كتاب الرأي

ماهي المعرفة؟

استضافني الأستاذ المثقف خليل النعيمي في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة الجديدة، يستفسر فيها عن البناء المعرفي وكيف يكون؟ وهو هام لمن كان في طور التكوين فكان نواة لمحاضرة تمت بتاريخ 13 مارس 2019 هذه خلاصتها.
ـ الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وهي مفاتيح التلقي والفهم.
ـ حين نأتي إلى الحياة نكون أضعف المخلوقات طرا في النمو الحركي الروحي؛ فالعجل حين تلده أمه يمشي فورا، أما الطفل فيحتاج أكثر من عام حتى يقف على قدميه، يبدأ بالحبو لا يعلم شيئا، وينتهي مقوس الظهر لا يعلم من بعد علم شيئا.
ـ في ظلمات الرحم الثلاث تنمو الأجنة من ضفدع وتمساح وأرنب وقرد وإنسان في رحلة تطورية، ولكن الإنسان يأخذ منحى مختلفا، ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
ـ في القرآن الرحلة مذكورة من البداية إلى ما بعد النهاية، ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. في مطلع سورة «الحج» كما في سورة «المؤمنون»، تفصيل لمراحل الخلق والتكوين.
الطفل حتى سن السابعة لا يعرف التجريد، كما ذكر ذلك (جان بياجيي) من مدرسة علم النفس الارتقائي؛ فإذا عرضت أمامه سويات متشابهة من مسطحات الماء بين حوجلة وأنبوب وقارورة لا يخطر في باله ربط الكمية بالحجم، وبعد سن السابعة يبدأ برحلة (المجرد) وكلمة شجرة تعني شجرة، مع أن أنواع أشجار الدنيا بالمليارات من الرمان والصنوبر وشجر القيقب الكندي، الذي يحمله العلم الكندي.
ـ في رحلة الدقائق الخمس الأولى مع ولادة الطفل يتعرض فيها لأخطر مراحل الحياة؛ فإما خرج بشرا سويا، أو أعيقت الولادة بسبب ما، وهي علامات أبجر العشرة من لون الجلد والصراخ والحركة؛ فإن وقعت كانت عطبا خطيرا ومصيرا لا رجعة منه، ويضرب الدماغ بدمغة لا رجعة منها فيولد أبله قاصر العقل (بوهالي).
احتار علماء اللسان في مشكلة اللغة وهل ثمة لغة أساسية لبني البشر بها يتكلمون، بحيث إذا تركنا الوليد بدون تعليمه أية لغة أن ينطق اللغة الأصلية؟ كانت محصلة التجارب كارثية، ونعرف اليوم أن الطفل بدون مجتمع لا يخرج إنسانا سويا، بل هو إلى الحيوان أقرب.
ـ تجربة الملك فردريك الثاني والطفل ماوكلي وروبنسون كروزو وطرزان والفرعون بسماتيك وصبي أفيرون الوحشي، كلها تؤكد خرافة قصة حي بن يقظان التي ذهب إليها ابن طفيل، إلى تعلم الإنسان المدارك، ولو تغذى من ثدي ذئبة وحيدا، وتبين أن السنوات الأولى من العمر مفصلية في دخول الإنسان إلى المرحلة الإنسانية في السلوك والنطق، بل والبرمجة الذهنية كما هو في البرمجة اللغوية العصبية (LNP).
ـ مسألة العقل تشكل معضلة حتى يومنا هذا كيف يحصل التفكير؟ أين الوعي؟ أين الإرادة؟ وفي مؤتمر تكسون عام 1995م اجتمع أكثر من عشرين ألف عالم وباحث وطبيب وفني ليحددوا ما هو الوعي؟ بدون الوصول إلى نتيجة.
ـ تركيب الدماغ لم يفهم حتى اليوم، صحيح أن مشروع آلاموس وصل إلى فهم الجينوم البشري (DNA). ولكن جيمس واتسون يعترف أن 300 سنة القادمة قد تكون غير كافية لكشف أسرار ما لا يقل عن أربعين ألف جين، والمشكلة ليست في الأرقام بل الشبكة، فمثلا هناك ما لا يقل عن 200 جين يشترك في تنظيم ضغط الدم، والشبكة هي كما في لوحة التلفونات الذكية. لنتصور 40 ألف نقطة واحتمال ولنقيم ذلك ضمن قانون الاحتمالات.
ـ حين يعبر الطفل معالم الوعي فهو يتدرج في ثلاث لغات: السيميائية والصوتية والكتابية، بالأول لا يفهم على والديه إلا إشارات الاستحسان أو الغضب. وفي الثانية يبدأ في تعلم اللغة سماعا، وكثيرون من البشر هم أميو الكتابة وليس السماع فينطقون ويتجادلون ولو لم يطلعوا على صحيفة وكتاب. اللغة السيميائية هي الكتيمة والعميقة والمعبرة، وما زلنا نحملها في قسمات الوجه وحركات اليدين والجسد، وهو ما أشار إليه القرآن ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول. أو في قوله تعالى: «يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام». وأكثر اللغات سطحية وقابلة للتلاعب هي الكتابة، وحرف في مجلس الأمن غير مصير العرب بين أن تخرج إسرائيل من أراضي عربية أو من الأراضي العربية. إنها بريطانيا أم الحيل. وهكذا فقد تعني الكلمة عكسها كما في القرآن «وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحييك به الله».
ـ ومع أن الكتابة هي الطبقة السطحية للمعرفة والأكثر تضليلا فهي التي حفظت المعلومات، ولكن الجدل ما بين اللغة والواقع هو الذي ينزلها ويصححها ويعطيها معناها المتجدد بالضبط، وهو ما قاله القرآن كتاب أنزلناه إليك فهو كان سمعيا ليتحول إلى كتابي فيحفظ، ولعل فواتح السور هي ترميزات الكتابة فمنها صنعت الكلمة، ورسى الخطاب، وجمعت المعلومات، طبقا عن طبق، ومن خلالها تشكلت الذاكرة الجديدة للبشرية، التي تتراكم بدون توقف كما نرى اليوم ملايين الصفحات في الجوجول.
ـ نحن لانعرف العقل تحديدا، وليس في القرآن كلمة عقل؛ بل يعقلون ويتفكرون ويتدبرون. هنا نحن أمام وظيفة يؤديها الدماغ في الربط بين الأشياء، وتخيل غير الموجود، وحفظ المعلومات في ذاكرة لا تكف عن الاتساع ومن خلال الكتابة.
ـ لقد حاول الدكتور بنفيلد الكندي دراسة تشريح الدماغ على أدمغة ألف من البشر في حالة يقظة، من خلال إلكترودات نحيفة تلامس قشرة المخ مباشرة؛ ليحدد معالم جغرافية الدماغ، كما نعرف نحن جغرافية الأرض، والشيء الذي أنهكه في دراسة نصف قرن أنه لم يعثر على مكان محدد للإرادة والوعي، على الرغم من كشف عشرات الأماكن للحركة والحس والذاكرة. والشيء الذي أعياه في الوصول إليه أين الوعي أين الإرادة؟ والذي خلص إليه سجله في كتاب «لغز العقل»، ليقول في النهاية إنه خرج عكس ما بدأ به فالدماغ يشبه الكمبيوتر بين الرقائق والبرامج، فإذا مات الإنسان تحللت النورونات المادة، أما البرامج الروح فهي خالدة.
ـ تركيب الدماغ ثلاث طبقات، في القاع شريحة الغرائز وأوسطها اللوزة الأميجدالا المسؤولة عن العواطف حذاء الفص الصدغي، وأعلاه الدماغ الجديد. أما الغرائز والعواطف التي نشترك فيها مع التماسيح والقطط فهي تكوين يمتد تاريخه إلى عشرات الملايين من السنوات في الرحلة التطورية، أما الدماغ الجديد الذي يميزنا نحن بنو آدم، فيرجع إلى نصف مليون من السنين فقط، والمحزن في الأمر أن هذه الطوابق الثلاثة ليس بينها درج وسلم أي بدون ترجمان، وهو ما يفسر انفجار العواطف التي تفجرنا، وألم الفراق الذي يكتوينا، وضباب الشهوة الذي يضللنا، وكسرة الحزن التي تدمرنا، وهي بالتالي طرفا من تفسير مرض الحرب الذي يرسم معالم سريالية من الجنون والجريمة والإفلاس الأخلاقي.
ـ الدماغ إذن يشحن بالمعلومة، التي تدخل عن طريق الحواس، وهناك يتم فهمها بطريقة عصية على الفهم؛ فنحن لا نفهم كيف نفهم، ورأسنا يحمل القارة المجهولة التي لم تكتشف بعد. وعن طريق المعلومة يتم شحن الدماغ وتراكم المعرفة، فالكلمة هي المفتاح التي رواها القرآن عن خلق آدم، حين علمه الأسماء كلها.
الكلمة هي المفتاح اقرأ باسم ربك الذي خلق، وفي الإنجيل في البدء كانت الكلمة، وفي التوراة أنا الفهم لي القوة، والأنبياء في التاريخ جاؤوا من أجل التعليم، ومن يمسك العوام هو الجهل. يتصارع حولهم الطغاة والأنبياء.
بهذه الرحلة نضع أيدينا على مفاتح المعرفة وهي السماع كما يقول ربي: أو ألقى السمع وهو شهيد. والأهم هو التسجيل فلا تضيع المعلومة، وحاليا فإن دماغ أحدنا هو الدماغ التطوري للعقل الجمعي الإنساني في رحلة سبعة ملايين من السنين.
ـ حاليا يحصل تطور خطير في مفصلين بين الهدى والشقاوة فعلى أمواج «اليوتيوب» تستغيثني امرأة من القنيطرة أن زوجها ضلله رجل اسمه حامد ووصل الأمر بينهم إلى حافة الطلاق، وهناك شاب ذكي دمرت بوصلته الأخلاقية بين جيوش الظلام تزحف بالشبهات، إنها أمواج عاتية تضرب سفننا وسواحلنا فلا يبقى شراع ومجداف. إنه شتاء قاس على ثقافتنا العارية من الحماية، وعلينا الاستعداد له بحطب وعافية وأغطية.
ـ خلاصنا إذن هو البناء المعرفي الذي سوف يحيل خوفنا أمنا وجهلنا إلى معرفة متأصلة وعلينا أن لا نخاف من العلم فهو بحر ليس كالبحار قد يغرق في ساحله من لا يعرف السباحة وفي عمقه الأمان مسترسلا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق