
للمثقف، في مخيالنا المغربي، امتياز غريب لا تمنحه الجامعات ولا تقره الدساتير: حق الإقامة فوق الواقع. هناك، في الطوابق العليا للفكر، تبدو البطالة مفهوما، والهجرة إشكالية، والفقر تمثلا والغضب المجتمعي تحولا في البنيات الرمزية. أما الناس، الذين يعيشون هذه التفاصيل يوميا، فهم، على الأغلب، منشغلون أكثر من اللازم بأقساطهم وفواتيرهم ومستقبل أبنائهم كي يدركوا الأبعاد العميقة للمأساة التي يتورطون فيها دون وعي نظري كاف.
هكذا نشأت بالتدريج نخبة لا تكتفي بتفسير المجتمع، بل تكاد تعاتبه لأنه لا يتصرف وفقا للنظريات الموضوعة لتفسيره. فإذا خرج الشباب غاضبين بحثنا في أزمة القيم، وإذا هاجروا فتشنا في انهيار السلطة الرمزية، وإذا احتج الناس على تحليل ما استنتجنا أن العامة لم تعد تقرأ. نادرا ما يخطر ببالنا الاحتمال الأبسط والأكثر إزعاجا: ربما قرأ الناس، وفهموا ثم وجدوا التحليل، ببساطة، غير مقنع.
هذا تحديدا ما يجعل بعض النقاشات الثقافية مثيرة، ليس بسبب الآراء نفسها، بل بسبب المسافة التي تكشفها بين من ينتج الخطاب ومن يعيش الواقع. وأخيرا أثار تحليل ربط حادث الهجرة الجماعية نحو سبتة بمدونة الأسرة وما اعتبره تقزيما لمكانة الأب استغرابا واسعا. وليس غريبا أن يختلف الناس حول تحليل اجتماعي، الغريب أن تختزل ظاهرة بهذا التعقيد في متغير يكاد يجعلنا نتصور أن الشباب وصلوا إلى الحدود بعدما قرؤوا مقتضيات المدونة واكتشفوا أن سلطة الأب لم تعد كما كانت.. والحال أن الهجرة نحو سبتة لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي نرى تعقيداتها.
هناك بطالة وهشاشة وتفاوت اجتماعي وشعور بانسداد الأفق وصورة متخيلة عن الضفة الأخرى، وهناك حدود لها تاريخها السياسي والأمني والجغرافي، وتحولات في المدرسة والأسرة والمدينة والقيم. أمام كل ذلك يصبح تحميل مدونة الأسرة وزرا تفسيريا مركزيا شبيها بتفسير أزمة الاختناق المروري بمواطن ركن سيارته بداية الشارع.
ليس معنى ذلك أن الأسرة خارج النقاش. الأسرة مؤسسة مركزية، وتحولاتها تؤثر في التنشئة وفي التوازن النفسي والاجتماعي.. لكن التفكير الجاد يبدأ حين نضع العامل في حجمه، لا حين نمنحه وظيفة كونية. فالواقع ليس رواية بوليسية تحتاج في النهاية إلى متهم واحد، ولا ينبغي أن تكون مدونة الأسرة ذلك المشتبه به الجاهز كلما استعصى علينا تفسير شيء.
ثم إن في المسألة مفارقة تستحق التأمل. كيف تتحول محاولة قانونية لإنصاف النساء وإعادة توزيع بعض الحقوق داخل الأسرة إلى تفسير محتمل للاحتقان الاجتماعي؟ وهل كان الاستقرار الاجتماعي القديم قائما فعلا على اتساع سلطة الأب وضيق مساحة المرأة؟ وإذا كان إنصاف طرف يؤدي بالضرورة إلى إضعاف طرف آخر، فربما ينبغي أن نسأل عن مفهومنا للسلطة داخل الأسرة قبل أن نسأل عن المدونة.
هنا تكشف الثقافة عن حيلتها الأكثر دهاء. فالذكورية ليست دائما رجلا غاضبا يرفض عمل النساء ويطالبهن بالصمت. تلك صورتها البدائية فقط. أما نسختها الأكثر تطورا فقد ترتدي بذلة فكرية أنيقة، وتستشهد بعلم الاجتماع، وتتحدث عن انهيار المرجعيات وتعيد إنتاج الفكرة القديمة نفسها بمفردات أكثر فخامة. يمكن للإنسان أن يكون تقدميا في السياسة، حداثيا في الأدب، كونيا في الفلسفة، ثم يصل إلى عتبة الأسرة فيستيقظ داخله شيخ رمزي صغير كان ينتظر دوره بهدوء.
هذا، تحديدا، ما يجعل مراجعة المسلمات أصعب من قراءة الكتب. فالمعرفة تضيف أفكارا إلى العقل، لكنها لا تمحو بالضرورة ما زرعته التربية والثقافة والامتيازات الاجتماعية. وقد يقضي المثقف عمره في تفكيك السلطة في الدولة والمؤسسة والدين، ثم يشعر بالقلق حين تصل أدوات التفكيك نفسها إلى السلطة داخل البيت.
لكن المشكلة الأعمق ليست في الذكورية وحدها، بل في علاقة بعض النخب بالمجتمع. ثمة خطاب ثقافي يتصرف أحيانا كأنه يمتلك الحقيقة بالتقادم. صاحب الرصيد الفكري الطويل لا يقدم فرضية، بل يكاد يصدر بلاغا معرفيا. وإذا اعترض الجمهور، لا تصبح الفرضية موضع مراجعة، بل يصبح الجمهور نفسه موضوع تشخيص: شعبوية، سطحية، انفعال، أزمة قراءة، انتصار مواقع التواصل.
هكذا يصبح المثقف اللاعب والحكم ولجنة الاستئناف. يقول الفكرة، ويحدد معناها، ويقرر مستوى ذكاء من يعترض عليها ثم يكتب لاحقا عن تراجع النقاش العمومي.
والحال أن النقاش العمومي لا يتراجع حين يعترض الناس على النخبة، بل ربما يبدأ عند تلك اللحظة بالضبط. فالمثقف ليس كاهنا، والكتاب ليس صك عصمة والرصيد المعرفي لا يمنح صاحبه حق احتكار تفسير المجتمع. وظيفة النخبة أن توسع الأسئلة لا أن تضيق الواقع حتى يمر من ثقب أطروحتها.
نحن لا نحتاج إلى مثقف أقل عمقا، بل إلى مثقف أقل افتتانا بعمقه. مثقف يعرف أن الحديث عن البطالة قد يحتاج أرقاما قبل الاستعارات، وأن الهجرة تحتاج سياسات قبل المراثي، وأن أزمة الشباب لا تعالج باستدعاء أب فقد بعض امتيازاته القانونية.
فأخطر ما يصيب النخبة ليس أن تخطئ، الخطأ قابل للتصحيح، الأخطر أن ترتفع طويلا فوق المجتمع حتى يصبح صوت الناس القادم من الأسفل مجرد ضجيج. عندها تستمر في إنتاج الخطابات ذاتها، بالمفاهيم ذاتها واليقين ذاته، بينما يتغير العالم تحت شرفتها.





