حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

آخر الانتقالات قبل الانتخابات

الأحزاب تراهن على الأعيان لإعادة رسم الخريطة السياسية

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2026، دخلت الأحزاب السياسية المغربية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أوراقها التنظيمية والانتخابية، في سياق يشهد حركية غير مسبوقة في انتقال المنتخبين والأعيان بين مختلف التنظيمات الحزبية.  وتتصدر عمليات الاستقطاب المشهد السياسي، بعدما شرعت الأحزاب في استمالة برلمانيين ورؤساء جماعات ومنتخبين محليين وشخصيات نافذة، في محاولة لتعزيز حضورها الانتخابي، قبل أشهر من انطلاق الحملة الرسمية.  ويصف متابعون هذه المرحلة بـ«فترة تغيير اللون الحزبي»، بالنظر إلى حجم المفاوضات التي تجري بعيدا عن الأضواء، والتي باتت تطغى على النقاش حول البرامج والتصورات السياسية.

مقالات ذات صلة

ورغم أن الدستور يكفل حرية الانتماء الحزبي، فإن تكرار هذه الظاهرة مع كل استحقاق انتخابي يعيد إلى الواجهة أسئلة حول طبيعة التنافس السياسي بالمغرب، وحدود تأثير الأعيان في صناعة الخريطة الانتخابية، ومدى قدرة الأحزاب على تجديد نخبها بالاعتماد على الكفاءة بدل النفوذ الانتخابي. 

سباق محموم لاستقطاب الأسماء الانتخابية

تشهد مختلف الأحزاب السياسية، سواء المشكلة للأغلبية الحكومية أو المتموقعة في المعارضة، سباقا محموما لاستقطاب شخصيات تتمتع بوزن انتخابي داخل دوائرها المحلية، في إطار الاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية والجماعية لسنة 2026. ولم تعد المنافسة الحزبية تقتصر على عرض البرامج أو استقطاب مناضلين جدد، بل أصبحت ترتكز بشكل متزايد على استمالة منتخبين وبرلمانيين ورؤساء جماعات وأعيان يمتلكون قواعد انتخابية وشبكات علاقات واسعة، بما يعزز فرص الأحزاب في حصد أكبر عدد من المقاعد.

ويؤكد متابعون أن عددا من القيادات الحزبية فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع منتخبين ينتمون إلى تنظيمات سياسية منافسة، مستفيدة من حالة الترقب التي تسبق الحسم في التزكيات، ومن الخلافات التنظيمية التي تشهدها بعض الأحزاب. كما يسعى عدد من المنتخبين إلى تحسين مواقعهم السياسية من خلال الالتحاق بأحزاب يرون أنها تمنحهم فرصا أوفر للفوز أو للمشاركة في الأغلبية الحكومية المقبلة، في ظل مؤشرات على احتدام المنافسة الانتخابية.

وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الحزبية إلى أن المفاوضات لم تعد تقتصر على استقطاب الأفراد، بل امتدت في بعض الحالات إلى استمالة مجموعات من المنتخبين أو شبكات انتخابية كاملة، خصوصا في الجماعات الترابية التي تتمتع بثقل انتخابي. ويجعل هذا الواقع من مرحلة ما قبل الانتخابات فترة حاسمة لإعادة رسم موازين القوى بين الأحزاب، قبل الإعلان الرسمي عن لوائح المرشحين.

ويرى باحثون في العلوم السياسية أن هذه الحركية أصبحت سمة ملازمة للمشهد الحزبي المغربي مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، غير أنها تعكس في المقابل تغليب منطق الحسابات الانتخابية على التنافس البرامجي. فبدل أن يكون الرهان منصبا على إقناع الناخبين بالمشاريع والرؤى، يتحول في كثير من الأحيان إلى سباق على استقطاب الأسماء القادرة على جلب الأصوات، وهو ما يفسر تصاعد ما بات يعرف داخل الأوساط السياسية بـ«فترة تغيير الانتماء الحزبي»، الذي يعيد تشكيل الخريطة الحزبية قبل كل محطة انتخابية.

 

لماذا يغير الأعيان انتماءاتهم الحزبية؟

لا ترتبط انتقالات الأعيان والمنتخبين بين الأحزاب السياسية، في أغلب الحالات، بخلافات إيديولوجية أو مراجعات فكرية عميقة، بقدر ما تحكمها اعتبارات انتخابية وتنظيمية وبراغماتية. فكثير من المنتخبين يبحثون عن الحزب الذي يمنحهم أكبر فرصة للفوز في الانتخابات المقبلة، أو يوفر لهم تزكية مضمونة في دوائر انتخابية تعرف منافسة قوية، بينما يختار آخرون مغادرة تنظيماتهم، بسبب خلافات داخلية أو شعورهم بتراجع نفوذهم داخل هياكل الحزب، أو نتيجة صعوبة الحصول على التزكية في ظل بروز منافسين جدد.

وتلعب حسابات المشاركة في الحكومة المقبلة دورا مهما في هذه التحركات، إذ يفضل عدد من الأعيان الالتحاق بالأحزاب التي تبدو أكثر حظا في تصدر نتائج الانتخابات أو المشاركة في الأغلبية الحكومية، بما يوفر لهم موقعا أفضل داخل المؤسسات المنتخبة، أو في تدبير الشأن المحلي. وتزداد هذه الدينامية مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول التزكيات إلى محور مفاوضات مكثفة بين الأحزاب والمنتخبين.

ويرى محللون أن هذه السلوكيات تعكس هشاشة الارتباط بين عدد من المنتخبين والمشاريع الفكرية والسياسية للأحزاب، مقابل تنامي منطق البراغماتية الانتخابية، الذي يجعل الحزب بالنسبة إلى بعض الأعيان وسيلة للوصول إلى المؤسسات المنتخبة أكثر من كونه فضاء للالتزام السياسي والدفاع عن رؤية أو برنامج مجتمعي. ويظهر ذلك بوضوح في انتقال بعض المنتخبين بين أكثر من حزب خلال مسارهم السياسي، دون أن يرافق ذلك تحول في مواقفهم أو تصوراتهم للسياسات العمومية.

في المقابل، تؤكد الأحزاب التي تنخرط في سياسة الاستقطاب أن استقطاب الأعيان يدخل في إطار المنافسة السياسية المشروعة، وأن الهدف منه توسيع القاعدة الانتخابية واستقطاب كفاءات ومنتخبين راكموا تجربة في تدبير الشأن العام. غير أن باحثين في العلوم السياسية يرون أن الإفراط في هذا النهج قد يضعف الهوية السياسية للأحزاب، ويكرس الانطباع بأن الولاءات الحزبية أصبحت مرتبطة بحسابات انتخابية أكثر من ارتباطها بالبرامج والقناعات، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في العمل الحزبي ويغذي العزوف عن المشاركة السياسية.

 

رهان انتخابي يثير جدلا سياسيا

رغم أن سياسة استقطاب الأعيان والمنتخبين ذوي الثقل الانتخابي تتيح للأحزاب تحقيق مكاسب سريعة وتعزيز حظوظها في عدد من الدوائر، فإنها تثير في المقابل نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والأكاديمية، بشأن انعكاساتها على جودة الممارسة الديمقراطية ومستقبل العمل الحزبي بالمغرب. ويرى منتقدو هذه الظاهرة أن الأحزاب أصبحت تمنح الأولوية للقدرة على حشد الأصوات وحسم النتائج الانتخابية، أكثر من اهتمامها بالكفاءة والخبرة والقدرة على التشريع وصناعة السياسات العمومية، وهو ما يفرغ التنافس السياسي من مضمونه البرامجي، ويجعله رهينا بمنطق الأرقام والحسابات الانتخابية.

ويحذر عدد من الباحثين من أن هذا التوجه يضعف فرص بروز نخب سياسية جديدة، خاصة من فئة الشباب والنساء والكفاءات الحزبية التي راكمت تجربة تنظيمية داخل الأحزاب، لكنها لا تتوفر على الامتداد الانتخابي، أو الإمكانيات المالية التي يمتلكها بعض الأعيان. كما أن منح التزكيات لوافدين جدد على حساب مناضلين قضوا سنوات في العمل الحزبي يخلق، في كثير من الأحيان، حالة من الاحتقان الداخلي، وقد يدفع بعض الأطر الحزبية إلى تجميد نشاطها أو مغادرة الحزب، بما يؤثر على تماسك التنظيمات السياسية.

ويعتبر متابعون أن استمرار هذا المنطق يكرس صورة سلبية عن العمل الحزبي لدى الرأي العام، ويعزز الانطباع بأن الانتخابات تحسمها القدرة على استقطاب الشخصيات النافذة أكثر مما تحسمها قوة البرامج والرؤى السياسية. ويؤكد هؤلاء أن هذا الواقع ينعكس على ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية، ويساهم في تغذية العزوف عن المشاركة السياسية، خصوصا لدى فئة الشباب التي تنتظر تجديدا حقيقيا للنخب وأساليب التدبير الحزبي.

وفي المقابل، تدافع الأحزاب عن خياراتها باعتبارها جزءا من المنافسة الديمقراطية المشروعة، مؤكدة أن الهدف من استقطاب المنتخبين ذوي الحضور الميداني هو توسيع القاعدة الانتخابية وضمان تمثيلية قوية داخل البرلمان والجماعات الترابية. غير أن مختصين في العلوم السياسية يشددون على أن تحقيق التوازن بين استقطاب الأسماء ذات الوزن الانتخابي والانفتاح على الكفاءات الشابة والخبرات المتخصصة، يظل التحدي الأكبر الذي سيواجه الأحزاب خلال استحقاقات 2026، إذا أرادت استعادة ثقة الناخبين وتعزيز دورها الدستوري في تأطير المواطنين وتكوين النخب السياسية.

انعكاسات على الديمقراطية الداخلية للأحزاب

لا تقتصر تداعيات موجة الاستقطابات الحزبية على إعادة توزيع موازين القوى بين الأحزاب المتنافسة، بل تمتد إلى التأثير في تماسكها الداخلي وآليات اشتغالها التنظيمي. ففي كل محطة انتخابية، تبرز احتجاجات داخل عدد من الأحزاب، بسبب منح التزكيات لمنتخبين أو أعيان التحقوا حديثا بالتنظيم، في مقابل إقصاء مناضلين راكموا سنوات من العمل الحزبي والميداني. ويولد هذا الوضع شعورا بالإحباط لدى عدد من الأطر الحزبية، التي تعتبر أن معيار الولاء والتنظيم والانخراط المستمر أصبح أقل تأثيرا من القدرة على استقطاب الأصوات، أو امتلاك النفوذ المحلي.

وتؤدي هذه الاختلالات، في كثير من الأحيان، إلى بروز صراعات داخل الفروع الإقليمية والمحلية، خاصة عندما يشعر المناضلون بأن قرارات الترشيح تحسم في دوائر ضيقة، أو تفرض من طرف القيادات المركزية دون مراعاة لآراء الهياكل المحلية. كما قد تتطور هذه الخلافات إلى استقالات جماعية أو تجميد للعضوية أو انتقال بعض الأعضاء إلى أحزاب منافسة، الأمر الذي ينعكس سلبا على وحدة التنظيم وقدرته على خوض الاستحقاقات الانتخابية بصفوف موحدة.

ويرى باحثون في العلوم السياسية أن هذه الظاهرة تكشف محدودية الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، حيث لا تزال مساطر اختيار المرشحين تخضع في بعض الأحيان لحسابات انتخابية، أو توازنات تنظيمية أكثر من خضوعها لمعايير الكفاءة والاستحقاق. ويؤكد هؤلاء أن تعزيز الشفافية في منح التزكيات، واعتماد آليات واضحة للتنافس الداخلي، من شأنه أن يحد من الاحتقان ويعزز ثقة المناضلين في مؤسسات أحزابهم.

كما يشدد المختصون على أن الأحزاب مطالبة، في سياق الاستعداد لانتخابات 2026، بإيجاد توازن بين الانفتاح على كفاءات ومنتخبين جدد وبين الحفاظ على حقوق مناضليها، الذين راكموا تجربة تنظيمية طويلة. فاستقطاب شخصيات وازنة قد يشكل مكسبا انتخابيا، لكنه قد يتحول إلى مصدر توتر، إذا لم يواكبه احترام قواعد الديمقراطية الداخلية وتكافؤ الفرص في الترشح. ويجمع عدد من الفاعلين السياسيين على أن قوة الأحزاب لا تقاس فقط بعدد الأعيان الذين تستقطبهم، بل أيضا بقدرتها على تدبير الاختلافات الداخلية، وإنتاج نخب جديدة، وترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل الكفاءة والالتزام الحزبي أساسا للتدرج وتحمل المسؤولية.

منطق البرامج ومنطق الأعيان

يرى مراقبون أن انتخابات 2026 ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الأحزاب المغربية على تحقيق التوازن بين منطقين يطبعان المشهد السياسي في المرحلة الحالية؛ أولهما الرهان على الأعيان والمنتخبين ذوي الحضور الانتخابي القوي، وثانيهما الحاجة إلى تقديم برامج واقعية ونخب سياسية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة. فبينما تبدو الأحزاب منخرطة في سباق محموم لاستقطاب الشخصيات القادرة على حصد الأصوات، تتعالى أصوات تطالب بإعادة الاعتبار للبرامج الانتخابية باعتبارها أساس التنافس الديمقراطي، خاصة في ظل الانتظارات المتزايدة للمواطنين في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية والاستثمار.

ويؤكد باحثون في العلوم السياسية أن نجاح أي حزب في الانتخابات المقبلة لن يقاس فقط بعدد المقاعد التي سيحصل عليها، أو بحجم الأعيان الذين نجح في استقطابهم، وإنما بقدرته على تقديم مشروع سياسي متكامل، وإقناع الناخبين ببرامج قابلة للتنفيذ تستجيب لأولويات المرحلة. فالمواطن، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، أصبح أكثر اهتماما بالحلول العملية التي تمس حياته اليومية، وهو ما يجعل البرامج الانتخابية عاملا حاسما في كسب الثقة، إلى جانب اختيار مرشحين يمتلكون الكفاءة والخبرة والنزاهة.

ويرى متابعون أن استمرار الانتقالات الحزبية قد يمنح بعض الأحزاب مكاسب ظرفية، لكنه لا يشكل بالضرورة ضمانة لتحقيق نتائج انتخابية مستدامة، إذا لم يكن مصحوبا برؤية سياسية واضحة وتنظيم حزبي قوي. كما أن الرهان المفرط على الأعيان قد يضعف فرص تجديد النخب وإبراز كفاءات شابة قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد، خاصة في ظل الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب في مجالات الاستثمار، والصناعة، والانتقال الطاقي، والحماية الاجتماعية، والجهوية المتقدمة.

ويجمع عدد من الفاعلين السياسيين على أن الانتخابات المقبلة ستكون مناسبة لاختبار مدى قدرة الأحزاب على تجاوز منطق الاستقطاب الظرفي نحو بناء تنظيمات قوية تستند إلى الديمقراطية الداخلية، وتكافؤ الفرص في منح التزكيات، والانفتاح على الكفاءات والخبرات الوطنية. فاستعادة ثقة المواطنين في العمل الحزبي لن تتحقق فقط عبر استقطاب الأسماء الوازنة، بل أيضا من خلال تجديد الخطاب السياسي، وتقديم مرشحين قادرين على التشريع والرقابة واقتراح السياسات العمومية، بما ينسجم مع الوظيفة الدستورية للأحزاب باعتبارها مؤسسات لتأطير المواطنين وتكوين النخب والمساهمة في ممارسة السلطة عبر المؤسسات المنتخبة.

وفي هذا السياق، تبدو استحقاقات 2026 أكثر من مجرد منافسة انتخابية؛ فهي محطة لقياس مدى نضج التجربة الحزبية المغربية، وقدرتها على الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المشاريع، ومن حسابات الفوز الانتخابي إلى بناء الثقة وتعزيز جودة التمثيل الديمقراطي.

أزمة إنتاج النخب تدفع الأحزاب إلى استقطاب الأعيان

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يتجدد النقاش حول طبيعة المرشحين الذين تراهن عليهم الأحزاب السياسية المغربية لحسم المنافسة الانتخابية. فبدل أن تتجه غالبية التنظيمات إلى تقديم كفاءات حزبية راكمت تجربة في العمل السياسي والتنظيمي، تتزايد مؤشرات الاعتماد على استقطاب الأعيان والمنتخبين القادمين من أحزاب منافسة، في مشهد بات يتكرر مع كل استحقاق انتخابي.

ويرى متابعون أن هذه الظاهرة لا تعكس فقط اشتداد المنافسة بين الأحزاب، بل تكشف أيضا أزمة أعمق تتعلق بضعف قدرتها على إنتاج نخب سياسية جديدة قادرة على تحمل المسؤولية التشريعية وتدبير الشأن العام.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى نجاح الأحزاب في أداء وظيفتها الدستورية المتمثلة في تأطير المواطنين وتكوين النخب، في وقت أصبح فيه «تغيير الانتماء الحزبي» يطغى على النقاش المرتبط بالبرامج والرؤى السياسية.

أحزاب تبحث عن المرشح الجاهز بدل صناعة الكفاءات

يرى عدد من الباحثين أن اللجوء المتزايد إلى استقطاب الأعيان يعكس تحولا في أولويات الأحزاب السياسية، التي أصبحت تبحث عن “المرشح الجاهز” القادر على ضمان الأصوات، بدل الاستثمار في تكوين أطرها وإعداد قيادات جديدة. فبناء النخب السياسية يحتاج إلى سنوات من التأطير والتكوين والممارسة داخل الهياكل الحزبية، بينما يتيح استقطاب منتخب يمتلك قاعدة انتخابية جاهزة تحقيق مكاسب سريعة بأقل كلفة تنظيمية.

وخلال السنوات الأخيرة، تراجع حضور المدارس الحزبية والبرامج التكوينية التي كانت تشكل فضاء لإعداد القيادات الشابة، مقابل تنامي الاهتمام بالحسابات الانتخابية المباشرة. وأصبحت قيمة المرشح، في عدد من الحالات، تقاس بحجم نفوذه المحلي وقدرته على حشد الأصوات، أكثر من ارتباطها بخبرته في التشريع أو مساهمته في إعداد البرامج والسياسات العمومية.

ويحذر متابعون من أن هذا التحول قد يؤدي إلى إضعاف الوظيفة التأطيرية للأحزاب، وتحويلها تدريجيا إلى آليات انتخابية موسمية تنشط مع اقتراب الاقتراع، بدل أن تظل فضاءات لإنتاج الأفكار وصناعة النخب وإعداد الكفاءات القادرة على قيادة المؤسسات المنتخبة.

لماذا تعزف الكفاءات عن العمل الحزبي؟

لا تتحمل الأحزاب وحدها مسؤولية ضعف حضور الكفاءات داخل هياكلها، إذ يرى مختصون أن جزءا من المشكلة يرتبط أيضا بعزوف عدد من الأكاديميين والخبراء والمهنيين عن الانخراط في العمل السياسي المنظم. فالكثير منهم يفضلون الاستمرار في مساراتهم المهنية أو الجامعية، بعيدا عن أجواء الصراع الحزبي وما يرافقها من استقطاب وتجاذبات.

كما أن عددا من الكفاءات يعتبر أن الأحزاب لا توفر فضاءات حقيقية للاستفادة من خبراتها، وأن منطق الولاءات الداخلية والحسابات الانتخابية يطغى في كثير من الأحيان على معيار الكفاءة. ويؤدي ذلك إلى تراجع جاذبية العمل الحزبي بالنسبة لفئات تمتلك مؤهلات علمية وتقنية يمكن أن تسهم في تطوير الأداء التشريعي وصياغة السياسات العمومية.

ويضاف إلى ذلك ضعف الروابط بين الجامعة والأحزاب، وغياب برامج مؤسساتية تسمح باستقطاب الباحثين والخبراء وإدماجهم في الحياة السياسية، الأمر الذي يجعل الاستفادة من الرأسمال البشري الوطني محدودة مقارنة بحجم التحديات التي تواجه البلاد.

الأعيان.. حل انتخابي سريع أم أزمة مؤجلة؟

في ظل الوضع الراهن، وجدت الأحزاب في استقطاب الأعيان والمنتخبين ذوي الحضور المحلي حلا عمليا لتعزيز فرصها الانتخابية. فهؤلاء يمتلكون شبكات اجتماعية واسعة، وخبرة في تدبير الحملات، وقاعدة ناخبين يمكن أن تمنح الحزب مقاعد إضافية دون الحاجة إلى بناء حضور تنظيمي طويل الأمد.

غير أن هذا الخيار يثير انتقادات واسعة، لأن الاعتماد المفرط على الأعيان قد يكرس منطق الشخصنة على حساب المؤسسات، ويضعف الانتماء الحزبي، ويحول الأحزاب إلى فضاءات تستقبل شخصيات جاهزة بدل أن تنتج قياداتها من داخلها. كما يؤدي، في حالات كثيرة، إلى إحباط المناضلين الذين قضوا سنوات في العمل التنظيمي، قبل أن يجدوا التزكيات تمنح لوافدين جدد.

ويرى محللون أن هذه الممارسات تؤثر في الديمقراطية الداخلية، وتزيد من حدة الصراعات داخل الأحزاب، كما تكرس لدى الرأي العام صورة مفادها أن الفوز في الانتخابات أصبح رهينا بالنفوذ المحلي والإمكانات الانتخابية، أكثر من ارتباطه بالكفاءة والبرنامج السياسي.

إعادة الاعتبار لتكوين النخب.. التحدي الحقيقي للأحزاب

يؤكد مختصون أن معالجة هذه الإشكالية لا تقتصر على الحد من انتقالات الأعيان، بل تبدأ بإعادة الاعتبار للدور الدستوري للأحزاب باعتبارها مؤسسات لتأطير المواطنين وتكوين النخب والمساهمة في ممارسة السلطة عبر المؤسسات المنتخبة. ويستدعي ذلك الاستثمار في التكوين السياسي، وإحياء المدارس الحزبية، وتشجيع الشباب والنساء والكفاءات على الانخراط في العمل التنظيمي، مع اعتماد مساطر شفافة في اختيار المرشحين تقوم على الكفاءة والاستحقاق إلى جانب الحضور الميداني.

كما أن الأحزاب مطالبة ببناء جسور مع الجامعات ومراكز البحث والهيئات المهنية، واستقطاب الخبرات الوطنية للمساهمة في إعداد البرامج وصياغة التصورات الإصلاحية، بما يعزز جودة النخب المرشحة للمؤسسات المنتخبة. فالرهانات التي تنتظر المغرب خلال المرحلة المقبلة، في مجالات الاستثمار، والتشغيل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والانتقال الرقمي والطاقي، تتطلب برلمانا يضم كفاءات قادرة على التشريع والرقابة واقتراح الحلول، وليس فقط شخصيات تمتلك حضورا انتخابيا.

ومع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن الأحزاب ستكون أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تجاوز منطق البحث عن “الأسماء الجاهزة” إلى منطق صناعة القيادات السياسية من داخلها. فاستعادة ثقة المواطنين لن تتحقق عبر استقطاب المزيد من الأعيان فقط، وإنما من خلال بناء أحزاب قوية بمؤسساتها، وغنية بكفاءاتها، وقادرة على تقديم مشروع سياسي واضح ونخب تمتلك الكفاءة والشرعية الانتخابية في آن واحد. ويظل نجاح هذا التحول رهينا بقدرة الأحزاب على جعل الاستثمار في الإنسان أولوية لا تقل أهمية عن الاستثمار في الفوز بالمقاعد، لأن قوة أي تنظيم سياسي تقاس في النهاية بقدرته على إنتاج قياداته وتجديد نخبه، وليس فقط باستقطابها من المنافسين.

تغيير الانتماء الحزبي يشتعل باستقطاب الأعيان والبرلمانيين

 

دخلت الأحزاب السياسية مرحلة الحسم في ترتيباتها الانتخابية، استعدادا للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، في ظل تصاعد غير مسبوق لوتيرة انتقال المنتخبين والأعيان بين التنظيمات الحزبية.

وكثفت مختلف الأحزاب تحركاتها لاستقطاب برلمانيين ورؤساء جماعات ومنتخبين محليين وشخصيات تمتلك وزنا انتخابيا داخل دوائرها، في محاولة لتعزيز مواقعها قبل الإعلان عن لوائح الترشيح. وتكشف هذه الدينامية أن معركة الانتخابات انطلقت عمليا قبل أشهر من موعد الاقتراع، ليس عبر البرامج الانتخابية، وإنما من خلال إعادة رسم الخريطة الحزبية واستقطاب الأسماء القادرة على حصد الأصوات، وهو ما يثير نقاشا متجددا حول طبيعة المنافسة السياسية وحدود تأثير الأعيان في تحديد نتائج الانتخابات.

السنتيسي.. انتقال يربك حسابات الحركة الشعبية

يعد انتقال إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، من أبرز الأحداث السياسية التي ميزت مرحلة ما قبل انتخابات 2026. فبعد سنوات قضاها داخل حزب الحركة الشعبية، حسم السنتيسي قراره بالالتحاق بحزب الاستقلال، في خطوة اعتبرها متابعون أحد أهم التحولات الحزبية خلال هذه الولاية. وجاءت المؤشرات الأولى لهذا الانتقال من خلال حضوره إلى جانب قيادات ووزراء حزب الاستقلال خلال المؤتمر الوطني الرابع عشر للشبيبة الاستقلالية بمدينة سلا، قبل أن تتعزز المعطيات بإعلان استقالته من مجلس النواب، وهو ما دفع المحكمة الدستورية إلى التصريح بشغور مقعده البرلماني، تمهيدا لاستكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بتغيير انتمائه السياسي.

ويحمل هذا الانتقال دلالات تتجاوز شخص السنتيسي، بالنظر إلى مكانته داخل المؤسسة التشريعية وإلى حضوره التنظيمي داخل الحركة الشعبية، كما يعزز رهان حزب الاستقلال على استقطاب شخصيات ذات امتداد انتخابي في إطار استعداداته للاستحقاقات المقبلة.

لقجع.. تحركات داخل الأغلبية

ضمن أبرز التحركات السياسية، برز اسم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بعد التحاقه بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة اعتبرها الحزب جزءا من إعادة هيكلة قيادته استعدادا للانتخابات المقبلة. كما أعلن الحزب، خلال اجتماعاته التنظيمية الأخيرة، تعزيز هياكله بعدد من الأسماء البارزة، في إطار استراتيجية تستهدف توسيع حضوره الترابي واستقطاب كفاءات ومنتخبين قادرين على تقوية حضوره في مختلف الجهات.

ولا تقتصر دينامية الاستقطاب على حزب الأصالة والمعاصرة، إذ تواصل أحزاب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري وغيرها اتصالاتها مع منتخبين محليين ورؤساء جماعات وبرلمانيين، في محاولة لاستقطابهم قبل مرحلة توزيع التزكيات. وتشير مصادر سياسية إلى أن عددا من هذه المفاوضات ما زالت تجري بعيدا عن الأضواء، في انتظار الحسم النهائي في الترشيحات خلال الأسابيع المقبلة.

الجماعات الترابية في قلب تغيير الانتماء الحزبي

لا يقتصر التنافس الحزبي على استقطاب البرلمانيين، بل يمتد بقوة إلى المنتخبين المحليين، باعتبارهم الحلقة الأكثر تأثيرا في الانتخابات التشريعية والجماعية. ولذلك تشهد عدة جماعات ترابية، خصوصا في الرباط وسلا وتمارة والدار البيضاء ومراكش وفاس وطنجة، حركية سياسية لافتة، مع انتقال عدد من المستشارين الجماعيين والأعيان بين الأحزاب، أو إعلان نيتهم مغادرة تنظيماتهم الحالية، بسبب خلافات داخلية أو بحثا عن تزكيات أكثر ضمانا.

ويرى متابعون أن هذه التحركات تعكس إدراك الأحزاب لأهمية المنتخبين المحليين في إدارة الحملات الانتخابية وتعبئة الناخبين، بالنظر إلى شبكات العلاقات التي راكموها داخل دوائرهم. كما أصبحت بعض الأحزاب تراهن على استقطاب مجموعات انتخابية كاملة، بدل الاكتفاء بالأفراد، من أجل تعزيز حضورها داخل مجالس الجماعات والجهات، وهو ما يفسر احتدام المنافسة على الأعيان خلال الأشهر التي تسبق الانتخابات.

تنافس البرامج أم صراع الأسماء؟

رغم أن استقطاب الأعيان يمنح الأحزاب قوة انتخابية إضافية، فإنه يثير في المقابل انتقادات متزايدة من قبل باحثين وفاعلين سياسيين يعتبرون أن المشهد الحزبي أصبح أكثر انشغالا بالأسماء منه بالبرامج. ويرى هؤلاء أن الرهان المفرط على المنتخبين ذوي النفوذ الانتخابي قد يضعف فرص الكفاءات الشابة، ويؤخر تجديد النخب السياسية، كما يكرس الانطباع بأن الفوز في الانتخابات يرتبط بالقدرة على استقطاب الأعيان أكثر من ارتباطه بإقناع المواطنين ببرامج واضحة.

وفي المقابل، تدافع الأحزاب عن خياراتها، معتبرة أن استقطاب شخصيات ذات حضور ميداني يدخل في إطار المنافسة الديمقراطية المشروعة، وأن الانتخابات تقتضي الجمع بين الكفاءة والقدرة على التأثير الانتخابي. غير أن عددا من المراقبين يرون أن استحقاقات 2026 ستكون مناسبة لاختبار مدى قدرة الأحزاب على تحقيق التوازن بين توسيع قواعدها الانتخابية والحفاظ على هويتها السياسية، عبر تقديم مرشحين يجمعون بين الشرعية الانتخابية والكفاءة في التشريع وتدبير الشأن العام، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة ويعيد الاعتبار للتنافس القائم على البرامج والرؤى، وليس فقط على انتقال الأسماء من حزب إلى آخر.

العمراني بوخبزة *أستاذ متخصص في العلاقات الدولية – جامعة محمد الخامس بالرباط

 للعمراني بوخبزة (*):

 

“ترشيحات الأحزاب في كثير من الحالات تحكمها التوازنات الداخلية أكثر من الكفاءة

 

 

ما أبرز الاختلالات التي تشوب ترشيح الأحزاب السياسية لمرشحيها في الانتخابات التشريعية؟

أعتقد أن الحديث عن اختلالات الترشيح داخل الأحزاب السياسية يقتضي، في البداية، الإقرار بوجود أزمة بنيوية في أساليب اشتغال عدد من التنظيمات الحزبية. ففي حالات كثيرة، لا تستند عملية اختيار المرشحين إلى معايير الكفاءة أو التنافس الديمقراطي بقدر ما تحكمها توازنات داخلية دقيقة، وأحيانا صراعات بين تيارات ومراكز نفوذ داخل الحزب نفسه.

ومن أبرز هذه الاختلالات، في تقديري، هيمنة معيار الولاء التنظيمي أو الشخصي على حساب الكفاءة والاستحقاق. فبدل أن يكون المرشح هو الأكثر تأهيلا من حيث التكوين والخبرة والقدرة على التشريع ومراقبة العمل الحكومي، يصبح القرب من دوائر القرار الحزبي عاملا حاسما في نيل التزكية، وهو ما يفرز لوائح لا تعكس دائما أفضل الكفاءات التي يمكن أن يقدمها الحزب للناخبين.

كما أن محدودية الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب تزيد من تعميق هذا الخلل، إذ لا تتم عملية اختيار المرشحين، في كثير من الأحيان، عبر نقاشات موسعة داخل الهياكل الحزبية أو وفق آليات شفافة، وإنما تحسم داخل دوائر ضيقة، الأمر الذي يضعف ثقة المناضلين والرأي العام في مسطرة الترشيح ويؤثر على صورة الأحزاب باعتبارها مؤسسات لتأطير المواطنين وتكوين النخب.

ويبرز كذلك ما يمكن تسميته بمنطق إعادة إنتاج النخب، حيث تتكرر الأسماء نفسها في مختلف الاستحقاقات الانتخابية مع تغييرات محدودة، وهو ما يقلص فرص تجديد النخب داخل المؤسسة التشريعية ويكرس انطباعا بأنها فضاء مغلق أمام الوجوه الجديدة. كما أن هذا الأمر ينعكس على جودة النقاش البرلماني وعلى قدرة المؤسسة التشريعية على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.

ولا يقل أهمية عن ذلك توظيف التزكيات كوسيلة لتدبير التوازنات الداخلية، أحيانا على حساب المصلحة الانتخابية للحزب وجودة تمثيليته داخل البرلمان، مما يخلط بين الاعتبارات التنظيمية الداخلية ومتطلبات المنافسة الانتخابية. وفي بعض الحالات تصبح التزكية وسيلة لاحتواء الخلافات أو لإرضاء مراكز النفوذ داخل الحزب أكثر من كونها اختيارا مبنيا على تقييم موضوعي للكفاءات والبرامج.

كما أن بعض الأحزاب أصبحت تعطي أهمية متزايدة لما يسمى بـ”القابلية الانتخابية”، أي قدرة المرشح على الفوز بالمقعد، حتى وإن كان ذلك على حساب الكفاءة أو المشروع السياسي، وهو ما يفسر تنامي ظاهرة استقطاب المنتخبين والأعيان مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، بدل الاستثمار في تكوين نخب حزبية جديدة قادرة على ممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية بكفاءة.

 

ما الذي يحول دون ترشيح الأحزاب للنخب الأكاديمية والكفاءات بدل الأعيان؟

أرى أن ضعف حضور الكفاءات والنخب الأكاديمية في اللوائح الانتخابية لا تتحمل مسؤوليته الأحزاب وحدها، وإن كانت تتحمل القسط الأكبر منها. فجزء مهم من هذه النخب يفضل الاستمرار في مساره الأكاديمي أو المهني، بعيدا عن العمل الحزبي، الذي ينظر إليه أحيانا باعتباره فضاء للصراعات أكثر منه مجالا للإنتاج الفكري وصناعة الإصلاح.

وفي المقابل، لا توفر الأحزاب دائما بيئة جاذبة لهذه الكفاءات، إذ يطغى على عملها اليومي البعد الانتخابي والتعبئة السياسية أكثر من الاشتغال الفكري والبرامجي، وهو ما يجعل عددا من الأكاديميين يشعرون بأن خبراتهم لن تجد المجال الكافي للتوظيف داخل العمل الحزبي، وأن مساهمتهم قد تبقى محدودة في ظل هيمنة الحسابات التنظيمية.

كما أن منطق “الوزن الانتخابي” يظل حاسما في اختيار المرشحين، إذ تعطي الأحزاب الأولوية لمن يمتلكون قدرة على حشد الأصوات داخل الدوائر الانتخابية، أكثر من اهتمامها بالكفاءة العلمية أو المهنية، وهو ما يضعف فرص المرشحين الذين يملكون رصيدا علميا لكنهم يفتقرون إلى قواعد انتخابية أو امتدادات محلية.

ولا يمكن إغفال أن بعض الأكاديميين يترددون في الانخراط في السياسة الحزبية خشية التأثير على استقلاليتهم العلمية أو صورتهم المهنية، وهو هاجس حاضر لدى عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين، خاصة في ظل ارتفاع منسوب الاستقطاب السياسي وما قد يرافقه من نقاشات حادة.

ويضاف إلى ذلك ضعف قنوات التواصل بين الجامعة والحقل السياسي، في ظل غياب آليات مؤسساتية تتيح انتقال الكفاءات من الفضاء الأكاديمي إلى المجالين التشريعي والتنفيذي، كما هو معمول به في عدد من التجارب المقارنة، حيث تلعب مراكز التفكير والجامعات دورا محوريا في رفد الحياة السياسية بالخبرات.

ومن وجهة نظري، فإن إصلاح هذا الوضع يقتضي أن تتحول الأحزاب إلى فضاءات حقيقية لإنتاج الأفكار والسياسات العمومية، وليس فقط إلى آلات انتخابية تنشط خلال فترات الاستحقاقات، لأن الكفاءات عادة ما تبحث عن فضاءات تسمح لها بالمساهمة في صناعة القرار وإنتاج الحلول، وليس فقط بخوض المنافسة الانتخابية.

 

ما الآليات القانونية التي تتيح للأحزاب ترشيح الكفاءات؟

من الناحية القانونية، يمنح الإطار الدستوري والتنظيمي المغربي الأحزاب السياسية هامشا واسعا في اختيار مرشحيها. فالدستور يقر بدورها في تأطير المواطنين وتكوين النخب والمساهمة في ممارسة السلطة عبر المؤسسات المنتخبة، وهو ما يجعل الأصل هو حرية الحزب في اختيار من يراه مؤهلا لتمثيله.

كما أن القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات لا تفرض شروطا مرتبطة بالكفاءة أو المستوى العلمي، وإنما تكتفي بالشروط القانونية العامة، مثل التمتع بالجنسية المغربية، وبلوغ السن القانونية، وعدم وجود موانع قانونية أو حالات تناف. وبذلك، فإن الباب يبقى مفتوحا أمام الأكاديميين والمهنيين وسائر الكفاءات للترشح دون أي قيود قانونية خاصة.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية، وإنما في كيفية تفعيلها داخل الأحزاب. فالقانون لا يتدخل في مساطر اختيار المرشحين، احتراما لمبدأ استقلالية التنظيمات السياسية، غير أن هذه الاستقلالية كان يفترض أن تواكبها آليات ديمقراطية داخلية أكثر وضوحا وشفافية، تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الراغبين في الترشح.

ومن بين الآليات التي يمكن أن تعزز حضور الكفاءات، اعتماد التصويت داخل الهياكل الحزبية لاختيار المرشحين، أو فتح باب الترشيحات وفق مساطر داخلية واضحة ومعلنة، مع إخضاع المرشحين لتقييم موضوعي يعتمد الخبرة والكفاءة والحضور الميداني، بما يتيح منافسة أوسع ويضمن تنوعا أكبر في النخب المرشحة.

كما يمكن للدعم العمومي الموجه للأحزاب أن يشكل وسيلة لتحفيزها على الانفتاح على الكفاءات، إذا ما تم ربط جزء منه بمعايير الحكامة الداخلية والديمقراطية في اتخاذ القرار، بما في ذلك كيفية إعداد اللوائح الانتخابية، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.

ومن الممكن أيضا التفكير في تطوير آليات داخلية للتكوين السياسي وإعداد القيادات الشابة، بما يسمح بتوسيع قاعدة الكفاءات المؤهلة لتحمل المسؤولية التشريعية، ويحد من الاعتماد المتكرر على الأسماء نفسها في كل استحقاق.

وفي المحصلة، فإن القانون المغربي لا يضع أي عائق أمام ترشيح الكفاءات، بل يوفر الإطار اللازم لذلك، غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بإرادة الأحزاب السياسية في استثمار هذا الهامش القانوني وتحويله إلى ممارسة ديمقراطية فعلية داخل هياكلها. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل التنظيمات الحزبية نفسها، عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالكفاءة، وإعطاء الأولوية لجودة النخب التي ستتولى تمثيل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية، بما يرفع من جودة الأداء البرلماني ويعزز ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.

 

(*) أستاذ القانون العام بجامعة عبد الملك السعدي

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى