محمد امجيد.. الشاهد على العصر المتمرد على المنتخبين والأطباء

محمد امجيد.. الشاهد على العصر المتمرد على المنتخبين والأطباء

عاش محمد امجيد متنقلا بين مدن عديدة، قبل أن يجد مستقره بمدينة الدار البيضاء. حط ابن مدينة آسفي الرحال في الرباط التي تابع فيها تعليمه بثانوية مولاي يوسف، وانتقل إلى مدينة فاس ومنها إلى مراكش ثم الجديدة، لينتهي به المطاف في مقبرة «الرحمة» بالدار البيضاء، تاركا وراءه رصيدا نضاليا في ميادين الرياضة والسياسة والعمل الاجتماعي.
ورغم أن الشيخوخة فعلت فعلتها في الرجل، إلا أن «قفشاته» كانت تكشف عن عنفوان عجيب، خاصة حين كان يختبر ذاكرته ويخرج مظفرا، بل إنه كان يتوعد بالفوز في لعبة التنس على اليافعين، رغم أن سنه كان يشرف على القرن، فامجيد من مواليد 1916، وهذا يكفي لمنحه لقب «عميد مسيري الرياضة المغربية».
عانى امجيد، في نهاية حياته، من أمراض الشيخوخة، لكنه كان يداويها بالضحك، بل كان لا يتردد في الترويج لوصفة الابتسامة واعتبارها دواء ضد كل أمراض أرذل العمر، غير أن ما يعاب عليه هو رفضه التعليمات الصارمة الصادرة عن الأطباء، بل إنه نادرا ما كان يغير عاداته الغذائية، بالرغم من إلحاح زوجته «غوليت»، الفرنسية الجنسية، والتي كانت تنصحه بالتزام البيت والتقليص من أسفاره داخل الوطن وخارجه، لأن جسده لم يعد يحتمل المزيد من العناء.
تختزل غوليت الأيام الأخيرة من حياة زوجها، وتقول: «أعيش حياتي مع امجيد كأي متفرج على مباراة تنس، أتابع بنظراتي يمينا ويسارا امجيد كما أتابع الكرة الصفراء، فهو كثير التحرك داخل الوطن وخارجه، حتى في آخر أيام حياته ورغم المرض يرفض أن يتمدد على السرير، فيتمرد على تعليمات أطبائه».
تحولت زوجة مجيد إلى ممرضة، وهي تقضي الجزء الأكبر من ساعات يومها في ترتيب الأدوية الخاصة بزوجها، وقبل أن يخلد إلى النوم تذكره بتعليمات الأطباء وتتأكد من تناوله للدواء.
تسلم محمد امجيد، قبل وفاته، وساما رفيعا من يدي الملك محمد السادس، رغم أنه تسلم من يدي والده الحسن الثاني وساما رياضيا، وهي الواقعة التي انتبه إليها العاهل المغربي، وبعد أيام نال الوسام الثالث، وهذه المرة من رئيس الجمهورية السينغالية.
كان امجيد سعيدا على الرغم من المعارك التي خاضها ضد منتخبي مدينة الدار البيضاء، ومع اللاجئين الذين كان يرعاهم حين كان رئيسا لوكالة إغاثة اللاجئين (فرع الدار البيضاء)، أو من موقعه الخيري رئيسا لجمعية «دار الطالب».. كما كان سعيدا وهو يقضي أوقاتا طويلة في حي سيدي مومن، حيث ساهم في بناء ملاعب عقب أحداث 16 ماي. لذا شاءت الصدف أن يموت امجيد يوم 20 مارس في اليوم العالمي للسعادة.
نقل الرجل على وجه السرعة إلى إحدى المصحات الخصوصية بالعاصمة، هناك لفظ أنفاسه الأخيرة، قبل أن يتخذ أصدقاؤه قرار ترحيله إلى مصحة باريسية، ولأن امجيد كان يلح على أن يدفن في مقبرة البسطاء، فقد لبى أهله الوصية ودفنوا جثمانه في مقبرة «الرحمة».
في فيلا بشارع أنفا وسط العاصمة الاقتصادية، تقضي غوليت أرملة محمد امجيد ما تبقى من حياتها في هدوء، سندها أبناؤها «سفيان»، «أسماء» و«كريم»، وما تبقى من رائحة امجيد و«قفشاته» التي تستحضرها في جلساتها مع أصدقاء العائلة، لكنها وعلى الرغم من تقدمها في السن، تظل غوليت حريصة على القراءة إذ نادرا ما يفارقها «خير أنيس».
في حفل تأبين أقيم في الدار البيضاء استحضارا لروح الراحل امجيد، رفضت أرملته تقديم شهادتها على غرار شهادات رفاق دربه. فقد كانت تخفي حزنها خلف نظارتها السوداء، وتمني النفس بتنزيل وعود التأبين على أرض الواقع، خاصة حين وعد مصطفى لكثيري، المندوب السامي للمقاومة، بـ«إطلاق اسم المرحوم محمد امجيد على شارعين ومؤسستين وملاعب رياضية بكل من مدينتي الدار البيضاء ومسقط رأسه آسفي». مات الرجل دون أن يزاح الستار على لوحة من رخام عليها اسم الفقيد.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة