حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

فاطمة المرنيسي.. نساء على أجنحة الحلم

إعداد وتقديم: سعيد الباز

 

تعدّ الكاتبة وعالمة الاجتماع والمهتمة بقضايا المرأة، فاطمة المرنيسي، الشخصية المغربية الأكثر حضورا وتأثيرا على المستوى العالمي، تميّزت بغزارة إنتاجها الفكري وأصالته، فضلا عن سمة الجدة والابتكار، وحظيت باهتمام كبير على مستوى الترجمة إلى لغات عالمية كثيرة وفي كبريات دور النشر.

لم تكن المرنيسي مجرّد مناضلة نسائية بقدر ما كانت منشغلة بتفكيك البنية الاجتماعية التقليدية التي تكرّس الهيمنة الذكورية، ولم تكن تتورع في نقد الحركات النسائية الغربية.

 

فاطمة المرنيسي.. بين الوعي والحلم

رواية «نساء على أجنحة الحلم»، ذات الطابع السير ذاتي، تبرز كيف يتم خلق حدود وهمية في بلد واحد وبين عالم الرجال والنساء في المغرب. توظف المؤلفة ذاكرتها من أجل تقديم صورة مقربة عن وضعية المرأة من خلال جذور موروثها الثقافي والاجتماعي، وتؤكّد على أهمية الحلم في تطور وعي المرأة: «كانت عمّتي حبيبة مجبرة على الاحتفاظ بالطيور التي تحلم بها في أعماقها «إنّ الحلم أساسي بالنسبة للذين لا يتوفرون على السلطة» ذلك ما كانت تقوله لي أحيانا كثيرة وأنا أراقب الدرج حتّى تتمكّن من تطريز طائر أخضر على المرمة السرية التي كانت تخفيها في الزاوية المظلمة من غرفتها، الواقع أنّ الحلم وحده مجرّد من قدرة التحقق لا يغيّر العالم ولا يخترق الأسوار، ولكنّه يساعد الإنسان على الاحتفاظ بكرامته. الكرامة هي أن تحلم حلما قويا يمنحك رؤية وعالما يكون لك فيه مكان، وحيث تغيّر مشاركتك مهما كانت محدوديتها شيئا ما.

في افتتاح الرواية نقرأ: «ولدت في حريم بفاس، المدينة المغربية التي تعود إلى القرن التاسع، وتقع على بعد خمسة آلاف كيلومتر غرب مكة وألف كيلومتر جنوب مدريد، إحدى عواصم النصارى القساة. مشاكلنا مع النصارى كما يقول أبي وكما هو الشأن مع النساء تبدأ حين لا تحترم الحدود، ولقد ولدت في فترة فوضى عارضة، إذ النساء والنصارى كانوا يحتجون على الحدود ويخرقونها باستمرار.

على باب حريمنا ذاته، كانت النساء يهاجمن «أحمد» البواب ويضايقنه باستمرار، كانت الجيوش الأجنبية تتوافد مجتازة حدود الشمال. والواقع أنّ الجنود الأجانب كانوا رابضين في زاوية دربنا بالضبط، الموجود في الخط الفاصل بين مدينتنا القديمة، وتلك التي بناها الغزاة وأسموها المدينة الجديدة.

يقول أبي بأنّ الله عندما خلق الأرض وما عليها فصل بين النساء والرجال، وشق بحرا بكامله بين النصارى والمسلمين، ذلك أنّ النظام والانسجام لا يتحققان إلّا إذا احترمت كل فئة حدودها، وكل خرق يؤدي بالضرورة إلى الفوضى والشقاء. غير أنّ النساء كن مشغولات باختراق الحدود، مهووسات بالعالم الموجود خارج الأسوار، يتوهمن أنفسهن طيلة النهار متجولات في طرق خيالية. وخلال تلك الفترة كان النصارى يجتازون البحر تباعا زارعين الموت والفوضى.

