
هل استلهمت كلمات أغانيك خلال أيامك الأولى في باريس من معيشك اليومي؟
من الطبيعي أن أستلهم كلمات الأغاني مما أعيشه شخصيا وما يعيشه المهاجر المغربي بصفة عامة، علما أن باريس لم تكن حينها عاصمة للأنوار كما يصطلح عليها حاليا، بل كانت مدينة في هوامشها أحياء لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط العيش الكريم ويقطنها المهاجرون من جميع الجنسيات، كانت مدن الصفيح حاضرة بقوة والأزبال متناثرة في الأحياء.. أتحدث هنا عن منتصف الثمانينات.
لكنك كنت محظوظا بوجود شقيقك في باريس، أليس كذلك؟
صحيح ساعدني شقيقي الأكبر على الاستقرار والاندماج في المحيط الباريسي، لكنني فضلت الاستقرار بعيدا عنه، حيث اكتريت شقة أنا وصديق لي. أذكر هنا حدثا طريفا حصل لنا، حيث تم قطع التيار الكهربائي عن الشقة لتأخرنا في تسديد فاتورة الاستهلاك، استعنا بشمعة لنتمكن من مراجعة الدروس، وكنا حينها نتابع دراستنا في جامعة «السوربون»، غير أن الشمعة انطفأت بدورها وخلدنا إلى النوم. في اليوم الموالي أخذت «غيتارتي» وشرعت في العزف وأنا بصدد إنجاز أغنية «المصباح الطافي»، انطلاقا من هذه الواقعة.
هناك مفارقة عجيبة في حياتك: لم تدرس الموسيقى وأصبحت من أشهر الموسيقيين، ما السر؟
المغربي فنان بطبعه، يكفي أن تذهب في جولة إلى جامع لفنا بمراكش، لترى بعينيك مواهب فنانين لم يسبق لأي منهم أن ولج مدرسة لتعليم الفن الموسيقي. أنا لم أدرس الموسيقى في حياتي، بل تعلمتها عن طريق السمع. لست الوحيد طبعا، فمايكل جاكسون لم يدرس الموسيقى واعترف بهذا في كثير من حواراته، جيمي أندريكس أيضا تعلم الموسيقى حفظا، بل إن مجموعة «البيتلز» وصلت إلى ما وصلت إليه من إشعاع عالمي دون الحاجة إلى التدرج بين فصول المعاهد الموسيقية، واللائحة طويلة جدا..
كنت أكتب كلمات الأغاني وأنا مع مجموعة «الخالدين» التي أسستها وأنا طالب في مدينة خنيفرة، وكان أفرادها يتقاسمون الأدوار، هناك من يلحن ومن يكتب، وكلنا نشارك في إخراج القطع الغنائية إلى الوجود.
بدأت «مشاهبي النزعة» لكنك ستغير السكة..
لا أنكر تأثير المد الغيواني، لأنني تأثرت به وأنا شاب يافع، خاصة مجموعة لمشاهب التي كان لها طابع مختلف عن جيل جيلالة وعن ناس الغيوان، وبداية أفرادها أشبه ببداياتي، وزاد من إعجابي بهذه المجموعة، مونديلين الشريف لمراني، العازف الكبير الذي أبدع لحنا وعزفا وغير أوتار الآلة الموسيقية. إلا أن وجودي في الديار الفرنسية طالبا وترددي على مركز «بومبيدو» وتكوين فرقة غنائية متعددة الجنسيات، أمور جعلتني أغير التوجه العام، لكني بقيت فنانا وفيا لفني، فالكلمات عربية وغالبا ما تكون باللهجة الدارجة وألحاني مغربية، رغم أنني خضت تجارب في ألوان موسيقية أخرى، فرضها تواجدي في وسط أوربي يستمتع بالموسيقى الحديثة. أنا فنان عالمي أبحث عن الجديد فأتبعه، لم يكن همي أبدا جمع المال، لو كان الأمر كذلك لكان لي مسار آخر.
لماذا كنت حاضرا بقوة في الإعلام الفرنسي، أكثر من حضورك في الإعلام المغربي؟
السبب بسيط، ربما كنت محظوظا وأنا أعيش في باريس، غير بعيد عن الإعلام الفرنسي، أكثر من ذلك أنني كنت أقضي فترة تمرين بقناة «فرانس 3»، وأنا حينها طالب في جامعة «السوربون». خلال تلك التجربة اقتربت أكثر من الإعلام المرئي، وفهمت تفاصيله ونسجت علاقات صداقة مع أطر هذه المؤسسة، خاصة حين علموا أنني فنان واستمعوا لأداء مجموعتي. ذات يوم دعاني رئيس التحرير للحضور إلى «البلاطو» من أجل حوار فني، تفوقت فيه وقدمت، من خلال نافذة إعلامية كبيرة، مشروعي الفني. والغريب في الأمر أنني قدمت أغنية «يا رسول الله» في هذا الظهور وعبر قناة أغلب أفرادها مسيحيون. أيضا كان لي حضور في الإعلام التركي وفي المغرب سجلت حضوري الإعلامي في المرئي والمسموع والمكتوب، ولي صداقات مع كثير من الصحافيين المشتغلين في المجال الفني، أبرزهم عتيق بن شيكر الذي حاورني في بداية عهدي مع الإعلام المغربي وتحديدا في القناة الثانية، خلال تواجدي في مهرجان أصيلة.
حضورك في المهرجانات المغربية ضئيل، لماذا؟
المشكلة ليست في الفنان، بل في المنظمين، سأروي لك حكاية لازالت تؤلمني. ذات مرة تلقيت مكالمة هاتفية من منظم مهرجانات دعاني للحضور إلى المغرب رفقة مجموعتي الغنائية للمشاركة في مهرجان فني. اتفقنا على كل التفاصيل، وطلب مني أداء تكاليف تذاكر السفر على أن يتم تعويضنا فور الوصول إلى المغرب. لكن بعد الوصول لم نجد أحدا في استقبالنا، وفجأة قطع الاتصال وتركنا في حيرة من أمرنا، لنعود من حيث أتينا.





