حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

مسؤوليات بدون محاسبة



 

يشكل المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها بناء الدولة الحديثة وترسيخ الحكامة الجيدة، غير أن واقع تدبير الشأن العام يكشف في كثير من الأحيان عن مفارقات مقلقة، تتمثل في تحمل مسؤوليات كبرى داخل مؤسسات إدارية وانتخابية، مقابل إضعاف لوبيات لآليات المحاسبة الصارمة، وتكريس مظاهر الإفلات من العقاب، وتقويض الجهود المبذولة لتخليق الحياة العامة.

لقد نبهت التوجيهات الملكية السامية في مناسبات متعددة إلى الصرامة في محاربة الفساد والجدية في تفعيل المحاسبة، لكن ما زالت الإصلاحات تعاني من التعثر في التطبيق، نتيجة ضغوط لوبيات المصالح، وتراكم الممارسات التي تحاول الالتفاف على القانون، أو تعطيل مسارات المحاسبة، ما يؤدي إلى عرقلة أحد أهم المبادئ الدستورية التي يفترض أن تشكل صمام أمان للحكامة الرشيدة.

إن المرحلة السياسية الراهنة التي تعيشها المملكة، والأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الدولة الاجتماعية، تفرضان انخراط الجميع لتجاوز مظاهر التعثر في تخليق الحياة العامة، حيث ضعف جودة الخدمات العمومية التي تقدمها بعض المؤسسات، دون الصرامة في مواجهة التهاون وكافة مظاهر الفساد، واستمرار اختلالات التدبير في عدد من المرافق الحساسة واستغلال سلطة التوقيع، ما يشجع بعض الجهات على التمادي في سوء التدبير أو استغلال النفوذ.

وفي السياق ذاته، تسائل التقارير المتعددة حول حجم الاختلالات التي شهدتها بعض المجالس الجماعية، سواء على مستوى تدبير الصفقات العمومية، أو صرف الدعم العمومي الموجه لبرامج حيوية ترتبط بالتنمية والتشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية، الفعالية المطلوبة في المحاسبة، وضرورة إطلاع الرأي العام على مآلات هذه الملفات، لأن الشفافية تبقى شرطا أساسيا لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

ولعل المفارقة الأكثر إزعاجا للجميع هي أن شعار محاربة الفساد أصبح يرفعه الجميع قبيل الانتخابات البرلمانية 2026، بمن في ذلك بعض المتورطين في ممارسات مشبوهة، الذين يحضرون للعودة إلى المسؤولية، بتنسيق مع قيادات حزبية لا ترى في المحطة الانتخابية سوى الأرقام، وفتحها الباب لتعزيز التفاوض على تشكيل الفرق البرلمانية ومكاسبها وتوزيع المناصب الحكومية.

إن كل مظاهر استغلال السلطة والتلاعب بالنفوذ، والحديث عن سماسرة المحاكم وادعاء العلاقات للتأثير في مسار العدالة، والتلاعب في التعيين بمناصب عليا، وخروقات الصفقات العمومية، وفساد الجماعات الترابية، لا شك تشكل عائقا حقيقيا أمام مسار الإصلاح الذي اختارته المملكة، وسعي التعليمات الملكية السامية إلى تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية والإدارية.

إن التنمية الشاملة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يختلط فيها استغلال السلطة بالمصالح الضيقة، وتتحول فيها المسؤولية إلى وسيلة لتحقيق الامتيازات بدل خدمة الوطن، والرسالة التي ينبغي استيعابها اليوم بشكل واضح هي أنه لا مسؤولية مستقبلا بدون محاسبة، والمسؤولية العمومية ليست امتيازا أو فرصة للاغتناء، بل أمانة ثقيلة كالجبال تستوجب النزاهة والشفافية والاجتهاد والإبداع في خدمة الشأن العام، فهل يفقه ذلك من يتحكمون في مصائر الناس، أم أن الفساد أعمى القلوب قبل الأبصار؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



زر الذهاب إلى الأعلى