الشقاء والرياح الباردة يأتيان من الشمال، ونحن نولي وجهنا للشرق للصلاة. مكة بعيدة ولكن صلواتك قد تصلها إذا عرفت كيف تركز، وسيلقونني التركيز في الوقت المناسب. كان الجنود الإسبان مرابطين شمال مدينة فاس، وحتى أبي وعمي، اللذان كانا من أعيان المدينة ويمارسان سلطة لا تناقش في البيت، كانا مجبرين على طلب الإذن من مدريد لحضور موسم مولاي عبد السلام بالقرب من طنجة على بعد ثلاثمائة كيلومتر من مدينتنا. ولكن الجنود الواقفين على بابنا ينتمون إلى قبيلة أخرى. لقد كانوا فرنسيين، إنّهم مسيحيون كالإسبان ولكنهم يتحدثون لغة مغايرة، كانوا يسكنون بلادا أبعد في الشمال، وباريس هو اسم عاصمتهم. يقول ابن عمي سمير بأنّها تبعد ألفي كلم وأنّها أبعد من مدريد مرتين وأنّ سكانها أكثر شراسة. يتنازع المسيحيون كالمسلمين في ما بينهم طيلة الوقت، وقد مزّق الإسبان والفرنسيون بعضهم البعض على أرضنا. وبما أنّ أحدهم لم ينجح في القضاء على الآخر، قرروا تقسيم المغرب إلى قسمين. لقد أوقفوا جنودا قرب «عرباوة» وأعلنوا بأنّ من شاء التوجه نحو الشمال، عليه الحصول على جواز سفر لأنه يدخل المغرب الإسباني، وإذا شاء التوجه نحو الجنوب عليه أن يحصل على جواز مرور آخر إذ أنّه حسب قولهم يجتاز حدودا للدخول إلى المغرب الفرنسي، وإذا ما رفض الشخص الامتثال لأوامرهم سيظل محاصرا في عرباوة، وهي مكان اختير بطريقة عشوائية شيدت فيه باب ضخمة أسموها حدودا. ولكن أبي شرح لنا بأنّ المغرب موحد منذ ملايين السنين، وحتى قبل مجيء الإسلام، أي منذ أربعة عشر قرنا، لم يسمع أحد بحدود تقسم المغرب إلى قسمين.

الحدود خط وهمي في رأس المحاربين. ابن عمّي سمير، الذي كان يرافق عمّي أحيانا ووالدي في أسفارهما، يقول بأن اختلاق حدود يقتضي التوفر على جنود لإجبار الآخرين على الاقتناع بها، أمّا في المكان ذاته فلا شيء يتغير، إنّ الحدود لا توجد إلّا في أذهان الذين يملكون السلطة. ما كان بإمكاني التأكد من ذلك في عين المكان لأن عمّي وأبي كانا يؤكدان بأنّ النساء لا يسافرن، فالأسفار خطيرة والنساء عاجزات عن الدفاع عن أنفسهن.

 

فاطمة المرنيسي.. الجنس كهندسة اجتماعية

اهتمت فاطمة المرنيسي، في كتابها «الجنس كهندسة اجتماعية»، بإبراز أهمّ الثوابت والتحولات التي شهدتها وضعية المرأة قديما وحديثا، موضحة ذلك بقولها: «إنّ غياب أشكال للتبادل بين الجنسين خارج إطار العلاقة الجنسية المعتادة يشرح إلى حدّ ما المسلكيات التي تمارس، في المكتب والشارع. «فالمكتب» ظاهرة حديثة في المغرب، وهو من مترتبات المركزية البيروقراطية التي أقامتها فرنسا بعد إعلان الحماية سنة 1912 وقد تطورت الوظيفة العمومية بعد الاستقلال، حيث تضاعف عدد المكاتب والمراكز، وكذلك الشأن بالنسبة للأموال العمومية التي تستثمر فيها، وتشكّل الحكومة المشغل الرئيسي في البلاد راهنا. إنّ عددا لا يستهان به من النساء المتعلمات غدون موظفات، وغالبا ما لا يكملن تعليمهن بالثانويات ويشتغلن راقنات أو كاتبات خاصّات أو عاملات تنفيذ، بحيث أنهن يشغلن مراكز تابعة للرجال».  إنّ هذا التطور وخروج المرأة إلى مجال العمل خاصة في الأعمال الإدارية أقام وضعا ملتبسا يخلط بين صورتها التقليدية وصورتها الحديثة عاملة أو موظفة، وبتعبير فاطمة المرنيسي: «إنّ وضعية المرأة التي تعمل في مكتب تذكر بوضعيتها في البيت التقليدي، والخلط بين هذه الصور والمواقف يفسّر بعض ردود أفعال الرجال تجاه -زميلتهم- المرأة. فمثلا نجد أنّ الكاتبة الخاصة للرئيس تابعة له كما لو كانت زوجته أو أخته، وله الحق في إعطائها الأوامر، كما أنها تابعة له بخصوص حياتها المادية بطريقة أكثر أو أقل مباشرة. فالرئيس هو الذي «يمنحها» راتبها الذي تحصل عليه مقابل الخدمات المحددة التي تؤدّيها له، ومن هنا فإنه يخلطها بزوجته التي يسيطر عليها نتيجة تفوقه المادي وسلطته المؤسساتية، فليس بين الكاتبة والزوجة إلّا خطوة قصيرة، ويبدو أنّ عديدا من الرجال يخطونها بيسر. وعلى كلّ حال فإن الانزلاق الذي يحدث في العلاقة بين الموظف وكاتبته الخاصة، الناتج عن الخلط الذي يقع فيه هذا الأخير بين امتيازاته كرجل وامتيازاته وحقوقه كموظف لا يقف عند السلوك الجنسي. وقد اعتبر «ماكس فيبر» هذا الخلط إحدى القضايا المطروحة على النظام البيروقراطي الدالة على الخلل فيه.

وإذا كان هذا الخلط ملازما لكل بنية بيروقراطية، فإنّه يكتسي طابعا مبالغا فيه في مجتمعات العالم الثالث، حيث تتسم الظاهرة البيروقراطية بحداثتها. من المؤكد أنّه كانت في المغرب إدارة مخزنية مركزية، ولكن المخزن كان يفتقر إلى بنيات ووسائل وتجهيزات وطاقات إنسانية كتلك الموجودة لدى الإدارة المغربية حاليا. وبالتالي فإنّ مضايقة المرأة الموظفة ناتجة عن كونها تجاوزت حدود المكان الرجالي بامتياز أي حدود إدارة شؤون الدولة. إنّ حدّة الصراع والضغوط التي تعيشها النساء العاملات في الإدارة، مترتبة عن اجتياحهن الجسور لمعابد السلطة الرجالية». لتستخلص في النهاية أنّ هذا التطور مرشح إلى مزيد من الامتداد والاجتياح رغم ما يشوبه من خلط بين صورتها التقليدية والحديثة.

 

فاطمة المرنيسي.. لقد تفوقت علينا بموهبتك

كتبت فاطمة المرنيسي رسالة طريفة إلى الرسامة المغربية المشهورة الشعيبية طلال باعتبارها نموذجا فريدا للإبداع النسائي: «في هذه الرسالة التي لن تقرئيها، عزيزتي الشعيبية، لأنك مثل أمي لم تتعلمي تهجية الحروف أو لم يلقنوك دروس محو الأمية كما يقول الموظفون. أود أن أقول لك بلغة أجنبية مقدار الإعجاب والحب اللذين أكنهما لك واللذين قد لا أوفق في التعبير عنهما جيدا بعاميتنا. إنني معجبة بك لأنك تمكنت، في مجتمع مبرمج لإهانة المرأة، من إحباط المخططات وتفكيك الآليات، دونما تعمد ومجردة من كل سلاح، لأن البحث عن الكرامة صار هو رد الفعل الأكثر تلقائية للبقاء وللحياة، بشهادات أو بدونها فبعض المجتمعات، كما تعلمين، تنظم إذلال الفرد مثلما تنظم الاحتياط الاجتماعي أو العطل المؤدى عنها… وفي مجتمعنا، جرت العادة على اعتبار اللواتي والذين لم يحالفهم الحظ في تعلم القراءة والكتابة غير مؤهلين لدخول عالم الإبداع: فوحدهم جامعو الألقاب مرخص لهم بذلك. أما الآخرون والأخريات، مثلك عزيزتي الشعيبة ومثل أمي أو ابنة خالتي، فلأن حظكن العاثر شاء لكن أن تولدن قبلي ببضع سنوات، في زمن مبكر أو بعيدا جدا عن الحواضر الكبرى (حيث لم يبدأ التمدرس المكثف في المغرب إلا بعد الاستقلال، في أواخر الخمسينات)، وجدتن أنفسكن ممنوعات من الإقامة في فضاءات الإبداع، غير أنك، عزيزتي الشعيبية، اخترت هذه المرحلة بالذات لتدخلي المشهد، مخلخلة السيناريوهات وأصحابها، مزعجة الممثلين والملقنين، ومعيدة إظهار سراب الجمال طبقا لقانونك الخاص، قانون الموهبة اللامعة لقد تسربت إلى عالم محروس بصرامة، عالم الفن التشكيلي الحديث الوافد من جهة أخرى بقماشة عمودية وفرشاة ولون اصطناعي… من مدينة بعيدة اسمها باريس. تسربت بصمت، كما لا تقدر على ذلك سوى النساء العربيات، إلى مواقع السلطات: سلطة الإبداع، سلطة التعبير، سلطة بيع العمل بثمنه الاعتباري، وسلطة ترصيع اللوحة بقيمتها الحقيقية. وهي قيمة صارت أصالتها تقدر اليوم بأقوى العملات الصعبة عبر المتاحف وقاعات العرض… وأنت تقومين بكل هذا مرتدية لباسك التقليدي ومجوهراتك نكاية بالموضات الزائلة، ومزخرفة يديك بالحناء، ومكر شعرك بادٍ تحت وشاحك الذي لا علاقة له بالشارات المعروفة، وهي مجرد تدلل وضحك وسخرية من الدار البيضاء. لهذا كله أنا معجبة بك، وكذا لمكرك… حين تحيينني بذلك الهزل المحيّر الذي يبعث على الخوف: «آش كتكَولي آلقارية؟» (ماذا تقولين أيتها القارئة) فبإلحاحك بلطف، على ما حرمت منه، أي متابعة الدراسة والحصول على شهادات تعريننا جميعا، معيدة إيانا إلى الإنساني بعظمته ومسؤوليته. وعندما سألتك ذات يوم: «لماذا تحدثينني دوما عن التعليم؟ إنك تتدبرين أمرك أفضل من العديد من أساتذة الجامعة…»، جاء جوابك مضيئا أكثر مما يستطيع بحث طويل: «ألحّ على التعليم لأنّ الأمية جرح. ينبغي إعداد مغربٍ لا تكون فيه أية امرأة جريحة. فحتى عندما نلاقي النجاح، فإن هذا الجرح لا يندمل أبدا». إنني أحبك، عزيزتي الشعيبية، لأنك توقظين ضمائرنا، ليس بأبواق المناضلين، بل بنجاحك، وصدقك. وأنت تحبين المختلف لتعبري عما هو داخلي بنحو أفضل. هكذا أنت منفتحة على الغرب، وتحبين الفرنسيين والأمريكيين وكل الذين يختلفون عنك حديثا وسلوكا، لأنه ما من تهديد يطال الجوهري فيك، أي صدق كينونتك. إنك ناجحة لأنك واثقة مما أنت عليه: شعاع من الضوء يتموج ويومض ويسمى إنسانا حتى لو كنت امرأة يعتبرها بعضهم هنا وهناك تافهة وثانوية وعديمة الأهمية… وردك على المجتمعات التي تحتقر المرأة هو تلطيخ لياليها بألق ألوانك، وكنس القوالب الجاهزة بالإبداع الهادئ لجمال لا يحتاج لإثبات نفسه أمام أيّ كان، لأنّه بكل بساطة ينير من يراه. مع كل احترامي لهذه القارئة التي هي في غنى عن القراءة، لأنها مستغرقة تماما في مصيرها المتواضع واللانهائي، المتمثل في اجتراح معجزات بصمت، ومبادرتك بالقول حين تصادفها، وعيناها الكحيلتان تشعان بلمعان ماكر: «آش كتكَولو آلقاريين؟ ما قولكم أيها المتعلمون؟ أجل عزيزتي الشعيبية لقد مكرت بنا وتفوقت بموهبتك علينا بما نحمله من شهادات».

 

فاطمة المرنيسي.. سلطانات منسيات

خصصت فاطمة المرنيسي، في كتابها «سلطانات منسيات»، السيدة الحرة ضمن سلسلة من النساء المسلمات الحاكمات، مثل شجرة الدر حاكمة مصر، لتناول ظاهرة النسيان والإغفال التي تتعرض لها هذه الفئة من النساء من قبل المصادر التاريخية: «لقد دفع سقوط غرناطة بحرّات أخريات من نساء علية القوم، اللواتي كن يعشن حياة أخرى مسترخية في الحريم، إلى المسرح السياسي، وقد وضعتهن الهزائم ضمن المعترك وأجبرتهن على الاهتمام والمساهمة في الأحداث في الأحداث الخطيرة التي تتعرض لها الجماعة. وبتحررهن من قيد التقليد الذي كان يشلّهن، وذلك بالحكم عليهن أن يقبعن في الفضاء المنزلي، بتحررهن من هذا القيد أخذن يتكشفن، رغم عدم خبرتهن، عن خبيرات فطنات بالخطط الحربية، وفي كلّ الأحوال، ماهرات كالرجال. وأنّ واحدة من بينهن، وهي مغربية من أصل أندلسي لم تجد شيئا أفضل من الاندفاع في القرصنة كي تنسى الهزيمة. وقد أظهرت مواهبها في ذلك وسرعان ما أصبحت «حاكمة تطوان». ويحافظ المؤرخون المسلمون على صمتهم اتّجاهها «عمليا لا نجد في المصادر العربية عن هذه الملكة التي مارست السلطة فعلا خلال ثلاثين سنة (1510م تاريخ وصول زوجها المنظري إلى السلطة حتّى 1542م عندما أزيحت عنها)، في حين أنّها، حسب المصادر الإسبانية والبرتغالية، كانت شريكة في اللعبة الدبلوماسية. وقد كانت لعدة سنوات، حاكمة تطوان والإقليم الشمالي الغربي من المغرب وكانت رئيسة للقرصنة لا منازع لها في المنطقة، وكان أحد حلفائها الشهيرين القرصان التركي (بارباروس) الذي كان يعمل لصالحها انطلاقا من الجزائر. إلّا أنّه لم يكن لها حلفاء سوى القراصنة، وبعد وفاة زوجها، تزوجت الملك أحمد الوطاسي ثالث ملوك هذه الأسرة (1524م- 1549م). ولكي تُفْهمه أنّها لا تنوي مطلقا التنازل عن دورها السياسي طلبت منه الانتقال من العاصمة فاس إلى تطوان لإقامة حفلة الزواج. وكانت تلك المرة الوحيدة، في تاريخ المغرب، التي يتزوج فيها ملك خارج عاصمته… لم يكن لحاكمة تطوان الحقّ بلقب الحرّة، أي كامرأة تمارس السلطة العليا إلّا في 1515م، عقب موت زوجها، ولاختيارها والية على تطوان تدبرت أمرها بسرعة وحصلت على تسميتها حاكمة تطوان».

 

البشر.. موجز تاريخ الفشل

يلقي الكاتب والصحافي البريطاني توم فيليبس بطريقة ساخرة، في كتابه «البشر.. موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كلّ شيء»، نظرة على الكيفية التي كان أسلافنا يفكرون بها، وكيف انتهى الأمر بنا ضحايا لأفكارنا الخاصة، وكيف يخذلنا ذكاؤنا ويقودنا مباشرة نحو هاوية القرارات الخاطئة التي نتخذها، ويتحدث، كذلك، عن الفترات الأولى من مهد الحضارة الإنسانية حيث بدأنا بالزراعة وشكّلنا العالم من حولنا، إلى جانب حديثه عن محاولات البشر الحثيثة في ترويض الطبيعة.

يستعرض الكتاب بأسلوب شيق تاريخ البشر الطويل الحافل بالانخراط في حروب بلا جدوى، ويلقي نظرة على أغبى الحروب بما فيها المعركة التي خسرها أحد الجيوش مع أن جيش الأعداء لم يصل إلى ساحة المعركة أصلاً. وستعرض صفحات هذا الكتاب، أيضا، لكيفية التواصل مع الثقافات الأخرى، مع إلقاء نظرة على أسوأ قرار سياسي تم اتخاذه في التاريخ من قِبَلِ شاه خوارزم، حينما قرر إضرام النار في لِحى السفراء الدبلوماسيين، قبل أن يستعرض المؤلف ما سيقدم عليه البشر من تصرفات حمقاء، وما سيترتب عليها من أحداث.

يقدم توم فيليبس لكتابه هذا بمقدمة جاء فيها: «… لقد وضعت كتابي هذا ‏لأحكي فيه عن البشر وقدرتهم العجيبة على تخريب كل شيء، عن كل لحظة امتلأنا ‏بها فخراً لكوننا بشراً، أمام عمل فني لا يُضاهى أو إنجاز علمي تفوقنا به على ‏أنفسنا، بينما الحسرة واليأس يملآن قلوبنا لأجل كل تلك الحروب والتلوث الذي لا ‏يضاهيه شيء…».‏ ويضيف موجها خطابه إلى القارئ: «لابد أنّك تأملت يوما ما حال العالم، بغض النظر عن آرائك الشخصية أو انتماءاتك السياسية، وفكرت: اللعنة، ماذا فعلنا؟ أكتب اليوم لأساهم بتقديم بعض الراحة. لا تقلق، لأننا ما فتئنا نفعل الأمر عينه منذ الأزل، وما زلنا هنا. يؤسفني أن أكتب هنا أنني مضطر للانتهاء من الكتابة قبل تبيان ما سيحدث، قبل معرفة ما إذا كنا سنموت بسبب حرب نووية قريبة أم لا، ولهذا سأكمل الكتابة معتبرا أنّك إذا ما قرأت هذا الكتاب فإننا قد نجونا بأعجوبة لما بعد شهر يونيو المقبل. تتناول العديد من المؤلفات الإنجازات البشرية الأروع، والقادة العظماء والمخترعين العباقرة والروح البشرية التي لا تقهر. كما توجد العديد من الكتب التي تتحدث عن الأخطاء التي ارتكبناها فرادى وجماعات، عن أخطاء ارتكبتها مجتمعات بأسرها، لكني لم أجد كتابا يتحدث عن الكيفية الكارثية والعميقة التي تدبرنا بها أمرنا للقيام بكل تلك الأخطاء مرة تلو الأخرى. وفي واحدة من سخريات القدر، التي يبدو أن الكون يستمتع بها حقا، أنّ الأسباب ذاتها التي تدفعنا للفشل والتخريب على نطاق واسع، هي عين الأشياء التي تفرقنا عن بقية الكائنات، كالحيوانات، وتمكننا من تحقيق العظمة. يرى البشر النماذج في العالم من حولهم، ويمكننا إيصال ما نرى ونقله للبشر الآخرين، كما نملك المخيلة التي تسمح لنا بتخيّل المستقبل الذي لم يقع بعد.. فيهمس الواحد منا لنفسه أو للآخرين: ماذا لو أجريت تغييرا على هذا أو ذاك، قد يحصل هذا أو ذاك في تلك الحالة، وسيكون العالم مكانا أفضل عندها. المشكلة الوحيدة هنا هي أننا لسنا على كفاءة عالية لتغيير أيّ شيء. سيبدو أيّ تقييم نجريه للأداء البشري السابق على كلّ تلك الأصعدة أشبه بتقرير سنوي مريع عن أحد الموظفين، كتبه شخص يكرهه حقا. نحن نتخيّل وجود نموذج مألوف بالنسبة لنا حيث لا وجود لأثر لتلك النماذج، كما أنّ مهارات التواصل لدينا ناقصة، وسجل الإدراك لدينا فقير لدرجة مخجلة، إدراك أننا إذا ما غيّرنا هذاـ فإنّه سيقودنا إلى شيء آخر مختلف، وحينها سيحصل ما هو أسوأ، وبعدها سنقف عاجزين مستغيثين.. كيف يمكننا الحدّ من هذا الأمر وإيقافه.

 

 

 

في ظلال الغد.. تشريح لتعاسة العصر الحديث

يعتبر المؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا، Huizinga Johan، أحد مؤسسي منهج التاريخ الثقافي في رصده للحركية الثقافية متتبعا خطا رابطا يتجاوز فيه الإغراق في التفاصيل الصغيرة حرصا على عدم الوقوع في التشتت والبعثرة، أو كما يقول في كتابه «نظرات في التاريخ الثقافي»: «الارتفاع فوق الصغائر إلى الإمساك بالخيوط الرئيسية والخطوط العريضة للظواهر الثقافية المتتابعة، أو النظر إليها نظرة كلية، تشبه نظرة الطائر إلى الغابة، إذ لن تقوم لدراسة التاريخ الثقافي قائمة إلا حين يتجه العلماء والنقاد إلى تحديد أنماط الحياة والفن والفكر مجتمعة».  في كتابه الشهير «في ظلال الغد، تشريح لتعاسة العصر الحديث»، الذي ينتقد فيه ما آلت إليه الحضارة المعاصرة مبرزا عدة عوامل تهددها بالزوال، يقول: «إنّنا نحيا في عالم فقد عقله، ونحن نعلم ذلك، لن يكون من المفاجئ لأي أحد إذا ما أفسح الجنون غدا الطريق لشعار قد يترك عالمنا مشدوها مذهولا. ثمة شكوك في كل مكان حول تماسك بنياننا الاجتماعي، ومخاوف مستترة حول مستقبلنا القريب؛ ثمة شعور بأنّ حضارتنا على حافة الهلاك. ليست هذه المخاوف مثل القلق الشائه الذي يحيطُنا عندما يخيّم الليل ويخبو ضوء الحياة، بل توقّع مبنيّ على الملاحظة، وحكم أساسه مجموعة هائلة من الحقائق لا تُخطئها العين. كيف ننكر أنّ جل الأشياء، التي بدت مقدسة وغير قابلة للتغيير يوما ما، باتت محلا للتنازع: الحقيقة والإنسانية والعدالة والعقل؟ إننا نرى أشكالا من الحكومات عاجزة عن أداء وظائفها، وأنظمة إنتاج على شفير الهاوية وقوى اجتماعية جُنّ جنونها بالسلطة. يبدو أنّ المحرك الهادر لهذا الزمان المفزع يقوده إلى جرف هارٍ.. لكن القوى المناقضة لذلك تفرض ذاتها على أذهاننا فورا، فلم يكن ثمة وقت سبق أن كان فيه البشر أكثر وعيا وأوضح رؤية بأزوف واجبهم على التعاون في مهمة الحفاظ على العالم والحضارة الإنسانية وصيانتها، لم يكن الإنسان أبدا، في أيّ وقت سبق، مستعدا لتكريس كلّ جسارته وقواه من أجل قضية مشتركة، على الأقل، لم ينعدم الأمل بعد. وإذا كانت الحضارة، إذن، في حاجة للإنقاذ، وإن لم تطمسها قرون آتية من البربرية، وتوجب الحفاظ على كنوز تراثها على أسس جديدة أكثر استقرارا. فثمة حاجة ملحة، بالنسبة للذين يحيون اليوم، أن يدركوا إلى أيّ مدى قد بدأ الأفول يغشى حضارتهم.

لم يمض وقت طويل منذ أصبح الخوف من الكارثة الوشيكة والتدهور التدريجي للحضارة أمرا عاما. وبالنسبة لأغلب البشر تحمل الأزمة الاقتصادية وآثارها المادية المباشرة هذا الوزر، فمعظمنا لا ينتبهون لضرر الروح بقدر ما ينتبهون لضرر الجسد، ويرون أنّها أوّل ما حرث لمثل هذه الأفكار والمشاعر. لقد كان الأمر واضحا بالنسبة للذين يقتضي عملهم التعامل بشكل منهجي ونقدي مع مشكلات المجتمع والحضارة الإنسانية، من الفلاسفة وعلماء الاجتماع، فقد أدركوا، منذ زمن طال، شيئا معطوبا في حضارتنا الحديثة المتبجحة. لقد أدركوا، منذ البداية، أنّ الاضطراب الاقتصادي ليس إلّا عنصرا واحدا من عناصر عملية تحوّل أكثر أهمية واتّساعا. هذا كتاب عن التاريخ، عن الأخطاء التاريخية، ولهذا يجدر بنا الحديث، أيضا، عن أننا غالبا ما نفهم التاريخ بشكل خاطئ. المشكلة مع التاريخ هي أنّه زلق للغاية، إذ لم يتكبد أحد عناء تأريخ ما جرى عبره.

 

 

 

أيامي في الصحافة

صدر حديثا، للكاتب والصحافي المغربي عبد العالي بركات، كتاب «أيامي في الصحافة» ضمن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بتطوان. الكتاب عبارة عن مذكرات، يستحضر فيها المؤلف جوانب من تجربته في الصحافة المكتوبة. هذه التجربة، التي استمرت لأكثر من عقدين من الزمن، ينقلها الكاتب بكثير من العفوية والصدق. يقول في تقديمه لهذا العمل: «لا أريد أن يعتقد رفاقي في درب الصحافة أنني أكتب هذه المذكرات واليوميات لأجل تصفية حسابات معهم، رغم وجود ما يدعو لذلك، لكنني أحرص على أن أنأى بنفسي عنه. أنا هنا فقط أتذكر إن أسعفتني الذاكرة. أتذكر وأكتب. أكتب بصدق عن وقائع حقيقية لا لبس فيها. كانت الساعات التي أقضيها معهم وبين ظهرانيهم تفوق تلك التي أقضيها مع أسرتي الصغيرة، على مدى ربع قرن ونيف. فلماذا لا أكتب؟ تقاسمنا الحلو والمر. كنا نواجه الأوقات الصعبة والعسيرة بسلاح فريد هو السخرية. لم نكن نملك شيئا آخر غير سخريتنا. فلماذا لا أكتب؟ لأقل كلمتي وأمشي إذن».

عبد العالي بركات كاتب من المغرب، حاصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، خلال دورة 1994، عن مجموعته القصصية (أشياء صغيرة). له عدة إصدارات في جنسي القصة والمقالة الأدبية: المشروع (قصص 2007)، شيء مربع وأجوف (قصص 2014)، كمامات (قصص وبائية 2023)، مكر الليل والنهار (قصص قصيرة جدا 2023)، الكتابة والزمن (مقالات أدبية 2016).

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى