شوف تشوف

فين أوا غاديين

أكثر ما يفزعني في المغرب هو الاستسهال الذي يصل حد الاستهتار بقيمة الحياة لدى المغربي.
لدى المسؤولين قدرة خارقة للعادة على إهمال القيام بمسؤولياتهم دون خوف من العواقب، ولدى المواطن
قدرة مخيفة على المغامرة المتهورة التي قد تكلف الواحد منهم حياته وحياة الآخرين، سواء في استعمال الطريق أو في تدبير الخلافات أو لمجرد تزجية الوقت واللهو أحيانا، أو ما يسميه المغاربة “الضحك الخايب”.
يركبون تريبورتورات مخصصة للبضائع للتنقل من مكان لآخر وهم يعرفون أنهم إذا انقلبوا وأصيبوا أو ماتوا فلن يأخذوا سنتيما واحدا من التأمينات، ومع ذلك يركبونها.
يركبون عربات لا تصلح حتى للبهائم يسوقها مشرملون نصف مقرقبين وعندما يقلبونهم في أول منعطف يشرع الجميع في البكاء والشكوى على قارعة الطريق.
يشيدون بدون ترخيص طوابق عشوائية تهدد حياتهم وحياة غيرهم بعد إرشاء رجال السلطة المكلفين بمنع ذلك، وعندما يأتي نفس رجال السلطة لكي يطبقوا القانون ويهدموا المساكن العشوائية يحتج أصحابها ويتمرغون في التراب.
وفي فاجعة تارودانت، رحم الله ضحاياها، كلنا شاهدنا الأشرطة المصورة للحظات الأخيرة قبل وصول الطوفان المائي، وككثيرين استغربت كيف يرى بعض الناس الحملة قادمة ومع ذلك يتردد بعضهم في مغادرة المكان مفضلا التفرج أو تصوير فيديوهات.
وككثيرين تساءلت كيف ينظم الناس نشاطا كرويا ونشرة إنذارية سبق أن نبهت قبل ساعات باحتمال عواصف رعدية؟ والسؤال الأكبر الذي يطرحه الجميع هو من سمح بإقامة ملعب في مجرى الوادي؟ من المسؤول بالدرجة الأولى؟
الجواب واضح، المسؤول الأول هو وكالة الحوض المائي بسوس ماسة درعة التي أخل مديرها، الذي بالمناسبة يعمر بها منذ عشر سنوات، بالمادة 117 من قانون الحماية والوقاية من أخطار الفيضانات التي تقول “يمنع في الأراضي التي يمكن أن تغمرها المياه إقامة حواجز أو بنايات أو تجهيزات أخرى من شأنها أن تعرقل سيلان مياه الفيضان بدون ترخيص إلا إذا كان الغرض منها حماية المساكن والممتلكات الخاصة المتاخمة”.
المسؤولية بدرجة ثانية تتحملها شرطة المياه، التابعة لكتابة الدولة في الماء، التي لم تنجز محضرا بوجود ملعب في المهاد الطبيعي للوادي.
ولعل الدرس الذي يجب استخلاصه من هذه الكارثة هو
أن المسؤولين عن الأحواض المائية ووزارة البيئة عليهم أن يستيقظوا وأن يفهموا أن المغرب دخل مرحلة الخطر في ما يخص تدبير المياه والكوارث الطبيعية.
وأذكر أنني قبل 11 سنة من اليوم، وبالضبط في مارس 2008 كتبت في هذا المكان عمودا تحت عنوان “المغرب غدا” يلخص الوضعية المناخية والبيئية التي سيعيشها المغرب في 2020، أي بعد أشهر قليلة من الآن، وقد كتب ما يلي :
“عندما نريد أن نتحدث عن «المغرب غدا» فيجب أن نصارح المغاربة بالتحديات الكبيرة التي ستواجههم في السنوات القليلة المقبلة. والحقيقة أنني لا أريد أن أعكر على بعض المتفائلين صباحهم، لكنني أجد من واجبي أن أنبه بعض الذين يتحدثون عن «مغرب الغد» دون تقديم برنامج واضح للتصدي لمعضلات هذا الغد وتحدياته المصيرية. قبل سنتين تقريبا (2006) شارك المغرب في قمة الكوب حيث قدمت مجموعة من الدول تقارير حول الكوارث الطبيعية التي تهددها وطرق مقاومتها. والمغرب كان حاضرا طبعا، بحكم أنه معرض كغيره من الدول إلى الكوارث الطبيعية (ولو أن بعض الكوارث البشرية التي عندنا في الحكومة والبرلمان فيها الكفاية ويزيد)، وقدمت وزارة الماء والبيئة وإعداد التراب الوطني على عهد محمد اليازغي تقريرا ليس فيه ما يفرح حول مغرب 2020.
سيعرف المغرب بعد خمس عشرة سنة ارتفاع درجة الحرارة بدرجة واحدة سيلسيس، وستتراجع التساقطات المطرية بأربعة في المائة، وسيرتفع معدل التصحر في الجنوب والجنوب الشرقي، كما ستعرف التساقطات الفصلية خللا كبيرا. الماء بدوره سيقل بنسبة خمس عشرة في المائة. ويبدو أن هذا الخطر لا يشكل أي إزعاج للحكومة وهي ترى أن أغلب الشركات العقارية الكبرى تضع جميعها في مشاريعها السياحية إنشاء هكتارات واسعة من ملاعب الغولف. وليس خافيا على أحد أن ملاعب الغولف تحتاج صيانة عشبها إلى برنامج سقي يومي، مما يعني أن نسبة كبيرة من المياه الجوفية ستستهلكها هذه الملاعب. أضف إلى ذلك أن المغرب لم يستوعب درس إسبانيا التي عندما قرعت الحكومة جرس الإنذار بخصوص مشكل المياه أصدرت قانونا يمنع على أصحاب السيارات غسل سياراتهم تحت طائلة العقوبة، ومنعت في بعض مدن الجنوب تشغيل نافورات المياه.
أما عندنا نحن فمازالت السلطات لم تستوعب بعد ضرورة إدماج تدابير المحافظة على الماء وفرضها على المنعشين العقاريين ضمن بناء المساكن وفرض تخصيص قناة للصرف الصحي وقناة لصرف مياه الأمطار.
ولعل أوضح صورة لعدم الفهم هذا هي أن الدولة المغربية تسمح سنويا ببناء ألف مسبح. إضافة إلى 22 ألف مسبح الموجودة أصلا. وفي بلد كالمغرب سيواجه خطر العطش بعد سنوات قليلة لا يوجد قانون ضريبي يفرض رسوما سنوية على بناء المسابح، حتى تحافظ الدولة على مورد حيوي من مواردها يعتبر أحد ضمانات الاستقرار الاجتماعي. ولعل هذا الفراغ هو الذي شجع كبريات الشركات العالمية المتخصصة في بناء المسابح على أن تأتي إلى المغرب لكي تفتح لها فروعا. فالطلب على أشده.
وهناك مصيبة أخرى هي محلات غسل السيارات التي تستعمل مياه الآبار بشكل عشوائي، وفِي منطقة الدروة نواحي الدار البيضاء تنبت هذه المحلات مثل الفطر وتستنزف الفرشة المائية أمام أنظار وكالة الحوض المائي.
وفي سنة 2020 سيكون لدينا سبعون في المائة من الفقراء يعيشون في العالم القروي، وسيكون لدينا ما لا يقل عن 400 منطقة مهددة بالفيضانات ولا قدرة لها على مجابهتها.
لدينا في المغرب كما تعلمنا جميعا من خلال درس السدود والأنهار في أقسام الابتدائي، ثمانون سدا، (هاد الشي كتبتو هادي 11 عام، دابا فسنة 2019 عندنا 140 سد)، تخزن ما يقرب من عشرة مليارات من الأمتار المكعبة من المياه، لسوء الحظ تضيع منها سنويا خمسون مليون متر مكعب هباء منثورا بسبب التوحل والطين الذي يكسو أرضيات الصهاريج التي تجمع بها هذه المياه بسبب تحميلها أكثر من طاقتها الاستيعابية وعدم تنظيفها بشكل منتظم. ويكفي أن نعرف أن منابع نهر أم الربيع كانت إلى وقت قريب تتعدى أربعين منبعا، وهي اليوم لا تتجاوز ستة منابع فقط. مع العلم أن أكبر سد وهو سد المسيرة يوجد على نهر أم الربيع، وهو المزود الأساسي لسطات وجزء من الدار البيضاء. وعندما نتحدث عن تراجع حقينة السدود فإننا بالضرورة نجد أنفسنا مجبرين على الحديث عن إمكانية تراجع إنتاج الطاقة الكهربائية، وفي آخر تدخل لها الأسبوع الماضي في مؤتمر حول الطاقات المتجددة في أفق 2020 بواشنطن، اعترفت أمينة بنخضرا بأن المغرب لا يستغل رياحه وشمسه سوى بنسبة عشرة بالمائة فقط. مع العلم أن خمسين بالمائة من احتياجات المغرب للطاقة يمكن إنتاجها بفضل الشمس والريح. وكم هو مخجل أن تستعمل كل المقرات الحكومية الطاقة الكهربائية، رغم أن استعمالها للطاقة الشمسية كان سيعطي مثالا راقيا في حسن تدبير الطاقة للمؤسسات الأخرى. وكل ما استطاعت بنخضرا القيام به منذ قدومها لوزارة الطاقة للتحسيس بأهمية المحافظة عليها (الطاقة وليس الوزارة) هو تغيير مصابيح الوزارة الصفراء بأخرى بيضاء تستهلك أقل وتضيء أفضل.
(شركة طوطال جات غي من اللور وفتحت 34 محطة فالمغرب خدامة كلها بالطاقة الشمسية، ومن الفوق غادي يعودو يبيعو الضو حتى هوا).
أما بالنسبة للغطاء النباتي فإنه يتراجع بنسبة ثلاثين ألف هكتار سنويا، والحبوب ستعرف نقصا في الإنتاج يصل إلى خمسين بالمائة (عاد شرينا هادي صيمانة 900 ألف طون من الحبوب من أمريكا).
“آش ظهر ليكم إلى مشينا للزنزال”، اربطوا أحزمتكم رجاء. فقد رصدت الشبكة الوطنية لمراقبة الزلازل ما لا يقل عن 20.589 زلزالا ما بين 1993 و2003. فيها الذي من ثلاث درجات على سلم ريشتر إلى خمس.
والمثير في التقرير الذي قدمه المغرب في قمة الكوب ليس هو أننا بعد خمس عشرة سنة سنواجه كل هذه المصائب، ولكن المثير هو أننا لا نملك برنامجا واضحا من أجل التدخل للحد من نتائج هذه الكوارث. وخذوا الجراد مثلا، فلولا التدخل الأوربي لغطى قبة البرلمان، ووزارة الفلاحة لم تستطع القضاء حتى على الفأر الأصهب فبالأحرى أن تحارب الجفاف والتصحر. وزلزال الحسيمة بين لنا بالملموس أن مسؤولينا يهمهم احترام الرسميات والبروتوكول أكثر مما يهمهم احترام الأرواح البشرية، فجمعوا المساعدات وعينوا عليها من يحرسها من المحتاجين إليها إلى أن تحضر الكاميرات ويتسلمها المنكوبون بعد فوات الأوان.
ولكي يعرف أصحاب رؤية «المغرب غدا» أن المستقبل لا يصنع بالتمني وإنما بالمقترحات المبنية على تصور واضح وصريح للوضع، نحيلهم على الحلقة الأخيرة من برنامج complement denquete» حيث ناقش المدعوون تقرير جاك أطالي الذي يتضمن 300 حل من أجل رفع النمو والقضاء على الفقر في فرنسا. واقتراحي هو كالتالي، بما أن جاك أطالي يقترح حلولا لرفع النمو والقضاء على الفقر لمجموعة من الحكومات، فلماذا لا تتعاقد معه حكومة عباس الفاسي لكي يمنحها 300 حل للخروج من هذه الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المغرب اليوم والتي تنذر بالمزيد من التعقد في أفق 2020. ما داموا غير قادرين على اقتراح حلول واقعية وصارمة لإنقاذ المغرب. مجرد اقتراح”.
وها نحن اليوم على مشارف 2020 نرى كيف أن كل ما حذّرنا منه وقع، نعم تداركت الدولة تأخرها في مجال استغلال الطاقات المتجددة وبناء السدود، لكن الدولة فشلت في تدبير مياه الشرب والمياه العادمة، فانتهينا نلوث فرشتنا المائية بالأزبال التي نرميها في مطارح الأزبال المفتوحة على السماء بكل المدن، ونلوث شواطئنا بمياه الواد الحار التي نرميها فيها كما هي بدون تصفية، واليوم أصبح اسم المغرب يرد في تقارير “غرين بيس” كواحد من أسوأ مصادر تلوث الهواء بثاني أوكسيد الكبريت في العالم.
“فين غاديين، وفين غاديين، فين أوا غاديين”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى