
محمد اليوبي
أكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أمس الجمعة، فشل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، التي أشرف على إعدادها الوزير السابق المكلف بإصلاح الإدارة، محمد مبديع، الموجود رهن الاعتقال في ملف تبديد واختلاس أموال عمومية، وتم إطلاق الاستراتيجية في عهد حكومة عبد الإله بنكيران في سنة 2015، وكلفت مبلغا ماليا يقدر بـ 180 مليار سنتيم.
تقييم الاستراتيجية
أوضح بنعليلو أثناء تقديم التقرير السنوي للهيئة، أن سنة 2025 شكلت نهاية الأفق الزمني لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية، مشيرا إلى أن عشر سنوات كان يُنتظر أن تشهد تعبئة واسعة للقطاعات الحكومية والفاعلين العموميين والخواص، وأن تفضي إلى إصلاحات تشريعية وتنظيمية وإجرائية تحدث تحولا ملموسا في منظومة النزاهة.
وأنجزت الهيئة تقييما لتنزيل الاستراتيجية ومدى تحقيق أهدافها المعلنة، وأثرها على الممارسات والمؤسسات والمؤشرات، وعلى ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في جدية مكافحة الفساد وفعاليتها، وخلص التقييم إلى أن تعدد المشاريع لم يتحول إلى أثر يتناسب مع الطموح الاستراتيجي.
وأكد بنعليلو أن أهم خلاصة أقرتها نتائج التقييم هي أن الاستراتيجية وإن ساهمت في إطلاق مبادرات تشريعية، وتنظيمية وإجرائية، إلا أنها لم تكن كافية لإحداث التحول المستهدف، ولم تنعكس بالقدر المأمول على المؤشرات المرجعية للنزاهة ومكافحة الفساد على نحو ما تم بيانه.
وهي خلاصة، يضيف رئيس الهيئة، تستوجب إعادة النظر في طريقة تقدير فعالية السياسات العمومية؛ مشيرا إلى أن عدد المبادرات والنصوص والمشاريع أكيد أنه يوضح حجم النشاط، غير أن الفعالية لا تتأكد إلا بقدرتها على معالجة الأسباب المنتجة للفساد، وتغيير الممارسات، وتحسين أداء المؤسسات، وتعزيز الثقة في منظومة النزاهة.
ضعف نسبة الإنجاز
قامت الهيئة بفحص نسب الإنجاز المعلنة حكوميا، وخلصت إلى أنها تحتاج إلى قراءة أدق، وأوضح بنعليلو أنه إذا كانت النسبة المتوسطة للإنجاز التي صرحت بها الجهة الحكومية المعنية حوالي 76 في المائة عند نهاية سنة 2025؛ فإن هذه النسبة لا تسمح، بمفردها، بتقدير الإنجاز الفعلي أو القدرة على إنتاج الأثر، لأنها تعكس فقط مستوى تقدم المشاريع (مكتملة أو ما زالت قيد التنفيذ، أو تعرف درجات متفاوتة من التعثر).
وكشف تقرير الهيئة عن نتائج الفحص، بعد تدقيق الأمر، مسجلا أن المشاريع المنجزة بالكامل لم تتجاوز 54 في المائة من مجموع المشاريع المبرمجة، وظلت 32 في المائة في طور الإنجاز، بينما لم يُطلق أصلا 14 في المائة منها، رغم انتهاء المدة الزمنية للاستراتيجية، كما اتضح أيضا أن نسبة المشاريع المنجزة التي احترمت آجال التنفيذ لم تتجاوز 38 في المائة؛ أي إن أكثر من 60 في المائة من المشاريع لم تُنجز وفق الجدولة الزمنية المقررة، وعرفت درجات متفاوتة من التأخر أو التعثر، فضلا عن تفاوتات مهمة في الإنجاز بين البرامج والقطاعات؛ مما عكس محدودية قدرة آليات الحكامة والتنسيق على ضمان تقدم متقارب بين مكونات الاستراتيجية.
وأشار بنعليلو إلى أن النتيجة الأكثر دلالة هي أن المشاريع التشريعية التي كانت تشكل العمود الفقري للإصلاحات المهيكلة، كانت أكثر تعرضا للتأخر والتعثر وأحيانا للتراجع؛ فلم تتجاوز نسبة المنجز منها بالكامل 44 في المائة، مقابل 57 في المائة للمشاريع الإجرائية والتقنية. وهو ما مس جوهر الاستراتيجية، لأن عددا من الإصلاحات المتأخرة كان يُعول عليه لاستكمال البيئة القانونية والمؤسساتية للوقاية والكشف والمساءلة.
تعثر وتوقف برامج
خلص تقرير الهيئة إلى أن هندسة الاستراتيجية اتسمت بكثرة البرامج والمشاريع، ربما بهاجس الإحاطة بتشعب ظاهرة الفساد ومجالات مواجهتها. غير أن هذا التعدد لم يصاحبه دائما ترتيب واضح للأولويات وفق مستوى المخاطر وقوة الأثر المتوقع، فإلى جانب المشاريع الأفقية، أُدرج عدد كبير من المشاريع القطاعية، دون استناد منتظم إلى تحليل منهجي لمخاطر الفساد، أو خرائط دقيقة تحدد المجالات الأكثر هشاشة.
وأدى ذلك، حسب التقرير، إلى تشتيت الجهود والموارد، وإضعاف التركيز على الإصلاحات الأكثر قدرة على معالجة مصادر الفساد. كما صيغت مشاريع عديدة بمنطق قطاعي منعزل، رغم تقاطع أهدافها وتشابه الإشكالات التي تعالجها؛ فظلت تدخلات متوازية، محدودة الترابط، يصعب تجميع نتائجها ضمن مسار إصلاحي متكامل.
وبالموازاة مع ذلك توقفت مشاريع أخرى عند حدود تجارب نموذجية محدودة زمنيا أو جغرافيا أو مؤسساتيا، دون تصور واضح منذ البداية لتعميمها وتوسيع أثرها، يضاف إلى ذلك إدراج مشاريع تمثل امتدادا لبرامج العمل الاعتيادية لبعض القطاعات، دون ارتباط مباشر كاف بمخاطر الفساد، أو بالأهداف المركزية للاستراتيجية.
أظهر التقييم محدودية أداء آليات الحكامة؛ فاللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، المحدثة بمرسوم سنة 2017 لتكون الإطار الأعلى للإشراف على التنفيذ، والتي يترأسها رئيس الحكومة، لم تعقد سوى اجتماعين منذ إحداثها، بينما كان مقررا عقد اجتماعين كل سنة. وتكمن دلالة هذا المعطى في محدودية الممارسة المنتظمة لوظائف التوجيه والقيادة والتنسيق واتخاذ القرار. كما لم تتمكن الاجتماعات القطاعية وآليات التنسيق التقني من بناء دينامية كافية لمعالجة التعثرات وضمان الالتقائية بين المتدخلين، وهو ما ساهم في عودة المقاربات القطاعية المنعزلة، وتراجع القدرة على تجاوز الإكراهات بصورة جماعية.





