
في كثير من خطب الملك محمد السادس تذكير بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ودعوة لتفعيله، وغالبا ما تكون بلاغات الإقالة والتقصي القضائي صيغة من صيغ معاقبة المؤسسة الملكية لعدد من أعضاء الحكومة، بعد ثبوت تقصيرهم في القطاعات التي يشرفون عليها. وطبقا لأحكام الفصل الـ47 من الدستور، يصدر الملك بعد استشارة رئيس الحكومة، قرارات في حق مسؤولين حكوميين مهما بلغت درجاتهم، وكيفما كانت انتماءاتهم السياسية.
حسن البصري:
في زمن مضى، دفعت بعض صحف المعارضة إلى المطالبة بتفعيل قانون “من أين لك هذا؟”. قدم المشروع إلى الحكومة سنة 1960، لكنه كان يعاني من صعوبة في التطبيق بالمغرب إلى حد الآن، ورغم إقرار قانون التصريح بالممتلكات منذ عقود، إلا أنه ظل بدون تنزيل حقيقي، وهو ما سمح لفيروس الفساد بالانتشار. والغريب أن بعض المؤسسات التي أدرج مسؤولوها في لائحة المتابعين تعرضت سنوات طويلة بعد ذلك، لنزيف مالي مماثل تطلب من الدولة التدخل من أجل إنقاذها من الإفلاس.
ستعتمد المملكة المغربية على ما سمي بـ”الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد”، قيل إن هذا التوجه يندرج في سياق دينامية وطنية تتميز بالوعي المتزايد لدى المواطنين والمجتمع المدني بآفة الفساد.
كان هذا الصنف من الجرائم، يعرض على أنظار محكمة العدل الخاصة، التي أنشئت سنة 1965، قبل أن يتم إلغاؤها سنة 2004، وإسناد اختصاصها إلى محاكم استئنافية. وكانت هذه المحكمة مختصة في قضايا الرشوة واختلاس أموال الدولة، وفي قفص اتهامها وقف العديد من كبار رجال الدولة.
“الأخبار” تعيد ترتيب وقائع محاكمات أطرافها “خدام دولة”.
13 سنة سجنا لوزير الإصلاح الإداري ليلة عيد الأضحى
عندما تم استدعاء الوزير السابق محمد مبديع، للمثول أمام الفرقة الوطنية للتحقيق في مجموعة من جرائم الأموال، اعتقد الكثيرون أن الأمر يتعلق باستفسار روتيني سينتهي بذر الرماد على عيون الحقوقيين والإعلاميين. لكن القضية ستعرف طريقها إلى القضاء بعدما تم تعويمها في إطار لجن تقصي حقائق، وهي الحقائق التي ظلت غائبة وغابت معها الملايير من أموال المغاربة.
بعد سنوات من التحقيق، وبعد أن قضى الوزير السابق فترة طويلة في سجن عكاشة، بدأت الأمور الجدية بقرار صادر عن غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بالجرائم المالية لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، قبل يوم عيد الأضحى.
صدر حكم في حق الوزير الحركي السابق، محمد مبديع، يقضي بإدانته بـ13 سنة سجنا نافذا، وغرامة مالية نافذة قدرها 100 ألف درهم مع مصادرة أمواله في حدود 30 مليون درهم.
توبع الوزير السابق، والقيادي بحزب الحركة الشعبية، في حالة اعتقال، بعد إحالته من طرف قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال، رفقة سبعة متهمين آخرين على سجن عكاشة، وذلك على خلفية اختلالات مالية وتلاعب في الصفقات بجماعة الفقيه بنصالح، فيما قرر متابعة خمسة متهمين آخرين في حالة سراح، بعد سحب جوازات سفرهم وإغلاق الحدود في وجوههم.
وكان الوكيل العام للملك بالمحكمة نفسها قد أحال مبديع رفقة 12 متهما على قاضي التحقيق، ضمنهم مقاولون ومنتخبون وموظفون بجماعة الفقيه بنصالح، والتمس متابعتهم في حالة اعتقال، بعدما وجه لهم تهما تتعلق بتبديد واختلاس أموال عمومية، والإرشاء والارتشاء، وتزوير وثائق إدارية رسمية وعرفية. وجاءت متابعة المتهمين بعد انتهاء الأبحاث القضائية التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على ضوء اختلالات مالية خطيرة رصدتها تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية.
تم تحريك المتابعة بعدما أحالت رئاسة النيابة العامة تقريرا أنجزته المفتشية العامة لوزارة الداخلية على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، من أجل التحقيق في الاختلالات والخروقات التي رصدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ويتعلق الأمر بأفعال تهم إبرام وتنفيذ مجموعة من الصفقات المتعلقة بالتأهيل الحضري، بما في ذلك صفقات الدراسات وصفقات الأشغال المترتبة عنها، دون مراعاة المقتضيات ذات الصلة المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وكشف التقرير خروقات واختلالات خطيرة شابت صفقات التأهيل الحضري للمدينة، والتي كلفت الملايير من المال العام.
على امتداد ساعات التحقيق مع محمد مبديع وزير الوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة السابق، ورئيس فريق الحركة الشعبية بمجلس النواب، برلماني الفقيه بن صالح، سواء من طرف ضباط الفرقة المكلفين بالجرائم المالية بشأن اختلالات وخروقات شابت تسيير مجلس جماعة الفقيه بن صالح التي يترأسها مبديع منذ ما يزيد عن 20 سنة، أو قاضي التحقيق بالمحكمة الزجرية للدار البيضاء، ظل الرجل يبحث عن مبررات الخروقات المالية التي كشف عنها المجلس الأعلى للحسابات. ويتعلق الأمر بأفعال تهم إبرام وتنفيذ مجموعة من الصفقات المتعلقة بالتأهيل الحضري، بما في ذلك صفقات الدراسات وصفقات الأشغال المترتبة عنها، دون مراعاة المقتضيات القانونية.
لكن ما زاد الطين بلة هو العرس الأسطوري الذي أقامه الوزير الحركي السابق محمد مبديع، بمناسبة زواج نجله آدم إلياس من حفيدة وزير أول فرنسي سابق، جعل الأنظار تتجه إلى مدينة الفقيه بن صالح لتنقل تفاصيله كمشهد مستقطع من حكايات ألف ليلة وليلة، أمام الأجواء المبهرة لذلك الحفل الباذخ الذي يخفي كثيرا من البؤس بين أحياء المدينة التي يقطنها أزيد من 150 ألف نسمة.
وزير حقوق الإنسان السابق في سجن العرجات
بعد إلغاء محكمة النقض حكما بالسجن ثلاثة أعوام، قضت محكمة الاستئناف بالرباط، في حكم ثان، بالسجن خمسة أعوام في حق السياسي والوزير السابق محمد زيان بتهمة “اختلاس وتبديد أموال عمومية”.
زيان الوزير والمحامي السابق للحكومة في قضايا مختلفة، ظل رهن الاعتقال منذ عام 2022 لإدانته بالسجن ثلاثة أعوام في قضية أخرى. ومطلع العام 2024، فتحت ضده قضية ثانية تتعلق بـ”اختلاس وتبديد” تمويل عام حصل عليه في إطار الحملة الانتخابية للحزب الليبرالي المغربي، الذي كان يرأسه عام 2015.
تم الحكم بسجن وزير حقوق الإنسان المغربي السابق محمد زيان، الذي ظل في مراحل التقاضي ينكر التهم الموجهة إليه، معتبرا أن ملاحقته في القضيتين سياسية، ويؤيده في ذلك حقوقيون يطالبون بالإفراج عنه، في حين تؤكد السلطات أن القضيتين جنائيتان لا علاقة لهما بنشاطه السياسي.
وكان زيان، الذي شغل منصب وزير حقوق الإنسان بين عامي 1995 و1996، أدين في القضية الأولى في أعقاب شكوى رفعتها وزارة الداخلية بإحدى عشرة تهمة، من بينها “إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين”، و”إهانة هيئات منظمة”، و”التشهير”، و”التحرش والابتزاز والمساومة على الجنس”.
وتعود وقائعها إلى أواخر العام 2020، عندما اتهم زيان السلطات المغربية بـ”فبركة” فيديو نشره موقع إخباري محلي، قدم على أنه لزيان عاريا مع إحدى موكلاته في غرفة بفندق”.
أدانت المحكمة زيان، الذي تقلد منصب وزير حقوق الإنسان في 1995 ولمدة عام بعدة تهم من بينها: “إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين”، و”بث ادعاءات ووقائع كاذبة ضد امرأة بسبب جنسها” و”التشهير بالأشخاص عن طريق الأنظمة المعلوماتية”، وهو ما يتمسك بنفي صحته.
وكان بيان سابق لوزارة الداخلية قد أكد “تسجيل لجوء بعض الأشخاص في الآونة الأخيرة إلى القيام بخرجات (تصريحات) بمواقع التواصل الاجتماعي وببعض المواقع الإلكترونية، تتم من خلالها مهاجمة مؤسسات أمنية وطنية عبر الترويج لمزاعم ومغالطات هدفها تضليل الرأي العام الوطني والإساءة إلى صورة المؤسسات”.
وكانت القاضية المكلفة بالتحقيق في الغرفة الخامسة بقسم جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط قررت متابعة الوزير السابق، النقيب محمد زيان والرئيس السابق للحزب الليبرالي المغربي، في حالة اعتقال، بتهمة تبديد واختلاس أموال عامة ترتبط بالدعم المخصص للانتخابات من طرف الدولة. وإلى جانب زيان، قررت قاضية التحقيق متابعة متهمين آخرين من أجل التهمة نفسها.
تبديد أموال الضمان الاجتماعي تطيح بوزير
في سنة 2002، كشف تقرير لجنة تقصي الحقائق، التي أحدثها البرلمان والتي ترأسها البرلماني رحو الهيلع، حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عن فضيحة من العيار الثقيل تتعلق باختلاس مليارات الدراهم من مالية الصندوق، وتعد من أبرز قضايا نهب المال العام في المغرب. وحسب التقرير، فقد تجاوزت قيمة هذه الفضيحة ما مجموعه 115 مليار درهم، منها 47,7 مليار درهم مجموع الأموال التي صرفها الصندوق من دون حق من خلال “صفقات مشبوهة”، ووجهت اللجنة أصابع الاتهام حينها إلى المدراء العامين الذين تعاقبوا على رأس إدارة الصندوق.
وعزا التقرير، الصادر عن لجنة تقصي الحقائق البرلمانية حينها “سبب تبديد هذه الأموال إلى سوء التسيير والتبذير، والاختلالات والاختلاسات المباشرة وغير المباشرة، التي تعرضت لها مالية المؤسسة وممتلكاتها”، لينطلق بعدها ماراطون من المتابعات القضائية التي همت عشرات المسؤولين والأطر البارزة حينها في الصندوق.
وباشر قاضي التحقيق، بالغرفة الرابعة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بعد سلسلة من الأبحاث القضائية، التحقيق في هذا الملف، الذي كان يحقق فيه بناء على تقرير هذه اللجنة، ليقرر سنة 2011 متابعة 28 متهما، وإحالتهم على استئنافية الدار البيضاء.
أيدت المحكمة الحكم الصادر في حق المتهم الرئيسي في هذه القضية، وهو رفيق الحداوي، المدير العام السابق للصندوق، والذي أُدين ابتدائيا بالسجن أربع سنوات مع وقف التنفيذ سنة 2016، وجرى تأكيد هذا الحكم استئنافيا، كما قررت المحكمة مصادرة ممتلكاته وأداءه غرامة على وجه التضامن مع محكومين آخرين لفائدة الدولة المغربية، فيما قررت المحكمة تأكيد تبرئة عبد المغيث سليماني، الكاتب العام السابق للصندوق، والعمدة السابق لمدينة الدار البيضاء، والرئيس السابق لجماعة الصخور السوداء في المدينة إلى جانب متهمين آخرين في هذا الملف، الذي كُشف عنه رسميا سنة 2002.
وقررت المحكمة، في قرارها الصادر عن قسم الجرائم المالية، الحكم على عشرة متهمين بينهم المتهم الرئيسي بإرجاع مبالغ لفائدة الدولة تقدر بحوالي 31 مليار درهم في المجموع. يتعلق الأمر بمصطفى جبوري، الذي حكم عليه بإرجاع مبلغ 294 مليون درهم، وسعيد برويلة بـ82 مليون درهم، ومحمد بن المودن بإرجاع مبلغ يناهز 10 مليارات درهم، ومحمد الودغيري بمبلغ 32 مليون درهم، وعلي باعدي بـ13,9 مليارات درهم. كما حكمت المحكمة على بنعيسى الأبيض بإرجاع مبلغ يقدر بـ200 مليون درهم، ومصطفى أبوزيد ومحمد عدلاني والعربي الزياني وأحمد الخياطي بإرجاع مبلغ يناهز 7,44 مليارات درهم تضامناً في ما بينهم، فيما قضت في حق رفيق الحداوي بإرجاع المبالغ المحكوم بإرجاعها على المتهمين الآخرين، أي 31 مليار درهم لفائدة الدولة المغربية. كما ستتم مصادرة ممتلكات المتهمين المدانين في حدود المبالغ المحكوم بإرجاعها.
جنازة والدة عليوة تعتق رقبته من السجن
شعر خالد عليوة، الرئيس المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي، بحبل يلف عنقه، حين علم عبر محاميه بقرار إغلاق الحدود في وجهه، رفقة بعض المديرين السابقين الذين وردت أسماؤهم في تقرير المجلس الأعلى للحسابات المرتبط بتبذير أموال عمومية وسوء التسيير. جاء قرار إغلاق الحدود في وجه عليوة ومن معه بناء على المعطيات التي توصلت إليها عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في إطار فتح ملفات الفساد.
لكن قبل حلول عيد الأضحى سارع رفاق خالد عليوة، المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي، والوزير الاتحادي الأسبق، إلى وضع ملتمس يقضي بمنحه السراح المؤقت، في القضية التي كان يتابع فيها إلى جانب عبد الحنين بنعلو، المدير العام السابق للمكتب الوطني للمطارات، في ملف اختلاسات وتبديد أموال المؤسستين.
تلقى خالد تطمينات بقضاء العيد بين أهله وذويه، لكن المحكمة رفضت، رغم أن كل المؤشرات كانت تتحدث عن إفراج قبيل العيد، ليتأجل الحلم الذي راود المتهمين في قضايا فساد مالي. وينتظرا سويا فاجعة وفاة والدة كل منهما لينعم خالد وعبد الحنين بفسحة حرية للضرورة الجنائزية.
بقرار من ملك البلاد ولاعتبارات إنسانية، تمكن المدير العام الأسبق للقرض العقاري والسياحي، من مغادرة عكاشة متوجها إلى مقبرة الشهداء، حيث رخص له بحضور جنازة والدته التي وافتها المنية. توصلت إدارة السجن برسالة تتضمن ترخيصا لخالد بمغادرة المعتقل لمدة أربعة أيام، “كي يحضر دفن والدته، ويقوم بواجب العزاء”.
يوم 4 مارس 2013، خرج عليوة من سجنه، ولم يعد إليه. لم يتمتع وقتها الرئيس المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي سوى برخصة من 4 أيام لحضور جنازة والدته، لكن سرعان ما تحولت متابعته في حال اعتقال إلى متابعة في حال سراح، لكن يبدو أن عليوة لا يرى أي فرق بينه وبين أي شخص قضى عقوبته كاملة، أو خرج من زنزانته ولم يعد، وحده قرار المنع من مغادرة الوطن ما زال ساري المفعول.
عثمان السليماني.. الوزير الذي حصل على البراءة وهو في قبره
ولد عثمان السليماني بفاس يوم 13 أكتوبر 1941، وخلافا لعائلات الوجاهة كان ينحدر من وسط عائلي متواضع، إذ استفاد من منحة لدراسة الاقتصاد في فرنسا، وكان يتدبر معيشه اليومي بمنحة بسيطة، وعند إتمامه لدراسته، قرر العودة إلى المغرب، حيث تفرغ للخدمة المدنية، قبل أن يصبح إطارا في وزارة المالية.
في الفترة ما بين 1977 و1979، عينه الحسن الثاني في منصب وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، في حكومة أحمد عصمان. السليماني المصرفي حمل المنتخب المغربي لمنصة التتويج ، حين فاز بكأس أمم إفريقيا لكرة القدم 1976.
من 1979 إلى 1993، سيتولى عثمان منصب الرئيس التنفيذي للقرض العقاري والسياحي. وكان متابعا قضائيا منذ عام 2001 من قبل لجنة التحقيق، بسبب “اختلالات” في المصرف، مصرا على براءته.
حسب عائلة السليماني، فإن معيلها عثمان كان ضحية تصفية حسابات، وأن إدريس البصري زج به في السجن، حيث قضى أربعة أشهر خلف القضبان، قبل أن ينتزع البراءة ويتحول إلى جسد يتربص به المرض، قبل أن يحوله إلى جثة هامدة في أبريل 2004.
توفي عثمان بسرطان الرئة مباشرة بعد العقوبة القضائية، لكن بعد هذا التاريخ وتحديدا في يناير 2010، حكمت محكمة الاستئناف بتبرئته من جميع التهم الموجهة إليه، ما جدوى البراءة لميت في قبره؟
قضت ليلى السليماني، ابنة الوزير السابق عثمان السليماني، ووالدتها، فترة طويلة وهما تدافعان من أجل استخلاص براءة إنسانية، قبل البراءة القضائية.
ولدت ليلى السليماني في شهر أكتوبر 1981، بالعاصمة الرباط، وفيها تابعت دراستها، حيث برزت مواهبها الفكرية في ثانوية ديكارت، وحين حصلت على شهادة البكالوريا سافرت إلى فرنسا لاستكمال تعليمها ابتداء من سنة 1999، تخرجت من معهد الدراسات السياسية بباريس. ثم حاولت دخول مهنة التمثيل بـ”كور فلوران”، ثم تخرجت بعد ذلك من المدرسة العليا للتجارة بباريس، لكن الصحافة مارست جاذبيتها، فالتحقت بمجلة “جون أفريك” واهتمت بمواضيع حول القضايا المغاربية واخترقت العديد من “الطابوهات”، وقضت بها لمدة خمس سنوات، ثم استقالت.
فضلت ليلى الكتابة الروائية، وهنا صنعت مجدها ومجد عائلتها التي لم تنصف، عادت عليها كتاباتها بجوائز كثيرة، أبرزها جائزة المامونية لسنة 2015 عن روايتها الأولى “في حديقة الغول”، وعن روايتها الثانية “الأغنية الهادئة” ونالت جائزة غونكور لسنة 2016، وهي أرقى وأعرق جائزة أدبية في فرنسا، وأصبحت بهذا التتويج ثالثة وجه أدبي عربي فرنكوفوني يتوج بهذه الجائزة، بعد الطاهر بن جلون عام 1987، وأمين معلوف عام 1993.
وزراء في سجن لعلو بسبب فساد مالي
في مارس من سنة 1971، تلقى الملك الراحل الحسن الثاني تقريرا مفصلا، من مساعده الجنرال المذبوح، يتضمن حقائق تؤكد تورط عدد من وزراء الحكومة في قضايا فساد مالي، واقترح على الملك فتح تحقيق في القضية، التي أحيلت على أحمد الدليمي، الذي كان حينها مديرا عاما للأمن الوطني. وبعد طول انتظار وترقب، أعلن عن اعتقال خمسة وزراء، وهم عبد الحميد كريم، وزير السياحة، وعبد الكريم الأزرق، وزير الأشغال العمومية، ويحيى شفشاوني، الوزير السابق للأشغال العمومية ومدير مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية، ومحمد الجعيدي، وزير التجارة والصناعة، ومامون الطاهري، وزير المالية، ووزير الداخلية السابق محمد العيماني، فضلا عن رجل الأعمال عمر بن مسعود وموظفين سامين.
أصل صك الاتهام، الذي شغل الرأي العام في تلك الحقبة الزمنية العصيبة، أن الجنرال المذبوح سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للتحضير لزيارة للحسن الثاني إلى هذا البلد، وما ترتب عنها من تقرير يدين وزراء الحكومة بالفساد، بعدما طلبوا عمولات لشركة “بانام أميريكان” كي يسمح لها بإنجاز مشروع استثماري في الدار البيضاء عبارة عن فندق فخم، وكشف تقرير المذبوح عن وجود شبكة لتهريب المعادن، وأخرى لتهريب الأموال إلى الخارج.
فوجئ الوزراء باستدعائهم إلى قصر إفران في مارس 1971، ليعرب لهم الملك عن خيبة أمله، قبل أن يضيف “سأسامحكم كأنكم قد ولدتكم أمهاتكم اليوم”. استبشر الوزراء المدانون والتمسوا الصفح من الملك، لكن الحسن الثاني فاجأ الجميع بعد شهر فقط بإجراء تعديل حكومي أسقط الوزراء الخمسة، وتبين أن الرجل يريد دفن القضية التي أغضبت الولايات المتحدة الأمريكية ووضعت مصداقية الحكومة في مهب الريح. لكن الانقلاب العسكري لعاشر يوليوز، أي بعد ثلاثة أشهر عن العفو الملكي، أغضب الملك لأن قائد المحاولة لم يكن سوى الجنرال المذبوح الذي كان إلى عهد قريب يتأبط تقرير الأمريكيين، وفي سادس غشت عين الحسن الثاني حكومة جديدة يرأسها كريم العمراني، دون أن يطوى ملف الوزراء المدانين.
في شهر نونبر من نفس السنة، استقبل السجن المركزي لعلو بالرباط ضيوفا من العيار الثقيل، لأول مرة في تاريخ المغرب بعد الاستقلال يعتقل وزراء وكبار المسؤولين ورجال الأعمال، لتبدأ أطوار محاكمات شغلت الرأي العام الوطني والدولي، وأول حكم نطقت به محكمة العدل الخاصة هو تمتيع العيماني بالسراح المؤقت، وتقليب أوراق قديمة لوزراء حكموا البلاد قبل تشكيلة العراقي.
ورغم الضجة التي أحدثتها المحاكمة إلا أن الأحكام كانت رحيمة بالمدانين الذين قضوا فترات حبس قليلة، ومنهم من لم يستأنف الحكم الابتدائي لإيمانه بأن المحاكمة كانت صورية.
في خريف سنة 1971، وبالكاد طوى الرأي العام صفحة محاكمة مراكش الشهيرة، والتي عاش الناس بعض أطوارها خلال رمضان، خصوصا خلال موجة الاعتقالات التي انطلقت سنة قبل المحاكمة، دخل المغاربة مرحلة تشويق أخرى بطعم مختلف تماما هذه المرة، بل كان جوا غير مسبوق نهائيا.
القضية تتعلق بما عرف وقتها بمحاكمة الوزراء المتهمين بالفساد وفرض رشاو لتمرير صفقات تتعلق بالوزارات التي كانوا يسيرونها.
تزامن رمضان سنة 1971 مع فصل الخريف، وخلاله جرت أطوار المحاكمة التي كانت محاطة بكثير من السرية والانغلاق، لكن الاعتقال لم يقتصر على الوزراء بل امتد ليشمل موظفين سامين ومسؤولين كبارا في مصالح الإدارات العمومية، وكانت التهمة الموجهة إليهم هي الفساد وتبديد المال العام والاغتناء غير المشروع، حيث لم يستطيعوا تبرير مصادر ثرواتهم التي لا تناسب ما يجنونه من مناصبهم. بالإضافة إلى أن الوزراء المعتقلين كانوا موضوع شكاوى من طرف شخصيات أجنبية بينهم مستثمرون أمريكيون سبق لهم تقديم شكاوى وجدت طريقها إلى الديوان الملكي في بداية السنة، يشتكون فيها من تضييق وزراء مغاربة ووضعهم عراقيل كثيرة أمام مشاريع استثمارية أجنبية، حيث قدموا للملك الحسن الثاني في تلك المراسلات ما يثبت طلب هؤلاء الوزراء المغاربة لرشاو من شركات كبرى كانت تخطط للاستثمار في المغرب، من بينها علامة سياحية أمريكية تشيد سلسلة من الفنادق الفاخرة، وطلب أحد الوزراء المتهمين عمولة مبالغ فيها مقابل تمرير ملف تلك الشركة ومنحها مساحة لتشييد الفندق.
الصدر الأعظم في منفى شفشاون
بعد أن وضعت الحماية يدها على المغرب، عاشت المنطقة الشمالية تحت مظلة استعمارية إسبانية، حيث شغل مولاي المهدي بن إسماعيل بن السلطان محمد الرابع أول منصب الخليفة السلطاني بالشمال بظهير سلطاني أصدره السلطان مولاي يوسف في 14 ماي 1913، وكان السلطان مؤازرا في حكمه على المنطقة بالصدر الأعظم محمد بن عزوز وحاشيته، وجعل من قصر المشور بتطوان قبة “الحكم” السلطاني، إلا أن الكتابات التاريخية أجمعت على أن مولاي المهدي كان منعزلا عن الناس مفوضا أمر الحكم للصدر الأعظم، الذي استبد بأمور الخلافة السلطانية، وباشر جميع شؤون الحكومة.
وبعد وفاة الخليفة مولاي المهدي في 24 أكتوبر1923 أصبحت منطقة شمال المغرب بدون خليفة سلطاني لمدة تجاوزت السنتين، نتيجة تأخر تعيين مولاي الحسن كخليفة لوالده من طرف سلطات الحماية، في الوقت الذي راهنت فيه السلطات الاستعمارية الإسبانية على الشريف الريسوني رغبة في تعيينه في هذا المنصب، لكن هذا الأخير رفض شروط الإسبان، فصدر ظهير 8 نونبر 1925 الذي عين بمقتضاه مولاي الحسن خليفة سلطاني على المنطقة، في فترة تاريخية كانت فيه رحى حرب ضروس تدور في جبال الريف إثر ثورة قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي. استمر مولاي الحسن في منصبه إلى حين إلغاء الحماية الإسبانية وإعلان استقلال المغرب.
تشكلت الحكومة الخليفية بشمال المغرب، بالإضافة إلى الخليفة السلطاني من الصدر الأعظم وعدد من الوزراء، وخاصة وزير العدلية ووزير المالية ووزير الأحباس وأمين المستفاد والحاجب وقائد المشور، بالإضافة إلى عدد من الكتاب، وكانت الوزارة الأولى تسمى الصدارة العظمى، وهي التي تشرف على تسيير شؤون المنطقة بتنسيق مع طرفين: الخليفة السلطاني والإقامة الإسبانية. تولى هذا المنصب ثلاثة وزراء وهم: محمد بن عزوز وأحمد الركينة وأحمد الغنمية، ولكن الأول هو أشهرهم إلا أنه أعفي من منصبه وسجن في منفاه بمدينة شفشاون لمدة سنة بظهير تقول إحدى فقراته “نأمر الواقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يعمل بمقتضاه ولا يحيد عن كريم مذهبه ولا يتعداه، وأن لا يقبل له من الآن قولا ولا يقتفى له فعلا”. مباشرة بعد عزل ابن عزوز أسند المنصب لأحمد الركينة الذي عمل حاجبا للسلطان، لكن الصدر الجديد لم يجلس طويلا على كرسيه، إذ توفي قبل أن يتم العام، فتم فك أسر ابن عزوز وتولى من جديد منصب الصدر الأعظم. وشملت الإعفاءات السريعة من الوزارة في هذه المنطقة العديد من الوزراء، كمحمد بن المكي بن ريسون الذي كان وزيرا للأحباس، وعين بدله عبد الخالق الطريس الذي سرعان ما أعفي من مهامه سنة 1935، ليتولى أحمد الحداد مهام إدارة الأحباس في نفس السنة، وأعفي من مهامه في نفس العام. وعاد الطريس ليشغل منصب وزير للأحباس من جديد، لكنه لم يقض فترة طويلة في هذا المنصب، إذ صدر ظهير إعفائه في أبريل 1937.





