام الجميع بالتنظيم الجيد والتحسيس المسبق واحترام قواعد النظافة العامة.
ولا خلاف حول أن العديد من الأنشطة والمهن المرتبطة بالعيد تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي والوطني، وتوفر فرص شغل مؤقتة لفئات واسعة من الشباب والفئات الهشة، غير أن ارتباط هذه الأنشطة بالعشوائية يحولها في كثير من الأحيان إلى مصدر للفوضى والإزعاج، حيث عمليات تنظيف رؤوس الأضاحي بواسطة إشعال النيران في الأزقة والشوارع، المعروفة بـ«التشواط»، وتتم غالبا في غياب أدنى شروط السلامة، ما يؤدي إلى وقوع حوادث خطيرة، ويهدد سلامة الأشخاص والسيارات المركونة بالشوارع، ويتسبب كذلك في إتلاف الممتلكات العامة، واحتلال الأرصفة والفضاءات المشتركة.
ومن بين الإشكالات التي تتكرر سنويا أيضا، سوء تدبير جلود الأضاحي، رغم ما تمثله من قيمة اقتصادية وصناعية مهمة، لأن هذه الجلود تشكل مادة أولية أساسية في عدد من الصناعات التقليدية والعصرية، غير أن طرق السلخ العشوائية والتخلص منها ضمن النفايات المنزلية يؤديان إلى إهدار موارد مالية مهمة، كان من الممكن أن تستفيد منها السوق الوطنية. وهو الشيء الذي يستدعي إطلاق حملات توعوية وتحسيسية حول أهمية تثمين هذه الجلود، والبحث عن آليات عملية لجمعها واستغلالها، مع توضيح الجوانب الشرعية المرتبطة بها، لتفادي أي لبس أو اختلاف في هذا المجال.
وفي السياق ذاته تشهد احتفالات العيد انتشار ممارسات غير مهنية في مجال الذبح والسلخ، حيث يمارس عدد من الأشخاص مهنة الجزارة بشكل عشوائي وفي ظروف تفتقر إلى أبسط معايير النظافة والسلامة الصحية، علما أن من شأن تنظيم هذا القطاع، عبر منح تراخيص مؤقتة ومجانية للأشخاص المتوفرين على الحد الأدنى من الكفاءة والمعرفة المهنية، سيساهم لاشك في الرفع من جودة الخدمات المقدمة وضمان احترام الشروط الصحية.
وتتحمل الجماعات الترابية مسؤولية تطوير المجازر الجماعية وتوسيع طاقتها الاستيعابية، لتمكين المواطنين من إجراء عمليات الذبح في ظروف مناسبة وآمنة، فضلا عن اتخاذ تدابير استباقية لحماية البيئة من تراكم النفايات بالشوارع وانتشار الروائح الكريهة، سيما مع التخلص العشوائي أحيانا من مخلفات الأعلاف والتبن وبقايا الأضاحي.
وتتكرر أيضا مشاكل غياب ثقافة فرز النفايات، أو على الأقل جمعها في أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق، لتسهيل عمل عمال النظافة والحفاظ على جمالية الأحياء وسلامة السكان، وهنا تبقى المسؤولية مشتركة لا تقع على جهة دون أخرى، بمن في ذلك المواطنون.
وما يجب أن يعلمه الجميع هو أن تنظيم الاحتفال بعيد الأضحى وفق شروط الصحة والسلامة، والحفاظ على نظافة المحيط واحترام الممتلكات العامة، لا يرتبط بمجرد إجراءات تنظيمية تقنية، بل الأمر في جوهره ينسجم مع جوهر الدين الإسلامي الذي يحث على النظافة والإحسان واحترام الغير.
وفي الختام فإن الرهان الحقيقي يبقى هو الانتقال من تدبير موسمي لهذه الإشكالات المرتبطة باحتفالات عيد الأضحى، إلى ترسيخ ثقافة جماعية تجعل من المناسبة فرصة للتقرب إلى الله في أجواء يسودها النظام والنظافة والتضامن، بعيدا عن كل مظاهر العشوائية والفوضى التي تسيء إلى صورة الاحتفال وتفرغه من كثير من مقاصده الروحية والحضارية، وعيدكم مبارك سعيد باليمن والبركات والأمن والسلام للمملكة الشريفة، تحت قيادة الملك محمد السادس.





