
في أعقاب اجتماع جنيف الذي أشرفت عليه منظمة الأمم المتحدة، بحضور أطياف المشهد الصحراوي المغربي وفئة من الانفصاليين القاطنين في مخيمات تيندوف. دخلت قضية الصحراء منعرجا آخر، حين تدخلت المملكة العربية السعودية معلنة استعدادها للقيام بمساعي حميدة لنزع فتيل الصراع في المنطقة.
في ربيع عام 1990، عقد اجتماع ثان، هذه المرة في المملكة العربية السعودية، بين أبناء الصحراء المغربية، الذين فرقتهم حرب مفتعلة، افتعلتها الجزائر وأصرت على استمرارها عبر تحريف التاريخ، وترويج الدعاية المضللة، وتبديد مليارات الدولارات النفطية، بمساهمة من جماهيرية القذافي.
يمكن مقارنة مدينة الطائف الجبلية، بمدينة إفران في المغرب، مع تسجيل غياب غابات الأرز والينابيع، لكنها قبلة لهواة الاصطياف الجبلي، كما تشتهر بلقب “عروس المصايف” وتعرف عالميا بزراعة الورد الطائفي.
ترأس وفد الأقاليم الجنوبية كاتب هذه السطور، بينما ترأس وفد مخيمات تندوف رئيس ديوان وزير الداخلية الجزائري، الهادي الخضيري. وللمرة الأولى، امتنع ممثل الجزائر، عمار، عن التدخل في المناقشات، في موقف حيادي غير مألوف بين العملاء الجزائريين، الذين غالبا ما يسارعون إلى التدخل في غير وقته أحيانا.
عرف لقاء الطائف حضور وفد هام جاء من المغرب وهو في أتم الاستعداد لمواجهة الانفصاليين بالحجج والبراهين، يتكون من خطري الجماني، رئيس الجمعية الصحراوية سابقا، لاراباس ماء العينين، رئيس محكمة الاستئناف بالعيون آنذاك، الدكتور محمد الشيخ بيد الله، برلماني، تقي الله ماء العينين، برلماني، أحمد سالك بيروك، أحمد البشير، كان عضوا في الكورتيس الإسباني سابقا، التامك محمد مبارك، أبريك الزروالي، برلماني، أب خالد الزروالي الوالي، مدير الهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية حاليا، محمد سالم خطري الجماني، وطبعا كنت حاضرا بصفتي مديرا للشؤون العامة بوزارة الداخلية، نظرا لما راكمته من تجارب في ملف القضية الوطنية.
خلال الأيام الثلاثة الأولى من اجتماع الطائف، الذي استمر حوالي عشرين يوما، أتيحت للطرفين فرصة جس النبض دون اتصال مباشر حقيقي، لدرجة أن تبادل التحية “السلام عليك” كان سائدا بين الإخوة أو أبناء العمومة، الذين فصلتهم مؤامرة دنيئة، حبكت ضد وحدة وطنهم المشترك، وبينما كان أعضاء وفد الأقاليم الجنوبية منفتحين على بدء المناقشات، ظل ممثلو البوليساريو بعيدين ومتصلبين، مثل رئيس وفدهم، عبد القادر ولد طالب عمر، الذي كان معتكفا بشكل دائم في غرفته، ونادرا ما يظهر في ممرات الفندق، ووجهه مستتر خلف عمامة سوداء قاتمة ونظارات داكنة للغاية، مما جعله يبدو وكأنه “مناصر حقيقي لتنظيم داعش”.
مع مرور الأيام انتابت مندوبي البوليساريو نوبة المغادرة، فانسحبوا تدريجيا من دائرة النقاش، واختاروا نسف العلاقات الدبلوماسية.
كان الملك الحسن الثاني رحمه الله يتابع نبض لقاء الطائف بكل تفاصيله، وبعد فشل الحوار اقتنعت جل الأوساط المتابعة للقضية الوطنية بأن الخلاف والصراع ليس مع شباب تمرد وانفصل، لكن للأسف مع دولة شقيقة.
لقد تبين للقيادة السعودية أن الجزائر تمسك بتلابيب البوليساريو وتمنعها من ركوب صهوة السلم، بينما تفهم المغرب الدور الكبير الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في دعم مغربية الصحراء، وجهودها لقطع الطريق على المناورات السياسية التي تقودها الجزائر وصنيعتها البوليساريو، منذ مشاركة المملكة العربية السعودية بوفد رسمي في المسيرة الخضراء ومساندة المغرب في استرجاع الأقاليم الصحراوية من الاحتلال الإسباني سنة 1975، إلى عقد لقاء الطائف، إضافة للقاء الحدودي، شهر ماي 1987، حين تقرر عقد لقاء بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، بوساطة من ملك السعودي فهد بن عبد العزيز، على خط الحدود بين البلدين، وكنت ضمن اللجنة المنظمة وهي لجنة مختلطة تضم مغاربة وجزائريين، عهد إليها بالإشراف على هذا اللقاء التاريخي، الذي يسعى من ورائه الملك فهد إلى تذويب جليد الخلاف بين البلدين.
تحت شعار الصحراء في وطنها الأم، سعى أبناء الصحراء جاهدين للتفاهم مع أبناء عمومتهم لفض النزاع، لكن رابطة الدم لم تمنع من انجذابهم للطرح الانفصالي، وأصبحوا رعاة للفكر الطوباوي، قبل أن يعلن الكثير منهم توبة نصوحا ويعلنوا العودة إلى وطن رحيم بأهله.





