الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

نحن وياسر عرفات قصص زيارات سرية وأزمات سياسية حُلت بالرباط

 

الرحلات المكوكية التي قام بها ياسر عرفات إلى الرباط لا يمكن أن تُحصى.. بين الرسمي منها والزيارات الودية التي حملت طابعا شخصيا، سُجلت تفاصيل كثيرة في تاريخ القضية الفلسطينية. وفي عز الأزمات، فوجئ وزراء خارجية ورؤساء دول عربية، بوجود ياسر عرفات إلى جوار الملك الراحل الحسن الثاني أثناء استقبال هذه الشخصيات في المغرب، وبعضهم لم يكونوا على وفاق مع ياسر عرفات.

في جنازة الملك الراحل الحسن الثاني في يوليوز 1999، كان ياسر عرفات في مقدمة من حضروا لإلقاء النظرة الأخيرة، وتوديع الملك، وكان واقفا أيضا إلى جوار الملك محمد السادس، في إشارة قوية إلى مستقبل العلاقات التي تربطه شخصيا بالمغرب. وهو ما تأكد من خلال الصورة الشهيرة للاستقبال الذي حظي به من طرف الملك محمد السادس.

ياسر عرفات والمغرب، قصص تستحق أن تُروى.

 

 

يونس جنوحي

 

عندما تجول محمد الخامس في القدس

أول دعم سياسي تلقاه الفلسطينيون من المغرب، كان عندما زار الملك الراحل محمد الخامس مدينة القدس، وصلى في المسجد الأقصى. كان لتلك الزيارة التي يعود تاريخها إلى سنة 1960، وقتها وقع دولي كبير، أعلن خلالها المغرب دعمه للقضية الفلسطينية.

الملك الراحل محمد الخامس كان مرفوقا في تلك الزيارة بملك الأردن، عندما زار قبة الصخرة والمسجد الأقصى وبعض مناطق البلدة القديمة في القدس، حيث يوجد باب المغاربة.

نقلت كل وسائل الإعلام الدولية خبر زيارة الملك الراحل محمد الخامس إلى القدس، وكان واضحا أن تلك الزيارة لم تكن مجرد مجاملة سياسية، وإنما موقفا رسميا للمغرب من القضية الفلسطينية في وقت مبكر جدا، خصوصا أن الزيارة ركزت على تفقد المناطق التي تحمل رمزية دينية.

كان الملك الراحل محمد الخامس معروفا في الأوساط الدولية بالمجهودات الكبيرة التي بذلها لحماية اليهود في عز الحرب العالمية الثانية. وهذا ما أكسب زيارته إلى الأراضي الفلسطينية سنة 1960 أهمية كبيرة، وتابعتها كبريات المنابر الإعلامية في أوروبا والولايات المتحدة، على اعتبار أن موقف الملك الراحل من القضية الفلسطينية كان مهما جدا، بحكم المساعدات الإنسانية التي قدمها سابقا، للحيلولة دون تعميق معاناة اليهود عندما كانوا ضحايا للحرب العالمية الثانية.

هذا الموقف الملكي الإنساني الذي أبان عنه الملك الراحل محمد الخامس، زاد من إبراز شرعية القضية الفلسطينية عندما تبناها الملك الراحل محمد الخامس.

قبل زيارة الملك الراحل محمد الخامس إلى القدس، كان قد استضاف فلسطينيين في المغرب، واستقبلهم في القصر الملكي منذ سنة 1957، ومنحهم حق الإقامة في المغرب، بعد نكبة 1948. أحد هؤلاء الفلسطينيين، هو الدكتور عمار الحياينة، وقد زار المغرب في ربيع سنة 1958، رفقة مثقفين فلسطينيين آخرين نزحوا من بلدهم بعد حملة الترحيل. وحكى هذا الدكتور في مذكراته التي نُشرت سنة 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية التي توفي بها، عن تجربة لقائه مع الملك الراحل محمد الخامس. يقول: «وصلنا إلى الرباط ليلا، ووجدنا في المطار وفدا رفيعا من موظفي القصر الملكي، واقتادونا فورا إلى أفخم فندق في المدينة. ومع تمام العاشرة صباحا، جاء اتصال إلى الفندق، من موظف في التشريفات الملكية، يطلب منا الاستعداد للانتقال من الفندق إلى القصر الملكي، لكي يستقبلنا جلالة الملك.

وجدناه شخصا بشوشا واستقبلنا بحفاوة كبيرة. وأول ما سألني عنه، وضع الفلسطينيين والأحوال المعيشية والاقتصادية هناك. بعد حديث دام قرابة ساعة ونصف الساعة، دعانا لكي نتناول معه وجبة الغداء، وشملنا برعاية كبيرة، وأكد لنا أن المغرب مفتوح أمامنا لمن أراد أن يستقر بين المغاربة، وعندما علم منا أن أغلبنا – كنا في ذلك اليوم 15 فلسطينيا- يشتغلون في التدريس وحاصلون على دبلومات عليا في العلوم والآداب، عرض علينا جلالته أن نشتغل في التدريس في المغرب. وقبل أن ننصرف رفع جلالته أكف الدعاء، في جو من الخشوع والرهبة، وأخبرنا في نهاية اللقاء معه أن حلمه أن يؤدي الصلاة في المسجد الأقصى».

لم تمض إلا سنتان، حتى زار الملك الراحل محمد الخامس المسجد الأقصى فعلا، بينما كان الدكتور الحياينة على موعد مع السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن تلقى عرض عمل هناك، واختار كثير من المثقفين الفلسطينيين الانتقال إلى بريطانيا والولايات المتحدة. صاحب هذه المذكرات، حقق مسارا علميا في الولايات المتحدة، وتقاعد في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وبقي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن توفي بها سنة 1996.

 

 

أكثر من نصف قرن من المد والجزر بين الرباط ورفاق عرفات

عندما انكشف مخطط الجزائر سنة 1978، والذي كان يرمي إلى تنظيم هجوم مسلح على موكب الملك الراحل الحسن الثاني، ظهر أن أحد الذين استعانت بهم الجزائر لتنفيذ المخطط، كان من أبرز نشطاء حركة التحرير الفلسطينية.

ورغم أن ياسر عرفات كان دائم الحضور في المغرب، سواء في اللقاءات الرسمية أو الأخرى الودية، إلا أن بعض الذين يشتغلون تحت إشرافه كانت لهم تطلعات سياسية أخرى.

تفاصيل هذا الموضوع تعود إلى النصف الأخير من السبعينيات، عندما فكر هواري بومدين، الرئيس الجزائري الأسبق، في زعزعة الاستقرار السياسي في المغرب، وبدأ يخطط لإرسال «كوموندو» مكون من عدد محدود جدا من الأفراد حتى لا يُلفتوا الانتباه إليهم، ويتسلل معهم «كارلوس» الملقب في الصحافة الفرنسية بـ«ابن آوى» للإشراف على العملية.

كارلوس هذا، مواطن من أمريكا اللاتينية، لكنه في سنوات السبعينيات كان الرجل المطلوب على الفور من الأمن الفرنسي، بسبب تورطه في عملية تفجير في فرنسا راح ضحيتها مدنيون. وكارلوس، كان يعلن انتسابه إلى منظمة التحرير الفلسطينية، حيث لقي تدريبا مكثفا على استعمال السلاح، وكان مشهورا في الصحافة الدولية عندما تخلى عن أسرته ووطنه الأم، وقرر الانتساب إلى المقاومة الفلسطينية وعيش حياة الثوار على طريقة «غيفارا».

لكن «كارلوس» تورط في أواسط السبعينيات في قضية اختطاف طائرة وزراء النفط، ونزل بها في الجزائر، واستقبله عبد العزيز بوتفليقة الذي كان وقتها وزيرا للخارجية، وتعهدت الجزائر بالوساطة في التفاوض مع من كان المجتمع الدولي يرى فيهم إرهابيين، خصوصا أنهم أعلنوا مسؤوليتهم عن عمليات استهدفت مواطنين أوروبيين.

ثمرة هذا التفاوض، كانت إقامة علاقة مباشرة بين «كارلوس» والرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، وهو ما جعل الأخير يطلب منه مباشرة الإشراف على عملية استهداف موكب الملك الراحل الحسن الثاني في المغرب.

ورغم انكشاف خيوط المخطط الذي لم يُطبق أبدا، إلا أن الملك الراحل الحسن الثاني لم ينزعج من صديقه ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، علما أن أصدقاء «كارلوس» كانوا في أغلبهم أعضاء في هذه المنظمة.

منذ بروز اسم ياسر عرفات في فبراير 1969، عندما تولى رئاسة المجلس التنفيذي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو يحل ضيفا دائما على الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان يضع القضية الفلسطينية على رأس قائمة اهتماماته. وهو ما كلف الملك الراحل صداقات كثيرة مع رؤساء عرب، اتضح في الأخير أنهم ينظرون إلى القضية الفلسطينية بمنظور «المكاسب السياسية» التي يرجون حصدها. وهذا ما جعل ياسر عرفات يلجأ في مرات كثيرة إلى الملك الراحل الحسن الثاني طلبا للمعونة، بعد أن رده أغلب هؤلاء الرؤساء خائبا.

 

 

الرباط.. البيت الثاني لياسر عرفات

كان مشهد ياسر عرفات في ذلك اليوم القائظ من أواخر يوليوز 1999، وهو يمشي ببطء، بخطوات شبه عسكرية، وراء نعش الملك الراحل الحسن الثاني، منقولا على كل شاشات العالم. كان موقعه في الجنازة، ترجمة للمكانة الكبيرة التي كان يشغلها في المغرب، حتى بعد وفاة الملك الراحل.

رحلات ياسر عرفات إلى الرباط، قبل أن يُفرض عليه الحصار في سنوات حياته الأخيرة، لم تتوقف حتى في أحلك الأزمات التي مرت بها القضية الفلسطينية، فقد كان يجد دائما دعما ماديا ومعنويا من الملك الراحل الحسن الثاني، وكانت لديه صداقات متينة مع أصدقاء مغاربة، كان على رأسهم الدكتور عبد الكريم الخطيب.

بل حتى في عز الأزمة التي تفجر فيها وجود علاقة بين قادة البوليساريو وبين بعض قادة حركة التحرير الفلسطينية، بداية ثمانينيات القرن الماضي، لم ينقص الأمر من «حظوة» ياسر عرفات لدى الملك الراحل.

وحسب ما كشفته وثائق «ويكيليكس» التي رُفعت عنها السرية أواخر سنة 2012، وتسبب تسريبها في نشر «قنابل» سياسية كبيرة عبر العالم، فإن ياسر عرفات لجأ إلى الملك الراحل الحسن الثاني في مناسبات كثيرة، أبرزها محطتان كشفتا الدور الكبير الذي لعبه المغرب في دعم ياسر عرفات في أحلك الظروف.

فقد حدث سنة 1974، أن تخلى كل من صدام حسين وحافظ الأسد، ومعهما العقيد القذافي عن دعم ياسر عرفات، ورفض الثلاثة تمكينه من دعم مالي مهم لدفع أجور الموظفين في الضفة الغربية وغزة، وكان ينتظر الفلسطينيين شتاء قاس جدا في تلك السنة. كان صدام حسين قد اعتذر لياسر عرفات، مخبرا إياه أنه بصدد الدخول في صفقة سلاح، ونصحه بالتوجه إلى الخليج للحصول على ما يحتاجه، بينما حافظ الأسد، طلب منه إرجاء طلبه قليلا. أما القذافي، حسب ما حكاه ياسر عرفات نفسه، فقد جعله يُحس بالإهانة.

لكنه عندما لجأ إلى الملك الراحل الحسن الثاني، قادما إلى الرباط على متن طائرة مغربية أرسلها الملك الراحل خصيصا لتقله مباشرة إلى العاصمة المغربية، ومنها عبر مروحية إلى إفران، حيث كان الملك الحسن الثاني يقضي عطلة قصيرة، لُبي طلبه على الفور.

حسب ما كشفته وثائق «ويكيليكس»، فإن ياسر عرفات اشتكى للملك الحسن الثاني من إهانة تلقاها على يد معمر القذافي. فهذا الأخير رفض أن يدفع دعما ماليا سبق أن وعد به ياسر عرفات، وقال له إنه مستعد لدعمه بالأغطية وعبوات للمياه والمواد الغذائية، وليس المال. بينما كان ياسر عرفات يحتاج إلى السيولة، لدفع الأجور والإبقاء على الحياة الاقتصادية فوق خط الخطر.

وفي أواخر سنة 1974، بالضبط في شهر نونبر، عقدت القمة العربية في الرباط، بحضور جميع الدول العربية، وكان من أبرز نتائج أشغالها، الاعتراف بأن الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني هو منظمة التحرير الفلسطينية. ولولا تدخل الملك الراحل الحسن الثاني وقتها، لما تحقق هذا الاتفاق تحت سماء مدينة الرباط.

أما الزيارة الثانية فقد كانت سنة 1984، بعد أن فشل ياسر عرفات مرة أخرى في الحصول على دعم من الدول العربية الجارة. وكان وقتها مشكل اللاجئين الفلسطينيين، سيما في سوريا ولبنان، يقلق المجتمع الدولي. وحسب وثائق «ويكيليكس»، فإن الملك الراحل الحسن الثاني منح تسهيلات للإقامة لمواطنين فلسطينيين لجؤوا إلى المغرب، ومنح ياسر عرفات هبة مالية مهمة ومساعدات طبية.

ورغم أن العلاقات العربية كان يشوبها الكثير من التوتر، إلا أن الملك الراحل الحسن الثاني وقتها دعا أكثر من زعيم عربي إلى زيارة المغرب، وكانوا يُفاجؤون عندما يصلون إلى الرباط بوجود الرئيس ياسر عرفات قبلهم، وأحيانا يكون واقفا في استقبالهم إلى جانب الملك الراحل الحسن الثاني، وهي رسالة كانت لها دلالاتها، وتترجم على الأرض الحظوة الكبيرة التي كان يتمتع بها ياسر عرفات في المغرب.

 

 

هكذا واجه الحسن الثاني «مختلسي» صندوق دعم فلسطين

كتب المؤرخ المغربي الراحل، والمثير للجدل، الدكتور عبد الكريم الفيلالي، في موسوعته «تاريخ المغرب»، أن صندوق دعم فلسطين الذي تم تأسيسه خلال تسعينيات القرن الماضي، قسّم الأحزاب المغربية وقتها وجعل بعض قياداتها تتهم أخرى بنهب أموال صندوق دعم فلسطين، الذي دعا الملك الحسن الثاني الجميع إلى التبرع من خلاله للفلسطينيين، الذين كانوا يعيشون أوضاعا صعبة، بسبب الحصار الإسرائيلي في غزة.

كان ياسر عرفات يعتمد بشكل أساسي على مساعدات الملك الراحل الحسن الثاني للفلسطينيين، وقد صرح للإعلام الدولي مباشرة بعد تأسيس الصندوق، أنه في غاية السعادة والامتنان للملك الحسن الثاني على تلك الخطوة.

وما أوضح متانة العلاقة بين الملك الراحل الحسن الثاني وياسر عرفات، أن الملك الحسن الثاني لم يتساهل نهائيا مع المتورطين في ملف رُفع إليه عن طريق وزارة الداخلية، مفاده أن بعض المسؤولين الصغار تورطوا في محاولات اختلاس مداخيل الصندوق الذي ساهم فيه المواطنون المغاربة، كل حسب استطاعته، وشارك فيه موظفو القطاع العام بأجرة يوم عمل واحد.

وكانت وقتها هذه المبادرة التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني قد لقيت صدى دوليا كبيرا، خصوصا لدى الدول الغربية، حيث نُشرت مقالات كثيرة تتحدث عن الدعم الملكي الكبير الذي يقوده المغرب تجاه القضية الفلسطينية.

داخليا، استُغلت المبادرة الملكية سياسيا، وحسب ما تناولناه في وقت سابق، في ملف تطرقنا فيه إلى «التاريخ السياسي للأزمات ومُستغلي الكوارث والمبادرات لمراكمة الأموال»، فإن تدخل الملك الراحل الحسن الثاني لحماية صندوق دعم الفلسطينيين، أحدث زلزالا سياسيا حقيقيا في المغرب، خصوصا أن الأزمة تزامنت مع اقتراب الانتخابات.

وهو ما جعل صحيفة «العلم»، كما جاء في مذكرات المؤرخ عبد الكريم الفيلالي، تكيل اتهامات لخصوم الحزب السياسيين باختلاس أموال صندوق دعم الشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي أحدث زلزالا حقيقيا في الأوساط السياسية. حتى أن الدكتور الخطيب، الذي كان مقربا جدا من الملك الحسن الثاني وأحد الأصدقاء الكبار للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، قد نال نصيبه من تلك الاتهامات التي كان محركها الأساسي في الحقيقة هو تصفية الخلافات الانتخابية.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى محاولة إدريس البصري تحويل تقارير الداخلية إلى أداة لتصفية حساباته مع بعض خصومه، ممن يحاولون قلب الطاولة عليه في الأجواء السياسية العصيبة خلال التسعينيات. هذه التقارير، حسب الدكتور عبد الكريم الفيلالي، كانت تقول إن بعض مديري مؤسسات عمومية قاموا بمواقف غير مفهومة ولم يدققوا مع مسؤولي الحسابات لديهم، بشأن التبرعات التي قام بها موظفو تلك القطاعات من أجورهم. والتي بُرمجت لكي تُقتطع مباشرة من الأجور، وتُوجه مباشرة إلى الحساب البنكي لصندوق دعم فلسطين. وهو ما كان يعني بشكل مباشر أن هناك اتهامات باختلاس جزء من تبرعات أولئك الموظفين، الذين استجابوا لدعوة الملك الحسن الثاني للجميع لكي يتبرعوا بجزء يسير من أجورهم لصالح الصندوق.

هؤلاء الذين تبادلوا اتهامات في هذه القضية، كانوا يتهمون بعضهم البعض بخلق ثروات وممتلكات بطرق ملتوية. وإحدى هذه الطرق كانت هي اختلاسات صندوق دعم فلسطين، رغم أنه لم يتم رسميا تحديد أي اختلاسات به، لكن لا دخان بدون نار كما يقال. كما أن التحقيق الذي أمر الملك الحسن الثاني شخصيا بفتحه للتأكد من تقارير وزارة الداخلية وما كتبته الصحافة الحزبية، سيما صحيفة «العلم»، لم تُعرف نتيجته للأسف.

 

رغم اتهامات التقارب بين بومدين والمنظمة.. عرفات مُرحب به دائما

سبق أن تناولنا في «الأخبار» موضوع تسريبات وثائق «ويكيليكس» في حينها. وقد تحدثنا وقتها عن تقارير «CIA»، التي تحدثت عن تطورات علاقة بعض قادة منظمة التحرير الفلسطينية بالرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين إلى حدود سنتي 1977 و1978. وبعض المعطيات المرتبطة بهذه العلاقة «الملغومة»، كشفها عبد العزيز بوتفليقة، بعد وفاة بومدين ومغادرة بوتفليقة للبلاد.

بوتفليقة الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية، اطلع على أسرار العلاقة بين الرئيس بومدين وقادة حركة التحرير الفلسطينية، وكان لتصريحاته، خصوصا للصحافة الفرنسية، وقع كبير، سيما أنه كان متهما بتمويل التنظيم الفلسطيني، الذي اعتبرته فرنسا والولايات المتحدة تنظيما إرهابيا، وعقد صفقات تسليح سرية. بينما كانت الحقيقة، أن بومدين كان يحاول تمويل منظمة التحرير الفلسطينية على طريقة العصابات وليس مناصرة للقضية الفلسطينية، والدليل أن الجزائر في عهده تخلت عن الفلسطينيين، ولم يكن عرفات يجد دعما للقضية إلا من الرباط.

تحدث بوتفليقة للصحافة الفرنسية، بعد منعه من دخول الجزائر، في حوار أجري معه سنة 1985، عن اتصالات وقعت في عهد هواري بومدين، مع نشطاء من منظمة التحرير الفلسطينية، وحثهم على إصدار بلاغات تهاجم المغرب مقابل الحصول على امتيازات مالية من الجزائر، وهو ما رفضه الفلسطينيون واعتذروا لبوتفليقة في فندق بجنيف، وأخبروه أنهم ليسوا أبدا الأشخاص المناسبين لقيادة هجوم ضد المغرب. وهذه المعلومات تطرق إليها ضابط المخابرات الأمريكية السابق «ويليام بلوم»، عندما ألف مذكراته في نهاية الثمانينيات، وتحدث عن التجسس الذي مارسه على اجتماعات وزراء الخارجية العرب وملاحقته لهم في العواصم الأوروبية، حيث كان يكتب تقارير مفصلة عن مضامين تسجيلات مكالمات هاتفية من مكاتبهم، ورصد التجييش الذي حاولت الجزائر ممارسته ضد المغرب باستعمال القضية الفلسطينية، لكنها فشلت فشلا ذريعا في استقطاب قيادات تابعة لياسر عرفات الذي فضل عدم طعن المغرب في الظهر، لأن مواقف الملك الراحل الحسن الثاني مع الفلسطينيين كانت راسخة، رغم الهجوم الذي شنه الجزائريون وحافظ الأسد والقذافي ضد المغرب، عندما استقبل الملك الراحل في قصر إفران، شمعون بيريز الذي جلس معه ياسر عرفات أكثر من مرة، للخروج بحل للتوتر الذي عرفته القضية الفلسطينية، في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. واتضح لاحقا أن موقف المغرب كان حكيما، في مقابل استمرار اتجار أنظمة عربية بالقضية الفلسطينية وتخلفها عن صرف مساعدات لسكان غزة والضفة الغربية، رغم وضعيتهم الإنسانية الحرجة.

هذه المعطيات، تفرض العودة إلى تاريخ دعم المغرب للقضية الفلسطينية، حيث تتوفر معطيات تاريخية وأخرى مادية تؤكد وقوف المغرب إلى جانب الفلسطينيين منذ القرن 17، على إثر الأحداث التي عرفتها منطقة الشرق، بسبب وجود العثمانيين، وتدخل البريطانيين وفرنسا من جهة أخرى في إطار الحملات الاستعمارية.

 

 

تقارير الدليمي «الحارقة» فوق مكتب الملك

في نهاية ستينيات القرن الماضي، كان عدد من الطلبة المغاربة يُتابعون دراستهم في الدول العربية، خصوصا في العراق وسوريا. وهؤلاء الطلبة كان من بينهم أفواج من المناصرين لأفكار اليسار، أو من تأثروا هناك بخطابات الثورة.

الجنرال الدليمي الذي كان يمسك بزمام أكثر ملفات المخابرات المغربية حساسية، كان يشرف على عملية مراقبة هؤلاء الطلبة، بعيون سفارات المغرب في عدد من الدول العربية، أبرزها العراق وسوريا ومصر أيضا. وما يشرح هذا الاهتمام، الرحلات الكثيرة التي قام بها الجنرال الدليمي إلى المشرق، في نهاية ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات.

وحسب ما كشفته وثائق «CIA» الأمريكية، فإن الدليمي زار فعلا لبنان بشكل مكثف، نهاية الستينيات، وخلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، قبل المسيرة الخضراء التي جرت في نونبر 1975، وهو ما جعل الأمريكيين يشكون في نوايا هذا الجنرال، ولم يستبعدوا منذ البداية أن تكون رحلاته المتكررة إلى بيروت، بهدف التخطيط لانقلاب في المغرب. لكن سرعان ما تبين للأمريكيين أن الجنرال كان يتابع ملف المعارضين المغاربة، أصدقاء الفقيه البصري، الذين كانوا يتوزعون بين الجزائر وسوريا.

والحقيقة أن الجنرال الدليمي كان يتابع ملف الطلبة المغاربة وأنشطتهم في الجامعات في كل من سوريا والعراق، لكنه لم يُرد التورط مباشرة في الملف واكتفى بزيارة لبنان، حيث كان يلتقي من هناك مع مسؤولين مغاربة يشرفون على المراقبة.

التقارير التي رفعت إلى الجنرال الدليمي، كشفت أن بعض الطلبة الفلسطينيين كانوا يرفعون شعارات معادية للمغرب، سيما في قضية الصحراء، وهي الأنشطة التي ازدادت حدتها مع نشوء تنظيم البوليساريو والدعم الجزائري الكبير له.

هؤلاء الطلبة الفلسطينيون، حسب ما جاء في تقارير «CIA»، كانوا يحصلون على تمويل مباشر من السفارة الجزائرية، بأوامر من الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين. وهو ما خلص إليه الجنرال الدليمي، الذي وضع الملف مباشرة فوق مكتب الملك الراحل الحسن الثاني.

وفي سنة 1977، تكرر الأمر مرة أخرى، عندما اكتشف الدليمي من خلال موظفي السفارة المغربية دائما، أن السفارة الجزائرية كانت تؤدي تكلفة رحلات جوية لفائدة طلبة سوريين وفلسطينيين إلى باريس، وتجعلهم يشاركون في مظاهرات معادية للمغرب ويرفعون شعارات مناصرة لانفصال الصحراء، وهو ما حدث فعلا في كل من باريس وروما.

تقول تقارير «CIA» الأمريكية، والتي نشرها الضابط السابق «ويليام بلوم» في كتاب مثير عنوانه: «التاريخ السري لـCIA»، إن الملك الراحل الحسن الثاني صارح ياسر عرفات بالمعلومات التي توفرت لديه، ووعده الأخير أن يتدخل للتخفيف من حدة الأنشطة المعادية للمغرب، والتي كانت الجزائر تُجند لها طلبة فلسطينيين في الجامعات. لكن في عز هذه الأزمة، لم يتخلف المغرب نهائيا عن توفير الدعم للقضية الفلسطينية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى