
يونس جنوحي
المعاهد العليا تجري آخر التسخينات لاستقبال الطلبة الجدد. الأسابيع الأخيرة غالبا ما تكون محمومة، خصوصا وأن آلاف الأسر المغربية هذه الأيام تنفق مدخراتها على مراكز الإعداد لاجتياز المباريات.. عالم آخر ينتظر الناجحين في البكالوريا لم يتم إعدادهم له نهائيا.
الأمر أشبه بإلقاء فراخ البط في حافة النهر، بجوار الشلال مباشرة، على اعتبار أنهم يعرفون السباحة بالفطرة!
أما المعاهد الخاصة، فتنتظر الذين لم يحالفهم الحظ، والحالمين، لكي تستقبلهم بحفاوة بعد أداء رسوم التسجيل، والتوقيع على العقود التي يتطلب فهمها التخصص أولا في القانون، قبل ولوج الدراسة العليا.
هل من الصدفة في شيء أن النقاش حول معادلة الشهادات العليا المحصل عليها في أوروبا الشرقية، لم يعد محط اهتمام عمومي؟ بالكاد خرج «ضحايا حرب أوكرانيا» من صدمة «حادث الدراسة»، الذي دهس مسارهم، بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لكي نستيقظ على أفواج جديدة من الطلبة المغاربة الراغبين في متابعة دراستهم العليا في بلدان أوروبا الشرقية، خصوصا في ميدان الطب والصيدلة وطب الأسنان.. من يحمي حقوق هؤلاء الطلبة؟
إن آخر عهد هؤلاء ببلدانهم يتوقف عند حي السويسي الهادئ.. يحتفظون بذكريات مشتركة عن سيارات الأجرة الزرقاء في مدينة الرباط، والأزقة الخالية من الحياة، والتي تحمل أسماء مقاومين قدامى ومناطق منسية في الجنوب الشرقي. على جنباتها تنتصب القنصليات والسفارات الأجنبية، وأمامها تماما يقف الشبان المغاربة في طوابير لوضع ملفاتهم قصد استخراج التأشيرة.
شريحة أخرى لا ينتبه إليها أحد. أبناء المغرب المنسي، شمالا وجنوبا، القادمين من القرى والمداشر لوضع ملفات الترشيح لدى إدارات مؤسسات لم يسبق لهم أن سمعوا بها، إلا في نشرات الأخبار. آلاف التلاميذ الحاصلين على معدلات مشرفة يغامرون للوصول إلى الرباط، في رحلات أقصرها تتجاوز ثماني ساعات، ومنهم من يركب الحافلة لأول مرة في حياته، لوضع ملفات الترشيح «يدويا» – في زمن الرقمنة يا حسرة- لدى المكاتب الخلفية للمؤسسات والمعاهد العليا، ثم يعودون أدراجهم إلى الدوار، في انتظار الإعلان عن اللوائح الأولية، لكي يعودوا مرة أخرى لاجتياز المباريات.
وهؤلاء تحديدا، يفكرون في طلب الحصول على المنحة ورسوم التسجيل في الحي الجامعي أكثر مما يفكرون في اللوائح النهائية.
بعض فعاليات المجتمع المدني تقترح توفير التنقل للطلبة النوابغ الذين شرفوا مناطقهم النائية، وتتكفل بنقلهم من المغرب الشرقي، أو تخوم الأطلس، إلى الرباط والدار البيضاء لاجتياز المباريات.. وسنويا، يكون هؤلاء المتطوعون شهودا على «دراما» حقيقية، سببها تعقيد مساطر الإدارة، واختبار صبر العائلات والتلاميذ معا..
الحصول على البكالوريا حلم جميع العائلات المغربية. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت العائلات تمر بمحن نفسية حقيقية في انتظار النتائج. حتى أن قصة طريفة، والعهدة على من روى، تلخص فرحة أولياء الأمور وأهمية نجاح أبنائهم، عندما اتجه أب إحدى التلميذات الناجحات بميزة مشرفة إلى مقر جماعة «الدوار» لاستخراج عقد الازدياد، قبل السفر إلى الرباط للتسجيل في أحد المعاهد. سألته الموظفة عن «الميزة» التي حصلت عليها ابنته المتفوقة، وأجاب دون تفكير: «نجحت مع توصية بالنشر».
«النشر» الحقيقي، ذاك الذي يحول بين شباب المغرب والتكوين الأكاديمي بعد البكالوريا، إذ إن الغالبية ممن يفتقرون إلى التوجيه، يُنشرون في التكوين الخطأ لسنوات، ليكتشفوا أن «غابة» استثمار الشهادات في المغرب، تحتاج وحدها إلى تكوين ومسار دراسي خاص.. وهذه قصة أخرى بطبيعة الحال.





