
كيف بدأت أولى خيوط علاقتك بمحمد شكري؟
علاقتي بمحمد شكري بدأت متوترة أو شبه متوترة، وانتهت على هذا النحو أيضا، تعرفت عليه بطنجة سنة 1973. عشنا شغبنا وكنا نسافر سويا إلى أصيلا أو تطوان. كنت حينها صحافيا في إذاعة طنجة، وكنا نلتقي باستمرار في مقهى «نيغريسكو» التي تحولت إلى محل للبيتزا، بعد أن كانت منتدى يلتقي فيه الكتاب والصحافيون، وكنت أراه يوميا ونتبادل أطراف الحديث.
قلت إن علاقتك بشكري بدأت متوترة، ما سبب التوتر؟
شخصية محمد شكري الصدامية كانت تدفعه، أحيانا، إلى اعتزال أصدقائه، حتى أنه كان يقطع علاقاته مع رفاقه. أذكر أن أول خلاف حصل لي معه يعود إلى زيارتي لشقة بول بولز بطنجة. هناك دخلت في سجال مع الكاتب والموسيقي الأمريكي حول اختياره لأدب القعر وإصراره على تعرية المدينة والاهتمام بالسرديات التي يرويها جلساؤه وكان من بينهم شكري. حينها انتفض الأخير ضدي، إلى درجة أننا سافرنا إلى العراق للمشاركة في مهرجان للشعر ونحن نقاطع بعضنا. ركبنا الطائرة نفسها وكان كل واحد منا يجلس في مقعد لا يكلم الآخر. حصل هذا في فترة تداعيات الحرب العراقية- الإيرانية عام 1988. غضب مني بسبب صراحتي التي لم يكن يقبلها، وكنت أنبهه إلى عدم السقوط في التكرار، لأنه كان يكرر ذاته وهو يردد الأسطوانة نفسها:
«درست بعد بلوغي سن العشرين»، «عشت في الدروب السفلى للمجتمع»، وغيرها من العبارات التي كانت تسقطه في التكرار وفي الأنانية، كنت أنصحه بأن يطور نفسه وألا يجعل من العوالم النتنة موضوعا للتباهي والتفاخر.
اصطدم شكري ببعض الكتاب، أبرزهم بول بولز والطاهر بن جلون، هل تدخلت لتقريب وجهات النظر؟
كتب بول بولز السيرة الذاتية لمحمد شكري، باللغة الإنجليزية، بناء على سرديات من شكري، باللغة الإسبانية التي كان يتقنها ويفهمها الكاتب الأمريكي الذي سيحولها إلى عمل أدبي أثار جدلا واسعا في الأوساط الأدبية. في تلك الفترة سيتصل بي الكاتب الطاهر بن جلون الذي اقترح علي ترجمة سيرة شكري إلى اللغة الفرنسية، على أساس أن يتسلمها مكتوبة بالعربية من صاحبها شكري. وقع شكري في ورطة وقال للطاهر سأرتب أوراقها وسأسلمها لك، حينها كانت السيرة صدرت باللغة الإنجليزية دون أن تترك أثرا كبيرا. وحين كشف لي عن مأزقه، طلبت منه أن يكتب سيرته الذاتية من الأول، وفعلا عمل بالوصية وشرع في رقن ما يكتبه، حين اطلعت عليه، قلت له: «يا شكري إنك تكتب شيئا جميلا»، وكلما كنت أزوره في بيته إلا ويقرأ على مسامعي فصلا من فصول الرواية. كان راقنا جيدا على الآلة الكاتبة، لأنه كان يقضي يومه في ثانوية ابن بطوطة وهو يكتب تقاريره الإدارية على الآلة. ظل بن جلون ينتظر استكمال كتابة السيرة، إلى أن وفق صاحبها في إنهائها وتمت ترجتها إلى اللغة الفرنسية فحققت انتشارا فاق النسخة الإنجليزية التي كتبها بول بولز.
الود بين شكري ومترجمي سيرته لم يدم طويلا، إذ وجه انتقادا قاسيا إلى بول بولز والطاهر بن جلون، لماذا ظلت خيوط الصداقة تتلاشى سريعا في حياة محمد شكري؟
ذات يوم زرت بولز وكان طريح الفراش، فاشتكى لي من شكري الذي أصدر كتابا يكيل فيه اللعنات للكاتب الأمريكي، الذي بدا حزينا من هذا الهجوم، الشيء نفسه بالنسبة للطاهر بن جلون الذي تعرض للجلد من شكري بدعوى استغلاله فكريا وأدبيا والسطو على حقوقه. وللأمانة فإن بن جلون نجح في إصدار ترجمة أنيقة باللغة الفرنسية لسيرة شكري، أتذكر أنني اقتنيتها من مكتبة «الأعمدة» بمبلغ لا يقل عن 380 درهما. شكلت سيرة «سي محمد» مورد رزق مهما، وأصبح يتوجه إلى مركز البريد لاستخلاص عائدات كتابه، وكان يقول لي كلما تسلم حوالة مالية: «الخبز الحافي تدر الأرزاق». علما أنه حصل على التقاعد النسبي من وظيفته في التعليم راقنا في الإدارة وليس مدرسا. والفضل في مساره المهني يعود لرئيس تحرير جريدة «العلم» الأديب والإعلامي البارز عبد الجبار السحيمي.





