حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

أقدم عملية دعم مغربية لعدم تقسيم أمريكا

كشفها وزير خارجيتنا سنة 1862 ودعمها محمد الرابع

يونس جنوحي

كان لدينا وزير خارجية اسمه محمد بركاش، كان يوقع رسائله بصفة: «وزير الشؤون البرانية».. اختار السلطان المولى محمد بن عبد الرحمن أن يعتمده، كما اعتمده والده وجده، خليفة سلطانيا في طنجة، بحكم معرفته المسبقة بعالم القناصلة والدبلوماسيين واحتكاكه السابق بهم، قبل 1850.

في أبريل سنة 1863، كان محمد بركاش يقف على مشارف شاطئ طنجة مع القنصل الأمريكي، يراقبان معا السفن القادمة في اتجاه مرسى طنجة، ويدققان في الأعلام التي ترفعها هذه السفن، لمنع أي شعار انفصالي عن أمريكا من الرسو في المياه المغربية..

بلغت الصداقة بين خليفة السلطان والقنصل الأمريكي درجة نقل فيها القنصل رسالة شفهية من السلطان، مفادها أن المغرب يدعم أمريكا ضد الانفصاليين، متيقنا أن أمريكا سوف تقوم بالأمر نفسه، إذا ظهر انفصاليون مغاربة فوق تراب المغرب..».

 

 

 

عندما اعتقل المغرب انفصاليين أمريكيين وسلمهما إلى واشنطن

حركة غير عادية في مكتب النائب السلطاني، ووزير الشؤون البرانية لاحقا، محمد بركاش، يوم 27 فبراير 1862، في مدينة طنجة.

والسبب أن النائب توصل بخبر مفاده وجود انفصاليين اثنين على التراب المغربي، ينشطان في مهمة تدعو إلى تقسيم الولايات المتحدة، ويمارسان نشاطا محظورا، وقد ألقى القنصل الأمريكي في طنجة القبض عليهما متلبسين بالجرم المشهود..

تحرك النائب السلطاني، ممثل السلطان في الشمال، وراسل الوزير الأول المغربي وطلب منه أن يحيط السلطان المولى محمد بن عبد الرحمن، محمد الرابع، علما بالقضية.

كان المواطنان الأمريكيان الانفصاليان، قد توقفا في ميناء طنجة، وكانا يخططان معا لطلب المعونة من المغرب لتموين السفينة التي يملكانها. لكن خبر نزولهما في طنجة وصل سريعا إلى القنصل الأمريكي، فبادر إلى إلقاء القبض عليهما، ثم طلب من السلطات المغربية أن تحاكمهما، في رسالة رسمية.

استجابت الدولة المغربية لمطالب القنصل الأمريكي في طنجة، وكان اسمه القنصل «De Long»، وكلف السلطان الأمير مولاي العباس بمتابعة الملف.

الأرشيف الأمريكي يحفظ نص رسالة الأمير العباس إلى القنصل الأمريكي، وهي الرسالة التي توثق للموقف المغربي الداعم للولايات المتحدة والرافض لتقسيمها. وقد جاء في الرسالة التي وقعها الأمير العباس يوم 14 ماي 1862، ما يلي:

«.. إن ما قمنا به لتعزيز موقف القنصل الأمريكي ليس فقط لأنه واجب وحق من الحقوق، ولكن لأن روابط الصداقة والود التي تجمع بين الدولتين منذ أيام أجدادنا تقضي منا ذلك. نحن نكره أن يتعرض أي واحد على أرضنا للحيف والإهانة، وإذا لم يبق إلا استعمال القوة لفرض الاحترام فإننا لن نتأخر عنه..

أرجو أن تعربوا لحكومتكم عن عواطفنا الطيبة نحوها، وتؤكدوا لها أن الصداقة القائمة بين بلدينا ليست فقط موجودة، لكنها بالنسبة إلينا تزداد مع الزمن قوة ودعما، وأبلغوها متمنياتنا بالنصر على المتمردين..».

الأمير العباس أصبح صديقا مقربا للقنصل الأمريكي في طنجة، حتى بعد رحيل السيد «دو لونغ»، ومجيء خليفته «ماك ماث»، القنصل الجديد الذي ضرب بيد من حديد في طنجة ضد أي وجود انفصالي يعادي الولايات المتحدة. حتى أن هذا القنصل طلب من السلطات المغربية أن تمكنه من وضع رجاله في ميناء طنجة، لكي يتحققوا من وثائق المواطنين الأمريكيين الذين ينزلون في المدينة، أو أي جنسية أخرى يشك القنصل في أنها تحمل مشروعا معاديا للوحدة الأمريكية، وتدعم الانفصال.

ولم يتأخر الرد المغربي، فقد أعلن السلطان دعمه للمبادرة الأمريكية، ومكن القنصل مما يحتاج إليه.

الأرشيف الأمريكي يشهد على أقدم عمليات الاستخبارات الأمريكية سنة 1862، حيث راقبت أمريكا مواطنين يحملون جنسيتها، كانوا على اتصال ببريطانيا ودول أخرى، وكانت تلاحقهم شبهة التحريض وترويج أفكار للانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار التحولات التي كانت تعرفها أمريكا في ذلك التاريخ، بشأن انضمام الولايات إلى الاتحاد الفدرالي.

 

 

بركاش «وزير الشؤون البرانية».. نجم في صحافة أمريكا

وصفه الأمريكيون بأنه رجل هادئ، ومتزن. جلباب مغربي ولحية تسرب إليها الشيب، ونظرة لا تكشف مشاعر الرجل الذي قضى ثلثي حياته في خدمة المخزن، وتشبع بأفكار رجال المخزن القدامى، ومارس وظيفته في خدمة السلطان أولا وأخيرا، بكثير من الإخلاص.

Mandatory Credit: Photo by Gianni Dagli Orti/Shutterstock (5850815go)
The Sultan, 19th century (Jean-Baptiste Eggericx)
Art (Paintings) – various
Artist: EGGERICX, Jean-Baptiste (19th century, Belgian)
Location: Galerie Berko Louvre des Antiquaires

حاز بركاش على احترام الأمريكيين عندما عينه المولى محمد الرابع خليفة له في طنجة، ليكون عينه في المدينة التي يشرف عليها القناصلة والدبلوماسيون.

ورغم أن بركاش كان متصلا بالقنصل البريطاني والفرنسي، إلا أن القنصل الأمريكي نجح في استمالة الخليفة السلطاني، وكان مدركا أن خلفية رجل الدولة، باعتباره وزيرا للشؤون البرانية -التوصيف العتيق المخزني لوزارة الخارجية- وموقنا أنه سوف يلعب دورا مهما لدى السلطان في جعل أمريكا تحظى بالمكانة التي تستحقها في تاريخ المغرب.

كان بركاش ملما بملف العلاقات المغربية الأمريكية إلى حدود سنة 1862، وهو يزاول مهامه في دار الخليفة السلطاني. فقد كان مدركا أن المولى محمد لن يمحو مجهودات جده المولى عبد الرحمن وقبله جده المولى محمد الثالث الذي حكم المغرب قبله بقرن من الزمان، وسوف يحافظ على اتفاق الصداقة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

كان محمد بركاش قد قضى سنوات طويلة في طنجة، فمنذ سنة 1850 كان الرجل معتمدا من طرف السلطان للحوار مع القناصلة الأجانب. وقبل حتى أن تهتم به الصحافة الأمريكية بصفته الداعم الأول لأمريكا في طنجة، على خلفية ملف اعتقال الانفصاليين الاثنين فوق التراب المغربي، فإن البريطانيين سبقوا إلى هذا الرجل، وخصصت الصحف في بريطانيا مقالات مطولة للوزير محمد بركاش، الذي كان القناة الوحيدة بين القصر وبين رجال الأعمال البريطانيين، الذين أبرموا اتفاقيات احتكار الاستيراد والتصدير بين بلادهم والمغرب.

تابع بركاش، بحسب ما تؤكده الصحف الأمريكية التي اهتمت بالموضوع، تفاصيل محاكمة الأمريكيين اللذين جرا إيقافهما في منطقة جبل طارق، وجيء بهما إلى طنجة بأمر من القنصل الأمريكي «دو لونغ»، وعمل على توفير قاض للبت في موضوعهما، بإشراف من القنصل. فقد كان من صلاحية القنصل ترؤس المحاكمات التي تهم مواطني بلاده، بل وكان دوره يفوق دور القاضي، بمباركة من خليفة السلطان محمد بركاش، الذي كان يمثل السلطان في تلك المحاكمة.

نقل بركاش إلى القنصل الأمريكي رسالة تناقلتها الصحف الأمريكية يوم 12 أبريل 1863، جاء فيها أن السلطان يتأسف للحالة التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب أولئك «الخارجين عن القانون». بل إن محمد بركاش قال للقنصل إنه واثق لو أن المغرب تعرض لأمر مشابه وبرز فيه انفصاليون، فإن أمريكا لن تتردد في مساندة المغرب.

توصل القنصل بخبر مفاده أن بريطانيا بعثت باخرة إلى شواطئ طنجة، وعلى متنها موظفون مهمتهم متابعة ملف الأمريكيين المعتقلين في طنجة، وهو ما جعل القنصل يتحرك ويخبر الوزير محمد بركاش.

هذا الأخير بادر إلى الاتصال بالسلطان مستأذنا في دعم الموقف الأمريكي، ومنع السفينة البريطانية من الرسو في الشاطئ. وانتهت الأزمة بتأييد المغرب لقرار مشترك مع القنصل الأمريكي، يمنع بموجبه أي سفينة أجنبية تحمل علما انفصاليا داعما للجماعات المنشقة عن الولايات المتحدة، وتم فعلا تفعيل القرار، ليسجل المغرب موقفا مشرفا داعما لوحدة أمريكا الترابية، خلال تلك السنوات العصيبة.

خدمات مغربية منسية لواشنطن..

في العام 1862، كان المغرب مشغولا باسترجاع مدينة تطوان من قبضة الاحتلال الإسباني. وهذه المسألة، كلفت المغرب علاقاته مع عدد من الدول الأجنبية. لذلك كان سلطان المغرب، محمد بن عبد الرحمن، ذكيا عندما فكر في الحرص على العلاقات مع الأمريكيين في عز معركتهم للاستقلال عن التاج البريطاني.

كان الإنجليز قد تخلوا عن المغرب في أكثر من مناسبة كلما تعلق الأمر بالمساندة في الحرب ضد إسبانيا. استرجاع سبتة ومليلية كان هدفا سطره السلطان المولى إسماعيل، قبل وفاته سنة 1727، لكن الإنجليز خذلوه، رغم أنه قدم لهم امتيازات ووعودا لتموين مستعمرة البريطانيين في جبل طارق، مقابل مساعدته في حربه ضد إسبانيا لاسترجاع سبتة ومليلية.

هذا التلكؤ البريطاني تجاه المغرب كلما تعلق الأمر بوحدته الترابية، جعل السلطان محمد بن عبد الرحمن يتعامل مع الأمريكيين بكثير من المرونة، مستحضرا وقتها – في سياق 1862 دائما- إمكانية حصول أمريكا على استقلالها وانفصالها عن التاج البريطاني.

وهكذا فقد كان المغرب على وعي تام بالقضية الأمريكية منذ بداية محاولات الاستقلال عن بريطانيا، وتأسيس الولايات المتحدة. بل في عز الحرب الأهلية الأمريكية، كان المغرب يتعامل مع الأمريكيين بكثير من المرونة على الشواطئ المغربية، ولم يمنع تزويد السفن بالمؤونة في طريقها إلى أمريكا، رغم مطالب البريطانيين بمنع الإمداد.

صحيح أن أمريكا أعلنت استقلالها رسميا في 4 يوليوز 1776، لكن ما سبق هذا التاريخ من تحولات، يكشف الدور الكبير الذي لعبه المغرب في «الحياد» عندما يتعلق الأمر بتعامله مع الأمريكيين، في ما يخص الملاحة، وحركة السفن التي تقطع المحيط الأطلسي. لذلك لم يُفاجأ البريطانيون عندما كان المغرب أول بلد يعلن اعترافه باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية رسميا، بل ويُبرم معها اتفاقية صداقة تعتبر اليوم أول معاهدة في تاريخ أمريكا، وأقدمها أيضا، لا تزال سارية المفعول إلى اليوم.

لم تكن هذه الاتفاقية، ولا الاعتراف باستقلال أمريكا قبل أي بلد آخر في العالم، نابعين من فراغ. بل كانا ثمرة سياسة مغربية في التعاطي مع ملف أمريكا قبل استقلالها، وهو ما أكسب المغرب صداقة سياسية واقتصادية مع الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي، في وقت كانت دول أوروبا تتعامل فيه مع الأمريكيين بكثير من الارتياب.

دفعت بريطانيا ثمن تخاذلها في التحالف مع المغرب ضد الاحتلال الإسباني لكل من سبتة ومليلية والجزر القريبة. ولم يملك البريطانيون سوى التفرج على التقارب المغربي الأمريكي، حتى قبل استقلال الولايات المتحدة الأمريكية بسنوات. ولعل أكبر خدمة قدمها المغرب للأمريكيين، قبل استقلال البلاد، أنه سمح للسفن الأمريكية التي كان يملكها أثرياء ورجال أعمال أمريكيون، قبل تأسيس الحكومة الأمريكية، بالتوقف في السواحل المغربية، بل وتوفير الحماية الضرورية لهم حتى لا يطالهم أي اعتداء، ما داموا لا يُبحرون تحت ظل أي دولة مستقلة. وهو الامتياز الذي رفضت إسبانيا توفيره لهم في مضيق جبل طارق، واضطروا إلى اللجوء إلى المولى عبد الرحمن، ثم المولى محمد الثالث من بعده، ولم يخذلهم المغرب نهائيا.

 

 

محمد الثالث والأمريكيون.. المراسلات المنسية

 

إذا كان جورج واشنطن لم يصبح رئيسا للولايات المتحدة إلا في سنة 1789، أي بعد 12 سنة وتسعة أشهر على استقلال البلاد سنة 1776، فإن سلطان المغرب عندما استقلت أمريكا رسميا لم ينتظر إلى أن يختار الأمريكيون رئيسا لهم، وبادر إلى تبادل الصداقة مع الأمريكيين من خلال السماح للسفن الأمريكية بالعبور عبر البحر المتوسط، بل والتوقف في شاطئ المحيط الأطلسي على امتداد السواحل المغربية دون قيد أو شرط، في وقت كان فيه الإسبان يمانعون التعامل مع الأمريكيين بحرا، مخافة إثارة قلق البريطانيين أو غضبهم.

كان المولى محمد الثالث سلطانا محافظا، داعما للجهاد البحري، وحريصا على علاقته بطرابلس والشرق عموما، ويتعامل مع العثمانيين الأتراك الند للند. لكن عندما تعلق الأمر بالأمريكيين فقد حرص على صداقتهم، حتى قبل الاعتراف الرسمي المغربي باستقلال الولايات المتحدة، ليصبح أول بلد في العالم يعترف بالولايات المتحدة الأمريكية بلدا مستقلا.

لم يمض على استقلال أمريكا سوى سنة ونصف السنة، لكي يعترف السلطان محمد الثالث بأمريكا بلدا مستقلا يوم 20 دجنبر 1777، ولم يكن قد سبقه أي بلد آخر في العالم على الإطلاق، إلى هذه المبادرة.

وهذا ما يؤكد سياسة المولى محمد الثالث في تعامله مع الأمريكيين، أو بالأحرى تساهله معهم. وهناك مراسلات في الأرشيف الأمريكي، توثق لنصوص رخص وقعها المولى محمد الثالث، سمح بموجبها للبحارة الأمريكيين بالتوقف في السواحل المغربية، بل وتعهد بحمايتهم من الاعتداء عند مرورهم عبر البحر المتوسط، مستثمرا علاقة الصداقة بينه وبين طرابلس وتونس.

كان المولى محمد الثالث يحظى بتقدير كبير في المنطقة، بفضل مناصرته للجهاد البحري، وإسقاط الضرائب عن التجار المسلمين الذين كانوا يتعاملون مع المغرب. حتى أنه قبل انطلاق العلاقة مع أمريكا، قرر إعفاء المغاربة جميعا من أداء الضرائب، وهو ما أكسبه شعبية كبيرة داخل المغرب وخارجه.

الأمريكيون توسموا خيرا في المولى محمد الثالث، وقبل أن يعلن اعترافه باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، سبق له أن رحب بوجود الأمريكيين في السواحل المغربية، ووافق على حماية حقوقهم التجارية، في مواجهة التغول الإسباني.

فقد كان السلطان يضمر عداء كبيرا للإسبان بحكم احتلالهم لسبتة ومليلية، وتحركاتهم في الصحراء، وتعمدهم ربط علاقات تجارية في طرفاية دون علم المغرب، وكذلك في مازاغان التي كانت تاريخيا محط أطماع البرتغال.

وما زالت الخزانة الملكية، والأرشيف الرسمي الأمريكي في واشنطن، يحفظان أرشيف المراسلات الودية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، ورسائل البحارة الأمريكيين الأوائل الذين فتحوا باب الاتصال المغرب، التي توثق لانطلاق العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، سنوات قبل حصول الأخيرة على الاستقلال.

لم يتوقف الأمر عند حد هذه الصداقة غير المعلن عنها في المنتظم الدولي، بل إن السلطان محمد الثالث، وفور إعلان أمريكا عن تنصيب رئيسها الأول، جورج واشنطن، عمد إلى توقيع اتفاق صداقة مع الولايات المتحدة، ما زالت أمريكا تعرض نصه الأصلي في مكتبتها القومية بكثير من الفخر، باعتباره أول وأقدم اتفاق بين أمريكا وبلد آخر.

حتى أن القنصل الأمريكي في المغرب، في زمن المولى عبد الحفيظ، في سنة 1909 تحديدا، كتب في مذكراته: «..في حدود سنة 1757 عندما أصبح بن عبد الله، محمد الثالث سلطانا، وحكم جيدا طيلة ثلاث وثلاثين سنة، بحكمة. وقد كان في عهده أن فتحت الولايات المتحدة الأمريكية، قناة تواصل مع الإيالة الشريفة، لأول مرة. وقد تم هذا بموجب معاهدة سلم وصداقة بين البلدين، وُقعت سنة 1787 من طرف الرئيس جورج واشنطن، ومحمد الثالث».

 

 

المغرب أعلن حربا ضد أمريكا سنة 1803 بسبب السفن

بحسب ما يؤكده المؤرخ والدبلوماسي المغربي، عبد الهادي التازي، فإن المغرب قد أعلن الحرب فعليا ضد الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1803، في سياق توتر في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والمغرب وتونس وطرابلس الليبية من جهة ثانية.

هذا السياق التاريخي المعقد الذي ربط الولايات المتحدة بمعابر البحر الأبيض المتوسط في ذلك التاريخ، جعل أسطولها عرضة للاعتراض من طرف البحارة المحليين.

المؤرخ، د. عبد الهادي التازي اطلع قيد حياته المهنية على أرشيف نادر من المراسلات، وخلص إلى حقائق تاريخية، كانت إلى حدود ثمانينيات القرن الماضي غائبة تماما عن المهتمين والأكاديميين المغاربة.

وقد كتب مقالا مفصلا قبل أكثر من 25 سنة، أشار فيه إلى هذه الحقائق، وتناولها بالتمحيص. يقول:

«.. وننتقل إلى أمريكا الشمالية، إلى الولايات المتحدة بالذات التي نراها وقد تأزم في ما بينها وبين إيالة طرابلس وإيالة تونس- تقدم بعد مصادقة الكونغرس على الاتفاقية المغربية الأمريكية – على إرسال خطاب باسم الرئيس جورج واشنطن إلى الملك محمد الثالث بتاريخ 17 غشت 1788 تطلب إليه أن يقوم بمساعيه الحميدة لدى الإيالتين، من أجل بناء علاقات أفضل بين أمريكا وتونس وطرابلس. إن هذه الرسالة بما تبعها من أجوبة ملكية مغربية، تعبر عن كثير من الحقائق التاريخية… فهي من ناحية تعكس الروح الطيبة السائدة بين بقية أقطار المغرب العربي، كما تدل على أن فكرة الوحدة في طريقها إلى التحقيق، وهي الحقيقة التي تؤكدها المبادرة الأمريكية التي بعثت لإيالة الجزائر بالمستر جوهن لامب.

وإن في أبرز ما يجسد هذه الحقيقة تعاون العاهل المغربي مع حاكم طرابلس وتونس على الحد من تحرك الأسطول الروسي في المنطقة، الذي كان في الواقع نتيجة للاتفاقية التركية الروسية عام 1774 المذكورة آنفا… وخاصة منع الأسطول من الاقتراب من بوغاز جبل طارق، في محاولة للتخفيف عن الباب العالي من ضربات الروس… وهذا يكون أيضا عنصرا واضحا من باب بناء المغرب العربي.
بل هناك بادرة تدل في مضمونها على الحاجة التي أخذت تشعر بها الإيالة الجزائرية، ويتعلق الأمر بطلب تقدم به داي الجزائر إلى السلطان المولى سليمان، أن يبعث بوفادة مغربية لإصلاح ذات البين بين داي الجزائر وبين طائفة دينية، لقد كان النزاع في الواقع بين عرب تلمسان وبين تركيا على نحو ما نراه اليوم في قبرص بين الأتراك واليونان..!
وقد ظهرت في الأفق سحابة خطيرة في سماء العلاقات المغربية الأمريكية كادت تؤدي – إن لم تكن قد أدت فعلا – إلى إشهار الحرب من طرف المغرب على الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1803، وقد يظهر أنه من باب المبالغة والتهويل القول إن السلطان المولى سليمان يعلن الحرب على الرئيس الأمريكي طوماس جيفرسن!
ولكن الواقع هو ذاك على ما نقرأه في المصادر المغربية والليبية والوثائق الأمريكية على السواء… وليس المهم هذا، ولكن المهم أن نعرف عن أسباب هذا التوتر الذي لم يكن غير استجابة المغرب لطلب الوفد الليبي الذي ورد يطلب إمداد طرابلس بما تحتاج إليه من مواد، ولم يكن غير مساعدة طرابلس وهي تحاصر السفينة الأمريكية فيلادلفيا! اعتبر الجانب الأمريكي ذلك خرقا للبند السادس من الاتفاقية الثنائية، وهو ينص على عدم تقديم المساعدة من جانب أحد الطرفين لعدو الطرف الآخر… ولم تتصور أمريكا كيف يستطيع مركب مغربي يحمل سم (مبروكة)، بقيادة الرايس إبراهيم لوباريس، أن يحجز مركبا أمريكيا يحمل اسم سيليا».

 

 

الطاهر فنيش.. مهندس الصداقة بين ضفتي المحيط

هذا الرجل عاش في عهد المولى محمد الثالث، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1757 و1790. وشهد على تتويج الصداقة المغربية الأمريكية. وسيرته وحدها دليل على أن الصداقة المغربية الأمريكية تعود إلى ما قبل اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

ثقة المولى محمد الثالث في الطاهر فنيش، تظهر جلية في رسالة بعثها القصر إلى فرنسا، جاء فيها:

«وجهنا لكم خديمنا القائد الطاهر فنيش ليتكلم في أمر اقتضاه نظرنا السديد معكم ومع جميع قونصوات أجناس النصارى الذين بإيالتكم من المصالحين معنا وغيرهم، على يدكم، وهو أن كل أسير أيا كان فداؤه مسلم رأسا برأس».

بموجب هذه الرسالة، استفادت الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن السلطان لم يذكرها هنا، من هذا الانفتاح الذي قاده المولى محمد الثالث، ويتعلق الأمر بالإذن لعدد من الدول في ممارسة أنشطتها التجارية في المغرب، بعد سنوات من الجمود، بسبب تردي الأوضاع مع الخارج، ونهج سياسة الجهاد البحري والانغلاق، وهو ما تسبب في سقوط عشرات آلاف الأسرى المغاربة في قبضة أساطيل أجنبية.

في السياق الذي كُتبت فيه هذه الرسالة، كان المولى محمد الثالث بصدد الانفتاح أكثر على الأمريكيين، بعد أن قضى سنوات وهو يتابع الأوضاع في أمريكا، ويرعى التسهيلات التي قدمها سلفه للأمريكيين في عز معركتهم للاستقلال عن بريطانيا.

يقول مؤرخ المملكة، د. عبد الهادي التازي، في مقال يشرح فيه وضع المغرب خلال العام 1777 ويكشف عمق سياسة المولى محمد الثالث في تعاطيه مع القضية الأمريكية مبكرا، جاء فيه:

«وبعيد هذا التاريخ كلف سلطان المغرب تاجرا فرنسيا مقيما بسلا بمهمة القيام بقنصل عن الدول التي لا قناصل لها! وكان هذا الفرنسي إيتيان دو ديبير كاي، الذي عهد له بمهمة الاتصال بسائر الدول التي لا تمثيل لها بالمغرب. وهي وظيفة فريدة من نوعها باعتبارها تسهر على حقوق وواجبات المتغيبين والمتخلفين (..) وقد قام السيد كايي بالكتابة يوم 6 شتنبر 1779، بتعليمات من سلطان المغرب، برفع كتاب إلى الكونغرس بواسطة بنجامين فرانكلين بباريس، يخبرهم فيه بتسميته قنصلا لهم..!

وقد دفعت تلك الدبلوماسية البطيئة بالجانب المغربي إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة، من السفن الأمريكية التي تعبر الطريق في ظل «المؤقت الدائم»، دون أن تؤدي الواجبات التي تخضع لها سائر الدول».

بعد ذلك، عمد المولى محمد الثالث إلى استثمار الضغينة الأمريكية البريطانية، وساند أمريكا جهرا، قبل أن تأتي محطة الاعتراف الرسمي باستقلال الولايات المتحدة، وتكون بذلك استمرارا لمسلسل بدأه المغرب، بمناصرة أمريكا قبل استقلالها، في وقت لم تكن فيه دول أوروبا مجتمعة متحمسة لمشروع إنشاء دولة مستقلة على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى