
على الرغم من لقبها المعروف بمدينة البهجة، والذي يوحي ببعدها عن تقلبات السياسة، أنجبت مراكش بشكل كثيف العديد من الوجوه السياسية الشهيرة التي وصلت إلى مراكز مرموقة في الدولة، إضافة إلى شخصيات أخرى لجأت إلى المعارضة.
وإذا كانت فاس نالت حصة الأسد من الحقائب الوزارية عبر التاريخ، وثمة أرقام غير رسمية أوضحت أن أكثر من 65 في المائة من الوزراء، الذين تعاقبوا على الحكومات في المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، ينحدرون من العاصمة العلمية، فإن العائلات السياسية المراكشية امتدت في عمق الدولة بل وكان لها حضور من عهد المرابطين.
مراكش، إحدى أعظم حواضر المغرب، كانت مركزا للقرار السياسي ومحورا للنشاط التجاري، وأصبحت اليوم وجهة سياحية عالمية ومركزا حضاريا نابضا بالحياة.
في مراكش تختلط رائحة التاريخ بصدى الحاضر، إذ تعاقبت أجيال من الشخصيات المراكشية التي كرست حياتها لخدمة العلم والسياسة والفن والفكر والفقه.
ومن أعظم ما سجل التاريخ بروز المرأة، أيضا، في محيط القيادات الحكومية، منهن من فاقت الرجال في الحكمة والنباهة والرؤية المستقبلية، في شخص أول رئيسة حكومة في تاريخ المدينة زينب النفزاوية. أول امرأة في شمال إفريقيا تأتي بفكرة بناء مدينة مراكش نظرا لصلابة سكانها وعظمة سلاطينها.
مراكش عاصمة المغرب لفترات، مراكش التي أسسها يوسف بن تاشفين ثالث ملوك دولة المرابطين، لم تحكم المملكة المغربية فقط بل حكمت شمال وغرب إفريقيا والأندلس، ما منح مراكش لقب مدينة التاريخ.. بل إن اسم «مراكش» كان يطلق على كل المغرب قديما منذ أن تأسست عاصمة للمرابطين إلى عهد الاحتلال الفرنسي في العصر الحديث، ولا تزال هذه التسمية متداولة في كل اللغات، من قبيل الفارسية (مراكش)، والإسبانية (مارويكوس) والإنجليزية (موروكو)..
في الملف الأسبوعي لـ«الأخبار» نعيد تركيب الأقطاب السياسية للمدينة الحمراء.
حسن البصري
فاطمة الزهراء المنصوري.. مراكشية تعيد للمدينة تألقها السياسي
أصبحت فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ المغرب، بعدما عينها الملك محمد السادس على رأس الحكومة، إثر تصدر حزبها الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية، لتجد نفسها أمام تحديات كبيرة، في مقدمتها استعادة ثقة الشباب بالمؤسسات وتقليص الفوارق الاجتماعية.
ازدادت فاطمة الزهراء المنصوري، بتاريخ 13/1/1976، وسط عائلة ذات أصول عريقة، كان والدها محاميا وشغل منصب باشا للمدينة قبل أن ينهي مشاره دبلوماسيا.
تلقت تعليمها الأول بالمدرسة الفرنسية لكنها متشبعة بالثقافة المغربية، حصلت على الإجازة في الحقوق (القانون الخاص)، بعد مسار دراسي متميز، ثم دبلوم الدراسات المعمقة، تخصص قانون عقود الأعمال من جامعة مونبوليي بفرنسا.
بدأت مشوارها في المحاماة بالدار البيضاء، واشتغلت بجانب أساتذة مرموقين على غرار الناصري والكتاني، وبعد ذلك التحقت بمكتب عبد الرحمان المنصوري بمراكش، منتمية لهيئة المدينة الحمراء منذ سنة 2005.
بالإضافة إلى انشغالاتها المهنية، انصب اهتمام فاطمة الزهراء المنصوري على المجال السياسي والمشاركة في تدبير الشأن العام ببلادها، وهكذا ثم انتخابها بالبرلمان المغربي أربع مرات، وانتخبت مرتين رئيسة لجماعة مراكش خلال المرحلة الانتدابية 2009-2015 والمرحلة الانتدابية الحالية.
حاليا ترأس الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، استنادا إلى رصيدها القانوني، حيث تخصصت في قانون الأعمال (نزاعات الشركات- الضرائب – الصندوق المغربي للضمان الاجتماعي – عقود مختلفة – التحكيم).
وتتحدر المنصوري من أسرة من أعيان مراكش، المدينة التي انطلقت منها مسيرتها السياسية. ورغم أنها اسم معروف منذ سنوات على المستوى المحلي في مراكش، إحدى أبرز الوجهات السياحية في المملكة، لم تتقدم المنصوري إلى واجهة قيادة حزب الأصالة والمعاصرة إلا في السنوات الأخيرة.
شغلت المنصوري في الحكومة المنتهية ولايتها منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وأشرفت، خصوصا، على برنامج للدعم المباشر لاقتناء السكن.. لكن حضورها في النقاش السياسي الوطني ظل أكثر تحفظا من حضورها في الشأن المحلي والحزبي.
وحتى خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري وحدها في صدارة المشهد، إذ برز إلى جانبها فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوافد الجديد إلى الحزب، والذي تداولت وسائل إعلام اسمه أيضا مرشحا محتملا لرئاسة الحكومة.
أحمد خشيشن.. الصحافي الذي أصبح مهندس «البام»
ولد أحمد خشيشن عام 1954، بحي القصبة العتيق في مراكش، حصل على دبلوم المعهد العالي للصحافة بالرباط سنة 1976، ثم على دبلوم المعهد الفرنسي للصحافة بباريس عام 1979، وحاز على دكتوراة في علوم الإعلام والاتصال من جامعة باريس الثانية في 1982.
اشتغل منذ 1982 أستاذا باحثا ثم مستشارا في التواصل مع عدة منظمات دولية، وشغل ما بين 1993 و1997 منصب خبير دولي مقيم في منطقة غرب إفريقيا وفي وكالات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة. اشتغل خشيشن، كذلك، مديرا عاما لفرع مكتب المغرب ما بين 1997 و2001، قبل أن يتم تعيينه، سنة 2003، مديرا عاما للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وهو نائب رئيس الجمعية المغربية للبحث في التواصل وعضو مؤسس للمجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان وعضو المرصد الوطني لحقوق الطفل وعضو بالمكتب الوطني للمجلس الأعلى للتعليم.
عينه الملك محمد السادس وزيرا للتربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، في 4 دجنبر 2015 أصبح رئيسا لجهة مراكش أسفي بعد فوزه في الانتخابات الجماعية والجهوية.
شغل منصب مستشار في التواصل من أجل التنمية لدى منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسف) وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والبنك العالمي والمنظمة العالمية للصحة والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتعاون التقني الألماني، وعمل خبيرا دوليا مقيما بمنطقة إفريقيا الغربية لفائدة عدة وكالات تابعة للأمم المتحدة (منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان والبنك العالمي).
يشغل خشيشن، أيضا، منصب نائب رئيس الجمعية المغربية للبحث في مجال الاتصال، وكان رئيسا سابقا للجمعية المغربية لخريجي مدارس الصحافة، وعضوا مؤسسا وعضوا سابقا بالمجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
مولاي حفيظ العلمي.. ابن البنكي يسجل نجاحات في الاستثمار
ولد مولاي حفيظ العلمي، في 13 يناير 1960 بمراكش، من أب يعمل إطارا بنكيا، وحين حصل على شهادة البكالوريا انتقل إلى كندا لاستكمال دراسته في جامعة شيربروك، في مجال نظم المعلومات.
بدأ مساره المهني فـي وزارة المالية فـكيبيك مستشارا، ثم اشتغل في شركة تأمين كندية مديرا في أنظمة الإعلام، قبل أن يعود إلى المغرب ويؤسس سنة 1995 مجموعة «سهام»، التي أصبحت من أكبر المجموعات فـي ميادين التأمين والصحة والتعليم والعقار.
عين، ما بين 2013 و2021، وزيرا للصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، وساهم فـي خلق أكثر من 650 ألف منصب شغل وزاد في نسبة الصناعة في الناتج الداخلي.
التحق مولاي حفيظ العلمي بمجموعة (أونا) التي تولى فيها منصب الكاتب العام إلى جانب منصب المدير العام لفرعها في مجال التأمين، وشغل، أيضا، منصب نائب رئيس الفيدرالية المغربية لشركات التأمين وإعادة التأمين، بالإضافة إلى عضويته في لجنة الاستثمار للصندوق المهني المغربي للتقاعد.
وأطلق مولاي حفيظ العلمي برنامجين خاصين بإحداث المقاولات، ويتعلق الأمر بنادي شيربا الذي يساهم بشكل فعال في ميلاد بنيات تنافسية ومحدثة لمناصب الشغل في المغرب، بالاضافة إلى برنامج خاص بالشباب المقاول، والذي يرتكز على تقديم دعم مالي وضمان مواكبة للشباب حاملي المشاريع لإحداث مقاولاتهم.
وشغل مولاي حفيظ العلمي، الذي يعد أحد الوجوه المعروفة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، كذلك، منصب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب ما بين 2006 و2009.
محمد الوفا.. وزير تمرد على الحزب ليصلح التعليم
ولد محمد الوفا في ضواحي مراكش وتحديدا بسيدي المختار، سنة 1948، تابع دراسته في مراكش، وبعد حصوله على الاجازة في العلوم الاقتصادية بكلية الحقوق بالرباط، نال الوفا دبلوم الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية (باريس)، ثم دبلوم السلك الثالث بمعهد التنمية الاقتصادية بباريس.
سنة 1976 شغل الوفا منصب أستاذ مساعد بكلية الحقوق بالرباط، وانتخب نائبا برلمانيا بين 1977 و1997، وترأس ما بين 1983 و1992 المجلس البلدي لمراكش، وكان عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال منذ سنة 1982. تولى الوفا، أيضا، منصب الكاتب العام للشبيبة الاستقلالية ما بين 1976 و1984 وترأس الاتحاد العام لطلبة المغرب. وشغل الوفا ما بين 2000 و2004 منصب سفير للمغرب بالهند، قبل أن يعين سفيرا في إيران سنة 2006، ثم سفيرا للمملكة في البرازيل.
وبعد انتخابات المغرب سنة 2011 عين رسميا في 3 يناير 2012 على رأس وزارة التربية والتعليم في حكومة بنكيران ممثلا لحزب الاستقلال، تحت رئاسة عباس الفاسي، في تحالف حكومي. وفي يوليو 2013 قررت الأمانة العامة لحزب الاستقلال، وهي تحت قيادة حميد شباط، توقيف محمد الوفا من مهامه الحزبية، وبرر الحزب موقفه هذا بسبب مخالفته لقوانين الحزب وأنظمته ولوائحه، ومساسه بمبادئه وأهدافه وخرج عن خططه وبرامجه، فضلا عن أنه أضر بمصالحه الحزب وعصى مقرراته، بعد استنفاد الوزير الوفا لمهلة 24 ساعة التي منحت له ليخضع لقرار مجلس الحزب، والقاضي بتقديم جميع وزراء الحزب لاستقالتهم من حكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران.
من أبرز المحطات في تاريخه السياسي تمرده على شباط الذي كان سببا في خروج حزبه من الحكومة في قرار لم يفهمه أغلب وزراء حزب الاسقلال آنذاك، ومنهم الأمين العام الحالي نزار بركة، الذي اعتبر خروج الحزب من الحكومة خطأ سياسيا.
قضى الوفا على رأس القطاع حوالي سنة ونصف ومع ذلك كسب قلوب شريحة واسعة من نساء ورجال التعليم، لكن ما ميز الوفا عن باقي الوزراء أنه كان مقتنعا بأن الإصلاح يبدأ من الفوق ثم ينتقل نحو الأسفل، فشرع في فتح ملفات كبيرة فتحت عليه الحرب من جانب الحيتان الكبيرة فعجلت برحيله بعد مدة وجيزة.
فتح الرجل ملف المخطط الاستعجالي، وهو أول من تساءل عن أن 43 مليار درهم «ماعرفناها فين مشات». وفتح ملف التعليم الخصوصي ورفض أن يستمر في الاستفادة من الريع.
اعترف محمد الوفا، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالشؤون العامة والحكامة، بأن الحكومة لم يعد بمقدورها توفير حاجيات قطاعي التعليم والصحة، وتحمل نفقاتهما، فيما السطر الأخير من حياة الراحل كتب بفيروس كورونا.
امحمد الخليفة.. محام من فصيلة حكماء حزب الاستقلال
ولد امحمد الخليفة بمراكش سنة 1939، اشتغل محاميا بهيئة المحامين بالمدينة منذ سنة 1964، قبل أن يجمع بين هيبة المحاماة وثقل السياسة.
يعد الخليفة من الوجوه السياسية التي ارتبط اسمها بتاريخ المغرب المعاصر، ومن الشخصيات التي واكبت تحولات الدولة المغربية منذ سنوات الاستقلال الأولى إلى غاية الألفية الثالثة.. حيث جمع بين صفات المحامي والنقابي والبرلماني والوزير، وظل لسنوات طويلة أحد أبرز قياديي حزب الاستقلال والمدافعين عن مرجعيته الوطنية.
أصبح نقيبا وأجاد الترافع، خلال الفترة التي انعقد فيها المؤتمر الرابع عشر لجمعية هيئات المحامين بالمغرب بدعوة منه وكانت قرارات هذا المؤتمر ومساره نقطة تحول بارزة في تاريخ هيئات المحامين بالمغرب.
شارك في مؤتمرات اتحاد المحامين العرب واللجان المتفرعة عنه، وأسهم في بلورة موقف اتحاد المحامين العرب بالنسبة لقضايا حقوق الإنسان العربي وتشييد دولة الحق والقانون في الوطن العربي والموقف الدائم المشرف والمتميز للاتحاد من قضية وحدتنا الترابية.
شارك في تأسيس النواة الأولى للدفاع عن حقوق الإنسان العربي والحريات العامة بمؤتمرها التأسيسي، وانتخب رئيسا للمجلس البلدي لمدينة مراكش بين 1976 و1984. وهو أول رئيس لمجلس بلدي وأول مواطن يستلم من يد المغفور له الحسن الثاني الظهير الشريف المنصوص عليه في ميثاق الجماعات المحلية الصادر سنة 1976. وظف كل طاقاته النضالية وملكاته الفكرية للدفع بالديمقراطية المحلية واللامركزية إلى آفاق جديدة على المستويين القانوني والميداني.
ساهم، بصفته رئيسا للمجلس البلدي لمراكش، في مؤتمرات مغاربية ودولية وعرف بتجربة المغرب في ميدان الديمقراطية المحلية انطلاقا من ميثاق 1976، وعلى سبيل المثال خلف تدخله في مناظرة حقوق المواطن بالمدينة، التي نظمتها «اليونيسكو» في مقرها بباريس، صدى واسعا لدى جميع الأوساط المهتمة ونوه بها، حينها، المختار مبو المدير العام للمنظمة.
وتفضل الملك محمد السادس بتعيين الخليفة، يوم 6 شتنبر 2000، وزيرا لتحديث القطاعات العامة.
كان عضوا في مجلس النواب منذ سنة 1977، وتم انتخابه رئيسا للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بالبرلمان منذ سنة 1990.
امتازت تدخلاته بالبرلمان ببلاغة تثير الانتباه وبالتعبير عن أفكاره بجرأة سياسية نادرة وأسلوب ينفذ إلى الهدف، ما أكسبه احترام الجميع.
عبد الله غرنيط.. الوزير الذي سار خلف جثمانه البسطاء
لم يكن عبد الله غرنيط مجرد وزير ومسؤول رفيع المستوى في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بل كان صديق شبابه، حيث اعتبر رفيق درب ولي العهد الذي كان يتقاسم معه الفصول الدراسية والعديد من الهوايات، خاصة الفن السابع.
تقلد عبد الله عدة مناصب، سيما بعد انقلاب الصخيرات واعتراض طائرة الملك، حيث قرر الحسن الثاني الاعتماد على أشخاص أكثر ثقة من العساكر. أسندت لغرنيط عدة مناصب سامية، منها منصب مدير عام للإذاعة والتلفزيون، وفي سنة 1972 عين كاتبا للدولة لدى الوزير الأول مكلفا بالتعاون الوطني والصناعة التقليدية، ثم بعد ذلك وزيرا للشؤون الاجتماعية والصناعة التقليدية سنة 1977، وكان مؤسس حزب التجمع الوطني للأحرار.. بل إن قربه من الملك مكنه من مواجهة زملائه الوزراء بحدة في مجالس الوزراء.
شارك عبد الله الملك في صياغة العديد من المبادرات السياسية، أبرزها ميلاد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي ضم إليه مئات الصناع التقليديين الذين كسب ودهم حين كان وزيرا للصناعة التقليدية، ولازال الحزب إلى يومنا هذا يعتمد على هذه الفئة من الصناع في بناء قواعده المهنية.
لكن خلافات تسللت إلى علاقات أحمد عصمان وعبد الله غرنيط، خاصة بعد أن خططت وزارة الداخلية لكسر شوكة حزب الأحرار، بعد أن لمست هيمنته على المشهد الحزبي، وقررت أن تخرج من «كمه» الحزب الوطني الديمقراطي، استنادا إلى وثيقة وقعها أعضاء الحزب في البرلمان تتضمن رغبتهم في الانفصال عن التجمع الوطني للأحرار.
دعا الملك الحسن الثاني رئيس الحزب أحمد عصمان إلى جلسة حوار حضرها أيضا عبد الله غرنيط، كشف فيها الملك عن انفصال نصف برلمانيي الحزب، حينها أذرف عصمان دمعا حاول عبثا مصادرته، وأمام هذا المشهد طلب عبد الله الإذن من الملك ليتحدث، وأخذ يشرح للملك بأن ما حصل لعصمان مؤامرة رتبها الجنرال الدليمي.
من أشهر مداخلات عبد الله غرنيط أمام الملك، في اجتماع مجلس الوزراء، دعوته للبحث عن بدائل لدقيق وزيت وحليب الولايات المتحدة الأمريكية الذي كان يقدم لمؤسسة التعاون الوطني، مؤكدا أنه يزرع التواكل في نفوس المستفيدين.
اختفى عبد الله غرنيط بشكل قصري من المشهد السياسي، وحين توفي سنة 2014 بمسقط رأسه بمراكش، وعمره 86 عاما، اجتمعت في جنازته كل الأطياف السياسية، ومشى خلف جثمانه كثير من جنود التعاون الوطني.
محمد بوستة.. مراكشي درس في فاس ودفن في مسقط الرأس
ولد امحمد بوستة سنة 1923 بمراكش، رغم أن بطاقة تعريفه الوطنية تحمل تاريخا آخر، إذ تؤجل ولادته إلى ما بعد عامين، أي سنة 1925. وعلى غرار جميع أطفال تلك الفترة، التحق امحمد بـ«المسيد» وكان يتردد على الحلقات الدراسية بالمسجد، قبل أن يشرع في تعليمه الابتدائي والثانوي في مسقط رأسه، ثم غادر مراكش صوب فرنسا لاستكمال دراسته العليا في جامعة «السوربون» في تخصص القانون والفلسفة. هناك انخرط في التنظيمات الطلابية المغربية والعربية، وأصبحت له دراية بالنضال بعد أن خبره في لقاءاته وهو شاب برموز الحركة الوطنية، قبل أن يدخل التاريخ باعتباره أحد أصغر مؤسسي حزب الاستقلال.
حين عاد إلى المغرب، بعد إتمام دراسته بفرنسا، فتح بوستة مكتب محاماة في الدار البيضاء عام 1950، ثم شارك محاميا في أغلب المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، ثم أصبح في ما بعد نقيبا للمحامين.
كان بوستة من أوائل من كسروا هيمنة السياسيين ذوي الأصول الفاسية على لجنة حزب الاستقلال التنفيذية. وغداة وفاة الزعيم التاريخي للحزب، علال الفاسي، عام 1974، أصبح بوستة أمينا عاما للحزب، قبل أن يستقيل عام 1998، وتعود الزعامة إلى العائلات الفاسية من خلال عباس الفاسي، الذي كان متدربا في مكتب المحاماة الذي كان يديره امحمد.
شغل بوستة منصب وزير ثلاث مرات، منصب كاتب الدولة في الخارجية عام 1958، وكان وزيرا للوظيفة العمومية عام 1961 ووزيرا للخارجية، قبل أن يقدم استقالته سنة 1963، ثم عين مرة أخرى في المنصب ذاته في الفترة بين 1977 و1983، في عز الاحتقان السياسي.
اشتهر الراحل برفضه طلبا من الملك الراحل الحسن الثاني بقيادة الحكومة المغربية سنة 1992، بسبب اشتراط الملك وجود وزير الداخلية القوي الراحل إدريس البصري في تلك الحكومة. وكان آخر ما قام به الراحل في حياته السياسية، قبل أن تسوء حالته الصحية، ويدخل المستشفى العسكري بالرباط، دعوته إلى استقالة الأمين العام لحزب الاستقلال السابق، حميد شباط.
توفي القيادي امحمد بوستة عن عمر ناهز 92 عاما.
عبد الله إبراهيم.. وزير يساري قاد الحكومة وسط الأمواج
اجتمع في عبد الله إبراهيم ما تفرق في غيره، فهو معلم وأديب ومفكر وسياسي مغربي ذو ثقافة عالية. ولد بمراكش يوم 24 غشت عام 1918 بحي المواسين درب حمان، لأسرة من الشرفاء الأدارسة. كان أبوه يشتغل في تجارة الجلود.
مثل باقي أقرانه في تلك الفترة، دشن عبد الله مساره التعليمي بـ«المسيد» حيث حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة الباشا الكلاوي، مع حرصه على تعلم اللغة الإنجليزية بواسطة تاجر بريطاني في حي المواسين مسقط رأسه.
التحق بجامعة ابن يوسف العتيقة بمراكش، التي تخرج منها عدد من قادة الحركة الوطنية، أمثال محمد البصري، ومحمد بن سعيد أيت إيدر، وعبد السلام الجبلي، وأسماء أخرى يضيق المجال لسردها. ومن هذه الجامعة سينال عبد الله شهادة العالمية.
عانى من مضايقات الباشا الكلاوي من أذناب المستعمر الفرنسي، حيث تعرض للاعتقال والنفي والتضييق.
هاجر عبد الله إبراهيم إلى فرنسا وانضم لجامعة «السوربون» لدارسة الآداب والتاريخ والاقتصاد، هناك سينشط على المستوى الطلابي وسيعمل على تأطير العمال المغاربة المهاجرين داخل تنظيم حزب الاستقلال.
حين عاد إلى المغرب أسندت له قيادة الحزب رئاسة تحرير جريدة «العلم»، علما أنه كان من الموقعين على وثيقة 11 يناير 1944 للمطالبة بالاستقلال.
بعد استقلال المغرب، انضم عبد الله لأول حكومة مغربية سنة 1955، في منصب كاتب للدولة مكلفا بالأنباء وأول ناطق رسمي للحكومة، وفي النسخة الثانية من حكومة امبارك لهبيل سيعين وزيرا للشغل والشؤون الاجتماعية، قبل أن يعين في دجنبر 1958 رئيسا للحكومة.
وخلال فترة قيادته للحكومة، باشر الرجل ما أسماه الاستقلال الوطني، منها استبدال عملة الفرنك بالدرهم، وتم إنشاء مصفاة البترول بالمحمدية وتأسيس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وغيرها من المشاريع.
في 23 ماي سنة 1960 أنهى محمد الخامس مهام حكومته، وتولى الملك شخصيا رئاسة الحكومة بمساعدة ولي عهد آنذاك الأمير مولاي الحسن.
في مؤلفها «عبد الله إبراهيم.. تاريخ الفرص الضائعة» تصف الصحافية زكية داوود هذا الرجل بـ«أيقونة النضال السياسي»، معتبرة أن الظرفية السياسية لم تسعفه لانتشال البلاد من أزماتها.
