الرئيسيةتقاريرخاص

هل يفقد المغرب مخزونه الإستراتيجي من القمح؟

تراجع الاستيراد والجفاف قلصا مخزون الحبوب والحكومة تسن إجراءات استثنائية

النعمان اليعلاوي

يواجه المغرب خصاصا متزايدا في مخزون الحبوب والقطاني، فيما لم تكن الواردات التي تم استقبالها في الأشهر الأخيرة كافية، وبالتالي، فإن المخزون الإستراتيجي من القمح اللين في البلاد مهدد حاليًا.

وفي الوقت الذي يرسم المكتب الوطني للحبوب والقطاني خطا لا يقل عن ستة أشهر لتأمين الحاجيات الوطنية من هذه المادة الحيوية، يبقى المخزون الوطني  يزيد قليلاً عن ثلاثة أشهر مقارنة بالأشهر الستة المطلوبة.

ومن أجل استعادة هذا التوازن، قام المكتب الوطني للحبوب والقطاني بنشر تعميم ينص على دعم إنشاء مخزون من القمح اللين من قبل المستوردين.

 

وضعية مقلقة لمخزون إستراتيجي

في محاولة للحد من أثار الجفاف الذي تعاني منه المملكة المغربية أعلن المكتب الوطني عن حزمة من الإجراءات التي تخص تخزين الحبوب بالمملكة، في إطار برنامج استيراد لتعويض الإنتاج المحلي المتضرر من الجفاف.

وأوضح المكتب بأنه من المقرر أن يجري دعم تخزين القمح اللين المستورد بمقدار 2.5 درهم عن القنطار الواحد، وذلك في وقت يعيش فيه القطاع الزراعي على وقع تداعيات الجفاف، كما سيجري تطبيق هذا الدعم على القمح اللين المستورد خلال الفترة الممتدة من أول فبراير الجاري إلى 30 أبريل القادم، في حدود 10 ملايين قنطار، ما سيساهم في تحفيز الاستيراد بنحو يضمن توفير المخزون الكافي من هذا المحصول الهام.

ويهدف المكتب عبر هذه الإجراءات إلى توفير 10 ملايين قنطار من القمح اللين خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، حيث يرتقب أن يجري توفير 3 ملايين قنطار شهريا من هذه المادة خلال كل من فبراير ومارس، على أن تصل الكمية إلى 4 ملايين قنطار خلال شهر أبريل، مشيرا إلى أن منح دعم التخزين ستقتصر على المستودعات الحاصلة على ترخيص صحي من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، على أن يقوم المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني بإجراء زيارات دورية لمراقبة هذه المستودعات.

فيما يرى المتخصصون أنه من الضرورة اللجوء إلى اعتماد برنامج وطني يهدف إلى توفير مخزون إستراتيجي يكفي لمدة أكبر، إذ إن الأسعار حاليا على المستوى الدولي تبقى مستقرة، ويجب أن يجري استغلال الظرفية قبل أن تعرف الارتفاع مجددا، حيث إن المخزون الوطني من القمح اللين يكفي في المعتاد لما بين 3 أشهر ونصف الشهر و4 أشهر، في وقت تستقبل فيه موانئ الدار البيضاء والناظور والجرف وأكادير باستمرار بواخر محملة بهذا المنتوج الفلاحي.

 

آثار مستمرة لأزمة الجفاف

تسبب تغير المناخ الذي يضرب مناطق واسعة من العالم في السنوات الأخيرة، في حدوث حالة من الشح المائي وموجة جفاف تهدد سبل العيش، وتؤثر بنحو مباشر في الصحة العامة والاقتصاد والزراعة والبيئة والطاقة، ويمثل تغير المناخ أحد أكثر الكوارث الطبيعية تدميراً من حيث الخسائر في الأرواح، وتتسبب تداعياته في تدمير المحاصيل على نطاق واسع، وحرائق الغابات، والإجهاد المائي، كما يلحق أضراراً بنحو مليون نسمة حول العالم كل عام، فضلاً عن أنه يزيد من الإصابة بالأمراض والوفيات ويعزز الهجرة الجماعية.

ويدفع تأخر هطول الأمطار المندوبية السامية للتخطيط إلى توقع تراجع النمو الاقتصادي إلى 2.4 في  المائة في الربع الأول من العام الماضي، من يناير حتى مارس بعدما كان في الفترة نفسها من العام الماضي في حدود 3.3 في المائة وانخفضت التساقطات المطرية منذ بداية الموسم الزراعي قبل أربعة أشهر بنسبة 67 في  المائة، كما تراجع مخزون المياه في السدود بنسبة 75 في المائة.

ويتوقع أن يكون هذا الموسم صعباً إذا ما تأخر الغيث في الأشهر الثلاثة المقبلة، خاصة بعد موسمين جافين شهدهما المغرب، ما أثر سلبا على المحاصيل الزراعية ومخزون المياه الذي كان يمكن أن يسعف لتوفير مياه السقي للمزارعين الذين مُنع عنهم الري في بعض الأحواض المائية.

 

ضريبة المدخلات الزراعية

كان المغرب قد أعفى بعض المدخلات الزراعية من ضريبة القيمة المضافة، للمساعدة في خفض التضخم في أسعار المنتجات الزراعية العام الماضي.

وتشمل المنتجات المعفاة من الضريبة تلك المستخدمة للحفاظ على صحة النباتات ومعدات زيادة الإنتاج ‏والحيوانات المستوردة، والمخصصة حصرياً للاستخدام في الزراعة، علاوة على المعدات الأخرى المخصصة للاستخدام في الزراعة، وفق قول‏ رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، خلال اجتماع مجلس الوزراء في وقت سابق.

وبحسب أخنوش، فإن هذا الإجراء يتماشى مع جهود “كبح مصادر التضخم وارتفاع الأسعار، لكل من المنتجات الزراعية والمنتجات الغذائية الزراعية”، وأرجع ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية إلى معاناة البلد من سنوات من الجفاف، وارتفاع في أسعار المدخلات الزراعية المستوردة، خصوصا الحيوانات الحية.

 

واردات القمح.. تراجع كبير

قال عبد القادر العلوي، رئيس جمعية أرباب المطاحن في المغرب، إن واردات القمح استفادت من انخفاض الأسعار في السوق الدولية العام الماضي، مقارنة بالعام السابق له، الذي سجلت خلاله ارتفاعاً كبيراً على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا.

وأوضح العلوي أن سعر الكلفة بالنسبة للقمح اللين المستورد إلى الموانئ تراجع بنسبة 50 في المائة العام الماضي، كي يصل إلى 30 دولاراً للقنطار الواحد (القنطار يعادل 100 كيلوغرام)، بينما انخفض سعر القمح الصلب بنسبة 30 في المائة، مشيرا إلى أن المستوردين يحاولون دائما تأمين مخزون من القمح اللين يغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك، علما أن المغرب يعمد إلى تنويع الأسواق التي يستورد منها حاجياته من القمح.

وكانت الحكومة قد راهنت على استيراد 25 مليون قنطار (2.5 مليون طن)، من القمح اللين لغاية نهاية العام الماضي، عندما ينخفض سعره إلى 27 دولاراً للنقطار الواحد، وسعى المغرب إلى تكثيف اللجوء إلى الاستيراد من أجل تأمين مخزون إستراتيجي، في سياق متسم بتأثير الجفاف على محصول الحبوب الذي بلغ 5.51 ملايين طن في العام الماضي، مقابل 3.4 ملايين طن في عام 2022، بينما كان قد بلغ 10.3 ملايين طن في 2021.

وأثر شح الأمطار على إنتاج جميع أنواع الحبوب في العام الماضي، حيث لم يتجاوز إنتاج القمح اللين 2.98 مليون طن، والقمح الصلب 1.18 مليون طن، والشعير 1.35 مليون طن، وجاء محصول الحبوب في العام الماضي دون توقعات الحكومة التي كانت تتطلع إلى 7.5 ملايين طن، ما يعني أن انخفاض المحصول أفضى إلى مواصلة استيراد الحبوب على غرار ما حدث في 2022، حيث وصلت مشتريات القمح إلى 6 ملايين طن، مقابل 4.66 ملايين طن في 2021.

كان المستوى القياسي الذي بلغه سعر القمح اللين في 2022 في سياق ضعف المحصول وتداعيات الحرب في أوكرانيا، قد دفع الحكومة إلى تخصيص دعم جزافي تجاوز 250 دولاراً للطن، علما أن السعر في السوق الدولية تجاوز 500 دولار للطن.

 

إجراءات استثنائية لسد الخصاص

من المؤكد أن واردات القمح الطري ظلت في مستويات معتدلة، لكن الوضع العام مثير للقلق بعض الشيء بالنسبة للمكتب الوطني للحبوب والقطاني، فهو  دون المستوى‏ وفقًا للأرقام الصادرة عن الاتحاد الوطني لتجار الحبوب والبقوليات (FNCL) المنشورة في نهاية الأسبوع الماضي، حيث بلغ إجمالي الواردات ما يزيد قليلاً عن 6.88 ملايين قنطار في يناير 2024، وحجم الواردات أعلى من المتوسط الشهري الذي توقعه المكتب من خلال منشوره الصادر بتاريخ 11 نونبر الماضي.

وللرفع من نسبة مخزون الحبوب أعلن المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني عن تخصيص دعم لفائدة مستوردي القمح اللين تشجيعا لهم على تأمين مخزون هذه المادة خلال الشهور الثلاثة القادمة، وأضاف المكتب في دورية موقعة في 31 يناير الأخير أن هذا الدعم سيخصص لتشجيع عمليات الاستيراد خلال الفترة من 1 فبراير إلى 30 أبريل من العام الجاري.

وأوضح المكتب أن الحد الأقصى للكمية المستفيدة من هذه المنحة حدد في 10 ملايين قنطار من القمح اللين خلال الفترة المذكورة. وحدد سقف الاستهلاك الشهري بـ 3 ملايين قنطار في فبراير، و3 ملايين قنطار في مارس، و4 ملايين قنطار في أبريل. كما تم تحديد قيمة منحة التخزين في 2.5 درهما للقنطار.

ويتم تحديد هذه الكميات للمستوردين على أساس وثائق الاستيراد الخاصة بهم المقدمة إلى المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني وعلى أساس أسبقية الحضور. بالإضافة إلى ذلك، يشترط المكتب أن يحتفظ الفاعلون الراغبون في الاستفادة من الدعم بالكمية المؤهلة للحصول على مكافأة التخزين، ما لم يتنازل عنها المكتب بخلاف ذلك، لمدة لا تقل عن 3 أشهر.

ويأتي هذا الإعلان ليسد حاجيات المغرب إلى القمح في ظل تراجع المحاصيل للعام الثالث على التوالي، حيث بلغت واردات القمح وحدها حوالي 17.8 مليار درهم عوض 24 مليار درهم المسجلة خلال نفس الفترة من العام الماضي غير أنه باستثناء القمح عرفت جميع المواد الغذائية التي اقتناها المغرب من الخارج ارتفاعا ملحوظا سواء من حيث القيمة أو من حيث الحجم.

ويتوقع المهنيون أن تزداد خلال سنة 2024 حاجة المغرب إلى استيراد الحبوب بعد أن تراجعت شيئا ما خلال 2023 بفضل تحسن الإنتاج المحلي مقارنة مع 2022، حيث بلغ إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي 2022-2023، حوالي 55.1 مليون قنطار، بمساحة مزروعة بلغت 3.67 ملايين هكتار، مقابل 34 مليون قنطار خلال الموسم السابق، وبمساحة مزروعة بلغت 3.57 ملايين هكتار. وساهم الارتفاع الكبير في درجات الحرارة (الإجهاد الحراري) إلى جانب الإجهاد المائي، في عدم تحقيق محصول أكبر من المسجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى