شوف تشوف

غرارين هاجر 2.2

بعيدا عن المقاربة الأخلاقية أو الدينية لموضوع العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج دعونا نطرح القضية على المستوى القانوني.
ماذا يقول القانون في ممارسة الإجهاض غير القانوني؟ بلا شك فالجميع يعرف أنه ممنوع ومعاقب عليه، وأن مافيات حقيقية من الأطباء تمارسه بشكل سري بهدف الاغتناء، وفي ظروف تشكل خطورة على وضعية الحوامل، وليس إنقاذا لنساء وقعن في حمل غير مرغوب، وحسب الإحصائيات المتاحة، فإن ما يسمى بالرقم الأسود لحالات الإجهاض التي تجرى يوميا في المغرب يتراوح ما بين 1000 و1500 عملية برقم معاملات يتجاوز 5 ملايين درهم يوميا، ولذلك نصادف باستمرار في المحاكم قضايا إجهاض تروج وأطباء ونساء وشركاء وأعوان صحة يدانون بالسجن، آخرها شبكة للإجهاض تم تفكيكها في مراكش قبل أربعة أشهر تضم أطباء وطلبة طب ومناديب يعملون في شركات خاصة .
ولذلك فقد كان من المستغرب أن تقحم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الطبيب ومختص التخدير المتابعين في حالة اعتقال في بلاغ تضامنها مع الصحافية، رغم أن البناج اعترف بواقعة الإجهاض في وقت اختارت فيه هيئة الأطباء، وهي الإطار الطبيعي للطبيب، الصمت.
ومن المستغرب أن يصدر منتدى الكرامة التابع لحزب العدالة والتنمية بيانا لا دستوريا يطالب فيه النيابة العامة بـإسقاط كل المتابعات الجارية، وإطلاق سراح الصحافية هاجر الريسوني ومن معها فورا، ويصف الوضعية بالنزعة التراجعية أو الردة الحقوقية.
النقاش الآن هو كالتالي: هل يتعين على الجميع أن يطالب بإسقاط التهمة (وهو مطلب غير قانوني على أية حال) عن المواطنة هاجر وإعفائها من المتابعة لمجرد كون المتهمة صحافية؟ ولماذا لم نسمع صوتا واحدا يطالب بالحق في التصرف في الجسد لمئات النساء المعتقلات في السجون بسبب الإجهاض؟
كونك غير متفق مع قانون معين فهذا لا يعطيك الحق في عدم الاعتراف به، وبالتالي اعتبار نفسك غير معني بعواقبه، وبأن من حقك أن تعفى من أن يطبق عليك.
وليس لك وقد وقعت في مخالفة، مثلا تجاوزت السرعة القانونية، أن تحتج على المسؤول عن تطبيق العقوبة في حقك بكونه لم يوقف كل الذين تجاوزوا معك السرعة من أجل معاقبتهم جميعا أسوة بك.
سيقول المطالبون بطي ملف الصحافية إنهم يدافعون عن حق المرأة في التصرف في جسدها، وهذا مطلب جميل في نظر البعض، لكن القانون له رأي آخر، وهنا أصل المشكل.
عندما تكون سياسيا ولديك موقف معارض لقانون معين، تراه متخلفا أو مجحفا، فإنك تكون مطالبا بالنضال داخل المؤسسة التشريعية من أجل تغييره، خصوصا إذا كنت منتميا للحزب الذي لديه أكبر فريق برلماني، لا أن تكتفي بمهاجمته في وسائل الإعلام للظهور بمظهر التقدمي الذي لا يشق له غبار.
ولذلك فإذا كانت هناك من معركة يجب خوضها، فهي ليست معركة ضد المكلفين بإنفاذ القوانين، شرطة قضائية ونيابة عامة وقضاة، ولكن ضد من يشرعها ويفرضها على الشعب، أي البرلمان والحكومة، وذلك من أجل الضغط عليهما لتعديل هذه القوانين أو تغييرها.
عندما تسمع المدعو الرميد يعارض بكل عنترية رفع التجريم عن العلاقات الجنسية غير الشرعية، ورفع التجريم عن الإفطار العلني في رمضان في مكان عمومي بدون عذر شرعي، وتسمع المسمى أحمد الريسوني أحد أقطاب حركة التوحيد والإصلاح الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية الحاكم يقول مهاجما من سماهم الإجهاضيين:
” لو كانوا فعلا يحاربون الإجهاض السري، لحاربوا القائمين به والمتورطين فيه، من النساء الحوامل، ومن الأطباء المرتزقة الإجهاضيين، ومن أعوانهم الممرضين، ولَطالبوا بتطبيق القانون بدلا من التحريض على انتهاكه وتقديم المساعدة في ذلك.”
عندما تسمع هؤلاء وغيرهم يقولون هذا الكلام ثم تسمعهم عندما يقع أحد إخوانهم أو أخواتهم في المحظور تستغرب قدرتهم العجيبة على التلون الحربائي حسب المواقف.
لذلك فالوحيدون الذين يبدو تعاطفهم مع الصحافية هاجر الريسوني منطقيا ومقبولا ومنتظرا ومحترما هم الذين كانوا دائما في صف المنادين بحذف العقوبات المجرمة للعلاقات الجنسية الرضائية بين الراشدين والمدافعين عن إلغاء تجريم الإجهاض.
أما الذين كانوا دائما في صف المطالبين بتطبيق العقوبات في حق كل من يتورط في علاقة جنسية خارج إطار الزواج وكانوا دائما يعتبرون الإجهاض اعتداء على الحق في الحياة فتضامنهم مع الصحافية هاجر الريسوني لن يكون إلا نفاقا صريحا وركوبا بشعا على مأساة امرأة وجدت نفسها في مرمى قوانين شرعها هؤلاء الذين يذرفون دموع التماسيح أمامها اليوم.
والظاهر أنه إذا استمرت مواقف العدالة والتنمية بهذا الغباء فسيجدون أنفسهم وقد مرروا كل القوانين التي كانوا يعارضونها بالأمس والتي كانوا يشكلون عقبة في سبيل إقرارها، إذ يكفي أن يتورط مناضل لهم أو قريب لهم حتى تجدهم أشد الناس دفاعا عن حقه في ما هو متورط فيه، وهكذا فسيمررون إباحة الإجهاض والعلاقات الجنسية الرضائية وربما المثلية أيضا، يكفي فقط العثور على قيادي مثلي في صفوفهم وستجدهم أشد المدافعين عن حقه في ذلك، بمبررات وجود مؤامرة ضده.
وإلى حدود الساعة فالمتهمة هاجر الريسوني بريئة إلى أن تقرر المحكمة، والمحكمة وحدها، العكس، ولذلك يجب احترام قرينة البراءة من طرف الجميع لأن في ذلك احتراما للقضاء أولا واحتراما لحقوق المتهمة في محاكمة عادلة ثانيا.
أما السياسيون و”غرارين عيشة” الذين يحترفون إطلاق التصريحات العنترية في وسائل التواصل الاجتماعي دفاعا عن قوانين أكثر تحررا فأمامهم يوم 20 شتنبر الجاري حيث سيتم تقديم تعديلات على القانون الجنائي الذي يتضمن موادا جديدة حول تقنين الإجهاض.
وهنا مربط الفرس ومن هنا تبدأ المعركة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق