
حاوره: النعمان اليعلاوي
في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية، يطرح حضور الشباب داخل الأحزاب السياسية وأسئلة تجديد النخب ومشاركة الأجيال الجديدة في صناعة القرار نفسه بقوة، خصوصا في ظل استمرار أزمة الثقة في المؤسسات والأحزاب، وارتفاع انتظارات الشباب المرتبطة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية. وبينما تواجه الأحزاب تحدي استقطاب الشباب وإقناعهم بجدوى العمل السياسي، تبرز داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رهانات مرتبطة بتوسيع حضور الشباب داخل الهياكل التنظيمية، والدفع بوجوه شابة إلى واجهة الاستحقاقات الانتخابية.
في هذا الحوار، يتحدث فادي الوكيلي، الكاتب الوطني للشبيبة الاتحادية، عن موقع الشباب داخل الاتحاد الاشتراكي، وحدود تأثيرهم في صناعة القرار، وآليات التواصل مع القيادة السياسية، فضلا عن ترشيح عدد من الشباب الاتحاديين للانتخابات المقبلة. كما يتناول إشكالية المال الانتخابي وتكافؤ الفرص، ومسؤولية الأحزاب والمؤسسات والإعلام في استعادة ثقة الشباب، إلى جانب حصيلة الحكومة في مجال التشغيل ورؤية الاتحاد الاشتراكي للدولة الاجتماعية ومشاركة الشباب في الحكومة المقبلة.
بداية، كيف تقيمون موقع الشباب داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومدى تأثيرهم في هياكل الحزب وصناعة القرار؟
في ما يتعلق بموقع الشباب داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، فالجميع يعرف أن الشبيبة الاتحادية تعد من أولى المنظمات الشبابية التي تأسست سنة 1965. أما مستوى التأثير، فهو واضح من خلال مساهمتنا في إعداد البرنامج الانتخابي، وكذلك مشاركتنا في مختلف أنشطة الحزب. كما أن حضور الشباب داخل هياكل الحزب محدد في نسبة 10 في المائة، ويعد الاتحاد الاشتراكي أول حزب منح هذه النسبة للشباب، خلال مؤتمره السادس.
ويتجلى هذا التأثير أيضا في حضور القيادات الشابة داخل المكتب السياسي، باعتباره أحد أهم الهياكل التنفيذية للحزب، إلى جانب وجود أكثر من 10 في المائة من الشباب داخل المجلس الوطني. وعندما نتحدث عن الشباب داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، فإننا نتحدث عن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة. أما إذا تحدثنا عن مفهوم الشباب كما هو منصوص عليه في الدستور، فإننا نجد أن نحو 70 في المائة من أعضاء الحزب اليوم هم من فئة الشباب، ومن بينهم عدد من القيادات الشابة داخل مختلف هياكل الحزب.
وبالتالي، فإن حضور الشباب داخل الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد حضور رمزي، وإنما هو حضور تنظيمي وسياسي، سواء من خلال المساهمة في صياغة البرامج والمشاركة في مختلف أنشطة الحزب، أو من خلال الوجود داخل هياكله القيادية والتنفيذية.
هل يمتلك الشباب داخل الحزب هامشا حقيقيا للتأثير في القرار، أم أن القرار لا يزال بيد القيادات التقليدية؟
لا يمكن تناول هذا الموضوع على أساس أن القرار بيد جزء كبير من القيادات التقليدية. نحن فريق متكامل يضم جميع فئات المجتمع، من الشباب والنساء والقيادات التقليدية، كما سميتموها.
وتصدر القرارات بطريقة تشاركية، نشترك فيها جميعاً، كل برؤيته ومنطلقاته، حتى نصل إلى مخرجات مشتركة بين جميع مكونات الحزب وقياداته، سواء تعلق الأمر بالقيادة أو الكاتب الأول للحزب أو أعضاء المكتب السياسي.
وكذلك، عندما تطرح الشبيبة الاتحادية القضايا المركزية المرتبطة بالشباب، يتم التعامل معها بشكل تشاركي مع الحزب. والحزب يمنح هامشا كبيرا للشباب وللمنظمة الشبابية لكي تشتغل في إطار اختصاصاتها، وكذلك في ما يتعلق بقراراتها.
وهذا هو العمل الذي نقوم به داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ أي أن العلاقة بين القيادة والشبيبة الاتحادية تقوم على التشاور والتشارك، وعلى منح الشباب مساحة حقيقية للاشتغال والتعبير عن قضاياهم والمساهمة في صناعة القرار داخل الحزب.
هل تحتاج الشبيبة الاتحادية إلى آليات مؤسساتية خاصة لضمان وصول قراراتها ومواقفها إلى قيادة الحزب؟
لسنا في حاجة إلى آليات مؤسساتية خاصة من أجل إيصال قرارات الشبيبة الاتحادية إلى قيادة الحزب، إذ كلما استدعت الضرورة ذلك، يمكننا التواصل مباشرة مع قيادات الحزب، التي تجتمع معنا ونطلعها على مختلف القرارات والخلاصات التي تتوصل إليها الشبيبة الاتحادية.
ومنذ المؤتمر التاسع للشبيبة الاتحادية، لم يسجل أي خلاف حاد أو خلاف من شأنه أن يؤدي إلى انقسامات داخل المنظمة أو الحزب. وعلى العكس من ذلك، نسير بثبات، ونحن واعون بمختلف المسؤوليات الملقاة على عاتقنا، من أجل الدفع بالحزب إلى الأمام، والمساهمة كذلك في خدمة بلدنا والنهوض به.
وهذا هو الهدف الأساسي الذي نشتغل من أجله، وليس فقط التركيز على الآليات المؤسساتية التي قد تظل، في بعض الحالات، مجرد حبر على ورق. نحن نحرص فعليا على تجسيد هذه الآليات في الممارسة، ونعتمدها بشكل دائم في علاقتنا مع قيادة الحزب وفي طريقة اشتغالنا داخل المنظمة.
الأحزاب التاريخية تواجه دائما تحدي تجديد النخب. كيف ينظر الاتحاد الاشتراكي إلى انتقال القيادة من جيل إلى آخر؟
الأحزاب التاريخية تتوفر على تراكمات وتجارب ممتدة، ولذلك يصعب أن يتم، بين ليلة وضحاها، إحداث تغيير جذري يقوم على إقصاء نخبة وتعويضها بنخبة أخرى. الأمر يتعلق بسلسلة متواصلة من التراكم والتجربة، وبرسالة تنتقل من جيل إلى جيل.
وبالفعل، يوجد اليوم عدد مهم من الشباب داخل المكتب السياسي، وهذه مسألة لم تكن متاحة بالقدر نفسه في مراحل سابقة. كما أن هناك أجيالا تتعاقب على قيادة الحزب، وعندما نتحدث عن قيادات الحزب، فنحن لا نتحدث فقط عن منصب الكاتب الأول، وإنما أيضا عن أعضاء المكتب السياسي ومختلف المسؤولين داخل الحزب.
وفي هذا الإطار، استحدث حزب الاتحاد الاشتراكي آلية جديدة تتمثل في الكتاب الوطنيين المكلفين بعدد من الملفات والقضايا والقطاعات، وهي آلية تساهم في جعل الحزب، بمختلف مكوناته، فضاء لإنتاج قيادات قادرة على الفعل والتأثير.
وهذا هو الهدف الذي نطمح إليه أكثر من أي أمر آخر، أي أن تكون داخل الحزب قيادات متعددة قادرة على تحمل المسؤولية، والمساهمة في بلورة مواقفه والتأثير في الحياة السياسية، بما يضمن استمرارية الحزب وتجدد قياداته من جيل إلى آخر.
إلى أي حد انعكس هذا الرهان على تجديد النخب في الترشيحات الانتخابية الحالية؟
اليوم، أظن أننا نتوفر على أكبر عدد من الشباب المرشحين باسم الحزب. نحن نتحدث هنا عن الشباب في سن الشبيبة الاتحادية، والشباب حاضر اليوم في عدد من الأقاليم وينافس على المقاعد الانتخابية، وليس الأمر مجرد حضور رمزي أو ترشيحات محدودة.
فعلى سبيل المثال، هناك إقليم الفحص أنجرة، حيث أترشح بصفتي الكاتب العام للشبيبة الاتحادية. وهناك أيضا إقليم ميدلت، وإقليم تازة، وإقليم الرشيدية، وإقليم الحاجب، وغيرها من الأقاليم.
بمعنى أننا نتحدث اليوم عن شباب ينتمون إلى جيل «زد»، وهم مرشحون باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ويخوضون غمار المنافسة الانتخابية إلى جانب باقي المرشحين.
هل أصبح ترشيح الشباب خيارا ثابتا داخل الاتحاد الاشتراكي، أم أنه مرتبط فقط بالاستحقاقات الحالية؟
بصراحة، أعتبر أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ربما يكون الحزب الأكثر ترشيحا للشباب، والأهم من ذلك أن هؤلاء الشباب المرشحين هم شباب اتحاديون، سواء من حيث الانتماء أو الفكر أو طريقة الممارسة السياسية.
ونعتبر أن الشبيبة الاتحادية كان لها دور في هذه العملية، وأن القيادة السياسية للحزب استجابت لهذه المطالب وكانت واعية بالتحولات المجتمعية التي يعرفها المغرب. وبالتالي، فإن ترشيح الشباب أصبح اليوم مكتسبا داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وأعتقد أننا سنكون أمام مشهد مختلف في سنة 2027، وسيكون حضور الشباب أقوى، بما يضمن استمرارية الحزب ويفتح المجال أمام جيل جديد لحمل المشعل داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يدخل هذه السنة غمار الانتخابات بوجوه شابة وبطموح متجدد.
لكن هل يستطيع الشباب فعلا خوض المنافسة الانتخابية، في ظل حضور المال الانتخابي والأعيان وتفاوت الإمكانات؟
كما قلت سابقا، فإن الشبيبة الاتحادية تضم اليوم عددا مهما من الشباب المرشحين للاستحقاقات الانتخابية، ونحن بطبيعة الحال نرحب بهذه الترشيحات وننظر إليها بإيجابية. وكل من تقدم بترشيحه عبر عن رغبة حقيقية في المشاركة، وقد سبقت ذلك نقاشات متعددة، من أجل اختيار ما يخدم المصلحة العليا للحزب.
وحسب ما أتابعه في التقارير الصحفية، فإن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو الحزب الوحيد الذي يراهن بشكل واضح على ترشيح الشباب. لكننا نعرف جيدا طبيعة الانتخابات في المغرب، وما تتطلبه من إمكانات ولوجستيك، كما نعرف حجم حضور بعض الأعيان وتجار الانتخابات وممتهنيها، وكيف يتم في بعض الحالات إنفاق أموال طائلة خلال الحملات الانتخابية.
والشباب الذين اختاروا الترشح، وأنا واحد منهم، يعانون بشكل كبير من هذه الظواهر البائسة والسلبية التي ما زالت تؤثر في العملية الانتخابية. وبالتالي، فإن ترشح الشباب اليوم يتم في ظروف لا أرى أنها تضمن تكافؤ الفرص بشكل كامل.
لكن، في المقابل، فإن أدوار الشبيبة الاتحادية لا تقتصر على الترشح فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى قيادة عدد من المنصات الإعلامية للحزب، والمساهمة في تأطير المراقبين التابعين للحزب، من أجل ضمان سلامة العملية الديمقراطية والانتخابية.
وقد عملنا على هذا الجانب من خلال تكوين شاباتنا وشبابنا في العديد من الملتقيات الجهوية والوطنية والإقليمية، حيث استفادوا من تكوينات في الجانب القانوني، وفي مجال مراقبة العملية الانتخابية، وكذلك في الجانب الإعلامي.
كما أن الشبيبة الاتحادية ستكون حاضرة في الميدان، وستساهم في قيادة الحملات الانتخابية، وستعمل على حماية العملية الديمقراطية بكل ما أوتيت من قوة، بهدف المساهمة في استعادة الثقة في المؤسسات، وهو رهان كبير، بالنظر إلى أن أزمة الثقة في المؤسسات تمثل أحد الإشكالات التي تعاني منها بلادنا اليوم.
وفي الوقت نفسه، فإننا نراهن على هذه التجربة من أجل تأهيل الشباب وإعدادهم للمستقبل، حتى يكونوا هم من يحملون المشعل في الاستحقاقات المقبلة، ويكونوا في موقع المسؤولية والتمثيل السياسي.
والحزب، كما نرى اليوم، يعتمد في أكثر من 90 في المائة من ترشيحاته على اتحاديين ينتمون إلى الحزب وموجودين داخل تنظيماته وهياكله. نحن لا نتحدث عن استقدام وجوه من خارج الحزب، أو عن البحث عن أسماء من خارج التنظيمات الحزبية، وإنما نراهن على الطاقات الاتحادية الموجودة داخل الحزب، وعلى الأجيال الجديدة التي تشتغل داخله، من أجل مواصلة مساره وتجديد قياداته.
هل يمثل المال الانتخابي أحد أكبر العوائق أمام وصول الشباب إلى المؤسسات المنتخبة؟
طبعا، عندما لا يجد الشاب ممثلين يشبهونه في الخطاب والممارسة، أو حتى في طريقة العيش، فمن الطبيعي أن يشعر بنوع من النفور، وهو ما قد يفاقم أزمة الثقة بشكل كبير. لكن لهذه الأزمة أسبابا متعددة، من بينها أيضا حضور المال غير المشروع داخل الحملات الانتخابية، فضلا عن الطريقة البائسة التي تدار بها العملية الانتخابية والحملات الانتخابية في بعض الحالات.
فالشاب لا يملك بالضرورة الأموال والإمكانات نفسها التي يتم صرفها خلال الحملات الانتخابية، وبالتالي يصبح من الصعب اليوم الحديث عن شاب قادر على دخول دائرة انتخابية وخوض المنافسة فيها على قدم المساواة مع مرشحين يتوفرون على إمكانات مالية كبيرة.
ومن هنا، فإن ذلك التمييز الإيجابي الذي كان لفائدة الشباب، من خلال تخصيص مقاعد لهم ضمن اللوائح الوطنية، تم إلغاؤه. أما آلية الدعم المعتمدة حاليا، فتبقى غير كافية لمواجهة حجم الأموال التي يتم ضخها وتوزيعها داخل العملية الانتخابية وخلال الحملات الانتخابية.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بتشجيع الشباب على الترشح، وإنما أيضا بضمان شروط المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص، حتى يتمكن الشباب من خوض الانتخابات في ظروف تتيح لهم التنافس على أساس البرامج والكفاءة والقدرة على تمثيل المواطنين، وليس على أساس الإمكانات المالية.
وما الدور الذي يجب أن تضطلع به السلطات وأجهزة الرقابة والإعلام في مواجهة هذه الممارسات؟
الشباب عامل أساسي في العملية الانتخابية، لكن عندما تدخل مسألة شراء الذمم، التي تستخدمها بعض الأحزاب لاستمالة الشباب، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدا. وكما ورد في سؤالكم، هناك من يتعامل مع الشباب بوصفهم خزانا انتخابيا، ولا يسعى لاستمالتهم في بعض الحالات إلا بالمال.
وهنا، فإن السلطات المعنية وأجهزة الرقابة مطالبة بأن تكون حاسمة في مواجهة استعمال الأموال في العملية الانتخابية، وأن تتعامل بصرامة مع مختلف الممارسات التي من شأنها التأثير في نزاهة الانتخابات وسلامتها.
وبالتالي، نحن في الشبيبة الاتحادية نعتبر أن شبابنا مناضلون، ومنخرطون في مختلف المؤسسات والفضاءات التي يمكن أن يكون لهم فيها حضور وتأثير. فعندما نتحدث، مثلا، عن الانتخابات الطلابية، نجد أن الشبيبة الاتحادية تتوفر على عدد مهم من ممثلي الطلبة على مستوى الجامعات.
وإذا بحثنا في مختلف التنظيمات والجمعيات، سنجد حضورا لافتا للشباب الاتحادي، وكذلك الأمر على مستوى الحضور الإعلامي، لأن هؤلاء الشباب استفادوا من تكوين حقيقي داخل حزبهم، وهو ما مكنهم من الانخراط في مختلف المجالات والتعبير عن مواقفهم وممارسة أدوارهم بشكل فعال.
لكن، للأسف الشديد، نجد أن هناك اختلالات في هذا المجال. وهنا تبرز أيضا مسؤولية الإعلام، الذي ينبغي أن يضطلع بدور حاسم في هذه العملية. فالإعلام مطالب اليوم بأن يكون مسؤولا في منح كل ذي حق حقه، وإتاحة الفرصة لكل من يستحق أن يبرز حضوره وكفاءته داخل العملية الانتخابية، بعيدا عن منطق الاستمالة أو التأثير بالمال، وبما يضمن تعددية حقيقية في الحضور السياسي والإعلامي.
أين تقع مسؤولية المؤسسات والأحزاب في حماية الشباب من الاستغلال السياسي واستعادة ثقتهم؟
أعتقد أن الجميع مسؤول عن هذه القضية، لكنني أحمل المؤسسات المسؤولية بالدرجة الأولى، لأنها لم تتمكن من حماية الشباب من الاستغلال السياسي الذي يمارسه بعض الأعيان وتجار الانتخابات، وكذلك بعض النخب السياسية التي تأتي إلى الدوائر الانتخابية من خارجها، دون أن تكون لها علاقة سابقة بالعمل السياسي أو التنظيمات الحزبية.
وبالتالي، يجد الشاب نفسه في وضعية صعبة، ويصبح عرضة للاستغلال أو التهميش داخل العملية السياسية. ويمكن أن نستحضر، في هذا السياق، المثال الذي نراه اليوم على مستوى النقاش العمومي، حيث نجد أشخاصاً لم يسبق لهم ممارسة السياسة، ولم تكن لهم في السابق أي علاقة بالشبيبات الحزبية أو التنظيمات السياسية، ومع ذلك يتم تقديمهم اليوم باعتبارهم وجوهاً سياسية أو مرشحين قادرين على تمثيل المواطنين.
وهنا يطرح السؤال حول تكافؤ الفرص أمام الشباب الذين اختاروا العمل السياسي من داخل الأحزاب، وتدرجوا في تنظيماتها، واكتسبوا التجربة والخبرة، ثم وجدوا أنفسهم أمام نخب يتم تقديمها بشكل مفاجئ إلى المشهد السياسي، دون مسار حزبي أو نضالي سابق. وهذه الممارسات لا تضر فقط بالشباب، وإنما تساهم أيضاً في تعميق أزمة الثقة في المؤسسات والأحزاب وفي العملية السياسية برمتها.
أما مسؤولية الأحزاب، فتتجلى أساساً في تجديد آليات العمل السياسي، وفي طريقة اختيار النخب والمرشحين. فبعض الأحزاب تختار أحياناً نخباً ووجوهاً سياسية بطريقة تجعل الشباب ينفرون من العمل السياسي ويفقدون ثقتهم في العملية السياسية.
وهنا تتجلى مسؤولية الأحزاب، لأنها مطالبة بتجديد آليات اشتغالها، وفتح المجال أمام الشباب، وإتاحة فرص حقيقية أمامهم للمشاركة والتدرج داخل التنظيمات الحزبية، بما يعيد الثقة في العمل السياسي ويشجع الأجيال الجديدة على الانخراط فيه.
هل تعتقد أن الأحزاب مطالبة أيضاً بتغيير خطابها وأساليب تواصلها مع الأجيال الجديدة؟
نعم، فعلاً. هذه مسألة نوليها اهتماماً كبيراً داخل الاتحاد الاشتراكي، إذ نبذل مجهوداً كبيراً من أجل ملاءمة خطاب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع مختلف الفئات الشعبية، وخاصة التنظيم الموازي للحزب، أي الشبيبة الاتحادية، من خلال تكييف خطابها مع شباب الألفية الثالثة.
صحيح أن الشاب اليوم لم يعد يمتلك القدرة نفسها على استيعاب خطاب يمكن أن نصفه بالتقليدي، ويمكن القول إن مثل هذه الخطابات لم تعد قادرة على استقطاب الشباب بالشكل نفسه.
لكن داخل الاتحاد الاشتراكي هناك مجهود كبير في هذا الاتجاه، كما تم اعتماد آليات جديدة أصبحت الشبيبة الاتحادية تستخدمها من أجل تطوير خطابها وطرق تواصلها، بما يمكنها من الوصول إلى الشباب والتفاعل معهم بشكل أفضل، ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والشباب على وجه الخصوص.
إلى أي حد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي علاقة الشباب بالسياسة، وكيف تتعامل الشبيبة الاتحادية مع هذا التحول؟
أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تُغير فقط طريقة الشباب في الوصول إلى السياسة، بل أعادت تشكيل العلاقة نفسها بين الشباب والسياسة. اليوم، الشاب لا ينتظر الخطاب السياسي في القاعة أو في التلفزيون، بل يبحث عن المعلومة، يناقشها، ينتقدها، وأحياناً يصنعها بنفسه. لذلك أصبحت المنصات الرقمية فضاءً أساسياً للتعبير السياسي، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات مرتبطة بالأخبار الزائفة والتضليل وخطاب الكراهية وتحويل النقاش السياسي إلى مجرد صراع افتراضي.
بالنسبة لنا في الشبيبة الاتحادية، نحن واعون بأن العمل السياسي مع الشباب لا يمكن أن يبقى بالوسائل التقليدية فقط. ولذلك اشتغلنا على تطوير حضورنا الرقمي، ليس بهدف مطاردة «الترند»، وإنما من أجل تقديم خطاب سياسي واضح، قريب من الشباب، وقادر على التفاعل مع أسئلتهم وانتظاراتهم.
ونحن نعتبر أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست بديلاً عن التنظيم السياسي والعمل الميداني، وإنما هي امتداد لهما. فالنجاح الحقيقي هو أن نحول التفاعل الافتراضي إلى مشاركة فعلية، وأن ننتقل بالشباب من مجرد المتابعة والتعليق إلى النقاش والتنظيم والمبادرة والمشاركة في الحياة السياسية.
ماذا تقولون للشباب المغربي الذي فقد الثقة في المؤسسات والأحزاب، خصوصاً في ظل مظاهر المال الانتخابي وضعف تكافؤ الفرص؟
ما يمكن قوله للشباب المغربي اليوم، الذي فقد الثقة، هو أن التغيير يوجد، بالدرجة الأولى، في أيديهم، وأنه من دون مشاركة حقيقية وفعالة للشباب لن يتحقق أي تغيير. ففقدان الثقة والابتعاد عن المشاركة لن يغيرا شيئاً في الواقع.
وعلى الشباب اليوم أن ينخرط بشكل فعال في العملية الانتخابية، من أجل مواجهة بعض الممارسات التي ما تزال تطبع المشهد الانتخابي، حيث تغلب أحياناً قلة الوعي، كما تغلب الإمكانات المالية الكفاءة والاستحقاق.
ومن يستطيع أن يرجح كفة الكفاءة في العملية الانتخابية؟ أعتقد أن الشباب هم القادرون على ذلك، لأنهم يمثلون أمل البلاد، وبإمكانهم تغيير المعادلة السياسية اليوم.
وبالتالي، فإن استمرار عدم ثقة الشباب في المؤسسات والأحزاب سيقود في النهاية إلى نتيجة واحدة، وهي عدم تغيير الواقع وعدم تغيير الأوضاع، وبالتالي عدم تغيير المستقبل. وإذا لم نتمكن من تغيير المستقبل، فلن نصل إلى مستوى التنمية التي نطمح إليها جميعاً كمغاربة، سواء كنا مواطنين أو أحزاباً أو مختلف الفاعلين والشرفاء في هذا الوطن.
هل يمكن فصل أزمة مشاركة الشباب السياسية عن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة أزمة التشغيل؟
بكل صراحة، إذا لم نوفر للشاب أبسط حقوق العيش، وفي مقدمتها التشغيل، فكيف يمكن أن نقنعه بالمشاركة في الحياة السياسية وممارسة السياسة؟ فحتى السياسات العمومية اليوم، وخاصة ما قدمته الحكومة الحالية، تطرح أسئلة كبيرة. لقد قدمت الأحزاب، في بداية الولاية الحكومية، برنامجاً كبيراً وطموحاً، لكن جزءاً مهماً من الوعود التي تضمنها لم يتحقق.
فعندما يتم الحديث عن خلق مليون منصب شغل، ثم يتم تقديم برامج مثل «أوراش» و«فرصة» باعتبارها حلولاً لإشكالية التشغيل، فإن ذلك لا يعكس، في تقديري، إرادة حقيقية لحل مشكلة التشغيل بشكل جذري. كما أن الأرقام المرتفعة التي وصل إليها معدل البطالة تطرح بدورها الكثير من علامات الاستفهام.
ولعل ما حدث في مدينة سبتة المحتلة، من محاولات جماعية للوصول إلى المعبر والدخول إلى المدينة، يقدم مثالاً واضحاً على هذه الأزمة. وأنا، بحكم أنني ابن المنطقة وأعرف جيداً ما حدث هناك، أؤكد أن عدداً كبيراً من الشباب الذين توجهوا إلى هناك كانوا يشتغلون، وكان من بينهم أشخاص تركوا أعمالهم وتوجهوا إلى الضفة الأخرى بحثاً عن فرص أفضل.
وهذا يعطينا نتيجة واحدة، وهي انعدام الثقة في المؤسسات، وهذا هو المشكل الحقيقي الذي نعاني منه اليوم بكل صراحة. فحين يشعر الشباب بأن الوعود لا تتحقق، وأن البرامج التي قدمت لهم بقيت بعيدة عن النتائج المعلنة، فإن ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات وفي الفاعلين السياسيين.
وأعتقد أن جزءاً من أسباب هذا الوضع يعود إلى الوعود التي لم تتحقق، وإلى البرامج التي كانت طموحة جداً مقارنة بما تحقق منها على أرض الواقع خلال الولاية الحكومية الحالية. ولذلك، فإن إعادة بناء الثقة لدى الشباب تقتضي، قبل كل شيء، سياسات عمومية ملموسة، وفي مقدمتها توفير فرص الشغل وتحسين ظروف العيش، لأن المشاركة السياسية لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للشباب.
كيف تقيمون تدبير الحكومة الحالية لملف التشغيل، خصوصاً برنامجي «أوراش» و«فرصة»؟
طريقة تدبير أزمة التشغيل من طرف هذه الحكومة كانت، في تقديري، تقوم أساساً على صناعة الأرقام أكثر من حل مشكل حقيقي بالنسبة إلى المغاربة. وبعد إطلاق برنامج «أوراش»، حذرنا منه أكثر من مرة، وقلنا إنه بمثابة كرة ثلج من الغضب تتكون، وقد انفجرت فعلاً مع احتجاجات جيل «زد».
أما برنامج «فرصة»، فقد تسبب في مشاكل قضائية لعدد من الشباب الذين حاولوا خلق مشاريع والاشتغال الذاتي، بعد عدم استكمال المساطر المعقدة التي واجهوها.
وبالتالي، فإن هذه البرامج لم تتمكن من معالجة أزمة التشغيل معالجة حقيقية ومستدامة، وإنما ظلت في جزء منها مرتبطة بتدبير ظرفي للمشكلة، في الوقت الذي يحتاج فيه الشباب إلى فرص شغل حقيقية ومستقرة وإلى سياسات عمومية قادرة على الاستجابة لانتظاراتهم.
ما الذي يقترحه الاتحاد الاشتراكي في ملف التشغيل، وما الذي يميز مقاربته عن السياسات الحكومية الحالية؟
التشغيل بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس مجرد وعد انتخابي، وإنما هو قضية اجتماعية واقتصادية في صلب مشروعنا السياسي. والشباب المغربي، وخاصة حاملي الشهادات، لا يحتاج إلى خطابات عامة، بل يحتاج إلى سياسة عمومية تفتح أمامه فرصاً حقيقية ومستدامة.
ولهذا يقترح حزب الاتحاد الاشتراكي مقاربة تقوم على الربط بين الاستثمار وخلق فرص الشغل، وبين التكوين وحاجيات الاقتصاد، مع إعطاء أولوية خاصة للشباب وحاملي الشهادات. كما أن الاتحاد، من خلال 20 التزاماً، جعل التشغيل محوراً أساسياً، بعد ما يعتبره الحزب فشلاً ذريعاً للحكومة في هذا الملف، والتزم بتقليص نسبة البطالة إلى 8 في المائة، مع تقليص بطالة الشباب بنسبة 10 في المائة.
ونحن لا نريد أن نعالج البطالة فقط من خلال برامج مؤقتة أو إجراءات ظرفية، وإنما من خلال بناء اقتصاد منتج قادر على خلق مناصب شغل لائقة، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة، وربط التكوين الجامعي والمهني بحاجيات سوق الشغل.
والأهم أن برنامج الاتحاد الاشتراكي يتضمن أهدافاً وأرقاماً واضحة في هذا المجال، وهو ما يعكس الفرق بين برنامج يقدم وعوداً عامة وبرنامج يحدد الالتزامات والموارد والنتائج المنتظرة.
ومن موقعنا في الشبيبة الاتحادية، نقول بوضوح: لا يمكن أن نتحدث عن مغرب صاعد دون أن يكون الشباب في قلب هذا الصعود. لذلك سنواصل الضغط من أجل أن يصبح التشغيل أولوية فعلية في السياسات العمومية، وأن تتحول الشهادة من مجرد ورقة تثبت التكوين إلى جسر نحو الاستقلال الاقتصادي والاندماج الاجتماعي.
هل يضع الاتحاد الاشتراكي التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية ضمن رؤيته لمستقبل الشباب والدولة الاجتماعية؟
أعتقد أن الجواب هو نعم، وبوضوح. لأن الاتحاد الاشتراكي لا يتعامل مع التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية باعتبارها مجرد قطاعات حكومية، وإنما باعتبارها حقوقاً اجتماعية أساسية وركائز للدولة الاجتماعية.
وبرنامجنا الانتخابي، تحت شعار «التنمية العادلة»، يقترح جعل هذه الحقوق قابلة للولوج الفعلي، مع ربط التنمية بتحسين دخل الأسر والقدرة الشرائية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وبالنسبة لنا كشبيبة اتحادية، فإن مستقبل الشباب يبدأ من مدرسة عمومية ذات جودة، وجامعة منصفة، وصحة عمومية قوية، وسكن لائق، وحماية اجتماعية تضمن الكرامة، وليس فقط من خلال الحديث عن التشغيل بمعزل عن هذه الشروط.
ثم هناك مسألة أعمق: الاتحاد الاشتراكي لم يكتشف الدولة الاجتماعية اليوم مع اقتراب الانتخابات؛ نحن حزب دفع مناضلوه الثمن، وقدم شهداء ومناضلين ضحوا من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. لذلك، عندما ندافع اليوم عن دولة اجتماعية حقيقية، فنحن نواصل مساراً نضالياً وتاريخياً، وليس مجرد تقديم وعود انتخابية.
ورسالتنا للشباب هي أن الدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد البرامج التي تُعلن، وإنما بمدى قدرة المواطن على أن يتعلم ويتعالج ويسكن ويعيش بكرامة، وبمدى وصول ثمار التنمية إلى كل الفئات وكل الجهات. وهذا هو جوهر «التنمية العادلة» التي يقترحها الاتحاد الاشتراكي.
إذا شارك الاتحاد الاشتراكي في الحكومة المقبلة، ما الموقع الذي سيمنحه للشباب داخل مؤسسات الدولة ومواقع القرار؟
إذا تصدر الاتحاد الاشتراكي المشهد الحكومي أو شارك في الحكومة المقبلة، فموقفنا واضح: الشباب لن يكونوا مجرد واجهة انتخابية أو رقماً في الخطابات، بل سيكونون جزءاً من صناعة القرار وتحمل المسؤولية.
نحن في الشبيبة الاتحادية نؤمن بأن منح الشباب مواقع حقيقية في المسؤولية هو تجديد للدولة وللمؤسسات وللحياة السياسية، وليس امتيازاً يمنح لهم. ولذلك سنعمل من أجل حضور فعلي للكفاءات الشابة في مواقع القرار، داخل الحكومة والإدارات والمؤسسات العمومية والهيئات المنتخبة، على أساس الكفاءة والاستحقاق والنضال والمسؤولية.
وهذا ينسجم مع التوجه العام للاتحاد الاشتراكي نحو بناء دولة المؤسسات وتجديد النخب السياسية.
أما التوازنات الحزبية، فهي جزء طبيعي من العمل السياسي والحكومي، لكنها لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لإقصاء الشباب. وأنا، بصفتي الكاتب العام للشبيبة الاتحادية، أقولها بوضوح: نحن لا نريد أن نكون فقط شباباً يصفقون للقرارات، بل شباباً يشاركون في اتخاذها ويتحملون مسؤولية تنفيذها ومحاسبتهم عليها.
والاتحاد الاشتراكي مطالب، قبل غيره، بأن يترجم هذه القناعة إلى ممارسة؛ لأن تجديد النخب ليس شعاراً انتخابياً، بل شرط لبناء مستقبل سياسي مختلف، ولإعادة الثقة بين الشباب والمؤسسات والأحزاب.
فادي الوكيلي في أسطر
يُعد فادي الوكيلي، الكاتب الوطني للشبيبة الاتحادية، أحد الوجوه الشبابية الصاعدة داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث انخرط في العمل الحزبي والشبابي من بوابة التنظيمات الاتحادية، قبل أن يتولى مسؤولية قيادة الشبيبة الاتحادية. ويشتغل الوكيلي على ملفات مرتبطة بالشباب والمشاركة السياسية وتجديد النخب، واضعاً مسألة إعادة الاعتبار لدور الأجيال الجديدة داخل الأحزاب والمؤسسات في صلب اهتماماته التنظيمية والسياسية.
ويبرز الوكيلي في النقاشات المرتبطة بموقع الشباب في الحياة السياسية، خصوصاً في ظل الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، من خلال الدفاع عن توسيع حضور الشباب في مواقع القرار والترشيحات الانتخابية، وانتقاد مظاهر المال الانتخابي وأزمة الثقة في المؤسسات. كما يدافع عن ضرورة الانتقال من التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد قاعدة انتخابية إلى إشراكهم فعلياً في صناعة القرار وتحمل المسؤولية، ويربط استعادة الثقة في العمل السياسي بقدرة الأحزاب والمؤسسات على تقديم أجوبة ملموسة عن قضايا التشغيل والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية.






