
خلال إقامتنا في أديس أبابا، وعلى امتداد أيام مؤتمر “الوحدة الإفريقية” أتيحت الفرصة لأعضاء الوفود الإفريقية لمعاينة حجم تقدير الرفاه الحقيقي والفعال والحرية والديمقراطية التي يتمتع بها المغاربة في بلادهم، تحت حكم ملك البلاد المرحوم الحسن الثاني، الذي كان ولازال الجميع يشهد له بنباهته السياسية.
انتهى المؤتمر وتبين أن ملف الصحراء لن تنهيه لقاءات زعماء أفارقة منهم من له استعداد فطري لبيع مبادئه والارتماء في أحضان الجزائر بمقابل مادي.
خلال تسعينيات القرن الماضي، انعقدت سلسلة من اللقاءات والحوارات المباشرة بين أبناء الصحراء المغربية، بهدف إرساء مناخ من التفاهم بين المواطنين الذين تجمعهم روابط عرقية وعائلية وتاريخية بالوطن نفسه.
تزامن بدء هذه السلسلة من اللقاءات مع دخول بعثة الأمم المتحدة على الخط في قضية الصحراء المغربية، ومنذ توليها إدارة النزاع بشأن الصحراء رسميا سنة 1988، قامت منظمة الأمم المتحدة باقتراح عدة مشاريع تسوية واتخذت العديد من القرارات والإجراءات الميدانية، على الرغم من صعوبة وتعقيد النزاع، نظرا لتضارب وجهات نظر الأطراف المعنية، وتعنتها في بعض الأحيان وإصرار الجزائر على لعب دور الداعم للانفصال، الساعي إلى خلق مشاكل لجاره الغربي، وحين قررت المنظمة أسلوب الاستفتاء كوسيلة فعالة لفض النزاع عادت حليمة إلى عادتها القديمة.
لكن القضية خرجت عن اختصاص منظمة الوحدة الإفريقية، بعد الزلة التي ارتكبها إيديم كودجو، الأمين العام آنذاك للمنظمة، عام 1984. فقد دبر هذا المسؤول السابق في المنظمة الإفريقية، بالتواطؤ مع الحكومة الجزائرية، دخول جبهة البوليساريو لمنظمة “الوحدة” الإفريقية بطريقة احتيالية، وهو قبول كان، على ما يبدو، برشوة مفضوحة.
أثناء ولايته، أدخل الطوغولي إيديم كودجو جبهة “البوليساريو” والكيان الوهمي كعضو في منظمة الوحدة الإفريقية، مما دفع المغرب لاتخاذ قرار تاريخي بمغادرة المنظمة احتجاجا على هذا الإجراء الذي اعتبره المغرب حينها خرقا قانونيا وتجاوزا لميثاق المنظمة.
حين تسلمت منظمة الأمم المتحدة ملف الصحراء، وسحبته من منظمة “الوحدة” الإفريقية، سيعقد أول اجتماع بين أبناء الصحراء المغربية في مقر الأمم المتحدة بجنيف، وجمع وفودا من الأقاليم الجنوبية وأخرى من معسكرات تندوف، برئاسة الممثل السويسري الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الصحراء. وضم الاجتماع نحو مئة عضو، من بينهم شيوخ وأعضاء من المجتمع المدني وممثلون عن القبائل والزوايا الدينية.
حل الوفد المغربي بسويسرا، الذي رافقته، إلى جنيف حيث قضينا ثلاثة أيام، بدعوة من الأمم المتحدة. وخلال هذه الجلسات الثلاث المنفصلة للاستماع والمناقشات، التي عقدت مع الأطراف المعنية وبإشراف من موظفي الأمم المتحدة، برئاسة جوهانس مانز السويسري، حيث كانت مجموعة من العملاء الجزائريين تحيط بالوفد القادم من معسكرات تندوف، تحت رقابة مشددة وممنوعة من التصرف دون موافقة قيادتهم ومن يصدرون الأوامر. ولذلك، اضطر الوفد المغربي لمواجهة تجاوزات جبهة البوليساريو وادعاءاتها وأكاذيبها، بالإضافة إلى التدخل غير المناسب للمخابرات الجزائرية التي كان يحاول أفرادها التلاعب ببعض المتعاونين مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. وعلى الرغم من كل هذه المناورات، اختتمت اجتماعات جنيف بنجاح باهر لمهمة الوفد المغربي. في الواقع، وللمرة الأولى، أقر البيان الصحفي الصادر في ختام الاجتماعات عن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بأوضح العبارات الممكنة بأن شرائح كاملة من السكان المنحدرين من الصحراء المغربية لم تدرج في التعداد السكاني الإسباني لعام 1974. أكد هذا الاعتراف الصريح والواضح من الأمم المتحدة الموقف المغربي وعززه ببيان رسمي.
كان الهدف من هذا الاعتراف الصريح والواضح من الأمم المتحدة هو تأكيد وتعزيز الموقف المغربي القائل بأن مئات العائلات الصحراوية لم تدرج في التعداد الذي أجرته إدارة الاحتلال الإسباني. ولذلك، كانت التوضيحات والأدلة التي قدمها الوفد المغربي كافية لإقناع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بعدم دقة تعداد عام 1974، الذي لم يحص الصحراويين الحقيقيين الذين فروا جماعيا هربا من البلاد في مواجهة حملات القمع والاضطهاد.
واستندت الدفوعات المغربية إلى عملية “إيكوفيون” سيئة الذكر، وهي غارة عسكرية مشتركة شنتها الجيوش الفرنسية والإسبانية لوقف التقدم البطولي لجيش التحرير المغربي. سعت عملية “إيكوفيون” إلى قمع كل أشكال النضال الوطني للقبائل الصحراوية التي كانت تسعى من أجل تحرير أراضيها وعودتها إلى حضن الوطن.
ولا تزال هذه المعارك الوطنية تدور اليوم، بعزيمة وإصرار، من قبل القبائل الصحراوية نفسها ضد المتمردين الانفصاليين وضد مناورات من يعارضون وحدة المملكة.