اعتزل عبد الله إبراهيم السياسة وعاش آخر أيامه يداري المرض بالمطالعة وسماع الموسيقى الكلاسيكية، إلى غاية 11 شتنبر 2005 حيث لقي ربه ودفن بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء.
عبد الصادق ربيع.. فقيه القانون وأمين الحكومة
ولد عبد الصادق ربيع في 5 فبراير 1945 بمراكش، وعرف منذ صغر سنه بنباهته وإصراره على التعلم، في زمن كان التعليم النظامي حكرا على أبناء الأعيان والحماية الفرنسية.
تابع دراسته الابتدائية والثانوية في المدينة الحمراء، فحصل على شهادة الباكالوريا في الفلسفة، ثم هاجر ضمن بعثة دراسية أوروبية إلى فرنسا حيث تابع دراساته العليا في القانون، إلى أن حصل على دبلوم في القانون من جامعة بوردو.
وبتوصية من مدرسيه الفرنسيين، سيتابع التحصيل العلمي ويحصل على شهادة من معهد الدراسات السياسية، ولأن شهيته انفتحت على العلم والقانون خاصة، فقد نال شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة حيث قام بتدريب في هذا الميدان بمكتب محام فرنسي بمدينة بوردو.
في عام 1974 عين عبد الصادق مديرا للدراسات التشريعية بالأمانة العامة للحكومة، وهو المنصب الذي ظل فيه إلى جانب عضويته في الغرفة الدستورية منذ سنة 1979، وابتداء من سنة 1985 أصبح يشغل منصب مستشار قانوني بالهيئة الوطنية للأطباء.
كان عبد الصداق ربيع، أيضا، أمينا عاما مساعدا للحكومة في 22 فبراير 1993، قبل أن يتم تعيينه أمينا عاما للحكومة ضمن الحكومة التي ترأسها محمد كريم العمراني في 11 نونبر 1993.. وتقلد المنصب نفسه في الحكومتين اللتين ترأسهما عبد اللطيف الفيلالي على التوالي في 7 يونيو 1994 و27 فبراير 1995.
وأسندت لعبد الصادق المهام ذاتها في حكومتي عبد الرحمان اليوسفي في 14 مارس 1998 وسنة 2000. وابتداء من 7 نونبر 2002 سيعينه الملك محمد السادس أمينا عاما للحكومة، وبقي في منصبه هذا حتى وفاته في21 غشت 2008، ليخلفه السياسي والأكاديمي محمد الحجوي، الذي التحق بهذا المنصب بعد مرور تسع سنوات على رحيل ربيع.
توفي عبد الصادق ربيع، الأمين العام للحكومة، عن عمر يناهز63 سنة، بعد مرض عضال، وبعث الملك محمد السادس برقية تعزية إلى أفراد أسرة الراحل أشاد فيها بخصال الفقيد، واعتبر رحيله خسارة:
«هي رزء جسيم بالنسبة لجلالتنا ولحكومة المملكة. فقد كان، رحمه الله، خديما وفيا للعرش العلوي المجيد، ومخلصا صادقا لمقدسات المملكة وثوابتها ومؤسساتها، وخبيرا ألمعيا في حسن تدبير الشأن العام، وقائما على سير دواليب الأمانة العامة للحكومة وفقيها متضلعا في شتى أصول وفروع وشعب القانون، يعز نظيره. كما جسد الراحل الغالي نموذجا لكبار رجالات الدولة، الذين نهضوا بمسؤولياتهم وأماناتهم، بكل إخلاص وتفان، ونكران ذات، ونزاهة واقتدار، وحكمة وشجاعة، وحنكة كبيرة، ودراية عالية».
خلف عبد الصادق ابنا لا يقل نباهة في القانون، وهو عبد الرحمان ربيع، المولود في مدينة مراكش، والذي عاش طفولته بين المدارس والملاعب، وتألق في كرة القدم بمركز مدافع ضمن فريق «الصام» الذي كان يتكون من عناصر فرنسية ومراكشية، وتقلد منصب مدير عام للأمن الوطني.













