من مخزني بسيط في دار الحاجب إلى “قايد الفراش” على يمين السلطان
سيرة الوزير المنبهي المخزني الدي خلد إسمه في وزارة الحرب

مهمة أصحاب الفراش، الذين أصبح المهدي المنبهي رئيسا لهم في السنوات الأخيرة من حياة المولى الحسن الأول المتوفى سنة 1894، “تنظيف محل السرير الملكي، والفراش، وجعل الكرسي في المحل الذي يؤمرون بوضعه فيه، وتحويله للمحل المعد له وقتما نهضت عنه الجلالة المولوية
يونس جنوحي
متى دخل المهدي المنبهي رسميا إلى القصر الملكي؟
عندما انتقل المخزني الشاب إلى فاس، قادما إليها من مراكش، كان في الحقيقة يلحق بموكب سيده “باحماد”. انتقل من الخدمة في دار مراكش إلى دار فاس، ولم تكن قد أوكلت إليه أي مهام ذات أهمية. بل كان مجرد “مخزني” بسيط، من جملة المخازنية الذين يوضعون رهن إشارة الحاجب لتنظيم استقبال الضيوف والسُخرة وغيرها من الاعمال المنزلية وتأمين دار حاجب السلطان.
فرصة واحدة فقط!
بعكس ما قد يتوقعه المتتبع لحياة المهدي المنبهي، فإن الرجل لم يحظ باهتمام الحاجب “باحماد” إلا بعد أن أصبح خارج داره، وليس عندما كان واحدا من المخازنية التابعين له.
ما وقع أن المهدي المنبهي، حاز على منصب بسيط في القصر الملكي. تقرر أن يُنقل من دار باحماد في فاس، إلى القصر الملكي، في إطار تنقيلات المخازنية وإعادة ترتيبهم في خدمة المخزن. وهذا الانتقال، كان في يوم مشهود من حياة المهدي المنبهي. فُتح فصل جديد من حياته، وأغلق الباب وراء ماضيه لتنتهي مرحلة “البؤس”..
يحكي الباحث المغربي الصديق الروندة، وهو سليل عائلة جمعت بين العلم والمناصب، عن جوانب من حياة الوزير المهدي المنبهي، مستندا على أرشيف غني خلّفه محمد الروندة، الذي عاصر مرحلة وفاة المولى الحسن الأول وانتقال السلطة إلى ابنه المولى عبد العزيز. استثمر الصديق الروندة، هذا الأرشيف، وألف كتابا عن حياة المهدي المنبهي، تتقاطع الكثير من تفاصيله مع أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، حيث عاصر جل مسؤوليها المهدي المنبهي بعد 1901، بل وربطوا معه اتصالات متينة. ومن جملة ما جاء في كتاب الصديق الروندة عن المهدي المنبهي في مرحلة بداياته:
“درس ما يجري حوله، فوجد أن المناصب لا تُسند لعلم غزير، أو مال وفير، ولا لجاه مكتسب، أو منصب موروث، بقدر ما يعتمد في التعيين لها، والارتقاء في مدارجها على الفرص المنتهزة، والسلوكيات المواربة، والمواقف المداهنة. وقناعته باستنتاجاته، قادته إلى التربص، واقتناص الفرصة كلما سنحت، وصيد الهمزة كلما عُرضت”.
وفي حالة المنبهي، لم تعرض الفرصة إلا مرة واحدة فقط! واقتنصها بمهارة.
الانتقال إلى القصر الملكي، مهد للمهدي المنبهي الولوج إلى عالم المولى الحسن الأول، وتعرف على أصغر أبنائه، المولى عبد العزيز.
المرجح أن يكون المهدي المنبهي قد انتقل إلى القصر الملكي في فاس بعد 1885. كان من جملة مخازنية القصر، لكنه أبان عن مهارات في الاندماج السريع وسط دار المخزن، وسرعان ما انتبه إليه القائمون على الخدمة، وانتبه إليه أيضا محيط السلطان، لنباهته وسرعة بديهته، فأسندت إليه مهمة “قايد الفراش”، وهي وظيفة مخزنية تجعل من يمارسها قريبا من السلطان، إذ يصبح مكلفا بتدبير الأثاث والرحلات السلطانية. ويعمل تحت إمرته مخازنية يسمون “صحاب الفراش”، وهم المكلفون بنقل أثاث السلطان في سفرياته، وإعداد مكان جلوسه، ونقل الأوراق والوثائق والمخازن، بينما مفاتيحها، تكون في حوزة “قايد الفراش”، أي المهدي المنبهي.. ومن هنا بدأ المنبهي في إعداد نفسه لكي يحظى بمنصب مخزني متقدم.
قريبا من السلطان
بحسب ما أقره المؤرخون المغاربة، خصوصا المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان في مؤلفه “العز والصولة”، فإن مهمة أصحاب الفراش، الذين أصبح المهدي المنبهي رئيسا لهم في السنوات الأخيرة من حياة المولى الحسن الأول المتوفى سنة 1894، “تنظيف محل السرير الملكي، والفراش، وجعل الكرسي في المحل الذي يؤمرون بوضعه فيه، وتحويله للمحل المعد له وقتما نهضت عنه الجلالة المولوية، وطي الفراش والاحتفاظ بكل ما يوجد بالمحل وقت الاشتغال، فإذا تمت الأشغال المنوطة بهم داخل القصر وخارجه رد كل ما وجد في المحل الذي كان فيه. وليس لهم أن يضعوا شيئا في غير الموضع الذي كان به ووضع الشموع في الثريات وقت إرادة إيقادها وخدمة جلالة السلطان وقت جلوسه على العرش لإصدار الأوامر وتدبير شؤون المملكة. فيجلس أصحاب الوضوء في صف على اليسار، ويجلس أصحاب الفراش في صف على اليمين إلى قيام جلالة السلطان. وهذه هي الأعمال المنوطة بهم في الحضر. أما في السفر فيقومون بفرش القبة الملكية التي تنصب داخل الفسطاط..”.
أصبح المهدي المنبهي إذن على يمين السلطان، بعد أن كان مجرد مخزني بسيط في دار الحاجب باحماد. وإلى حدود تعيين المنبهي في منصب “قايد الفراش” لم يكن باحماد قد انتبه إليه رغم أنه قضى سنوات في الخدمة في قلب داره بمراكش، ثم في فاس.
حكى المهدي المنبهي، لأحد موظفي المفوضية البريطانية في طنجة الدولية سنة 1907، واسمه “توماس فينس”، عن علاقته بالمولى عبد العزيز، وقد نقل السيد فينس شهادة المهدي المنبهي في مراسلة إلى وزارة الخارجية في لندن يشرح فيها التطورات السياسية في المملكة الشريفة، سنة واحدة قبل مغادرة المولى عبد العزيز السلطة. وقد جاء في التقرير: “المهدي المنبهي، رغم أنه وزير متقاعد، ولم يعد لديه تأثير في الفعل السياسي، إلا أنه مدرك جيدا لتطورات الساحة المغربية، ويعرف دواعي قرارات السلطان. وقد أخبرني شخصيا أن علاقته بالسلطان تعود إلى مرحلة طفولة المولى عبد العزيز، مؤكدا أنه نشأ معه في القصر الملكي، ورافقه منذ نعومة أظافره، ويعرف طلباته قبل أن يعبر عنها. وأكد للدبلوماسيين في حفل عشاء، أن قرارات المولى عبد العزيز ليست مزاجية، وإنما تحكمها خلفيته وتكوينه الديني الذي تلقاه في القصر”.
بانتقال المهدي المنبهي، في السنوات الأخيرة من فترة حكم المولى الحسن الأول إلى خدمة الخدمة على يمين السلطان، سوف ترتفع أسهمه، ويصبح أحد الوجوه التي تؤثث المشهد العام للسلطة، ليترقى بعد ذلك بهدوء..




