
الوزراء كانوا يلمزون ويتغامزون كلما دخل المنبهي إلى البلاط للقاء السلطان.. واكتشف أن أخبار معارك بوحمارة كانت تصل إلى هؤلاء الوزراء أولا بأول، خصوصا وزير المالية محمد التازي الرباطي، وكانوا يطلقون تعليقات لمضايقة المنبهي في حضرة السلطان
يونس جنوحي
أول خبر وصل إلى أذن المهدي المنبهي، بخصوص بوحمارة، كان يتعلق بتأسيس الأخير لأول مركز دفاعي له، وإعلانه السيطرة تماما على مدينة تازة.
صفعة مدوية تلقاها المهدي المنبهي، وهو الذي كان يعتقد، إلى حدود سماعه الخبر، أن الأمر يتعلق بمحاولة يائسة من ثائر متمرد يمكن تشتيت رجاله بسهولة.
كان المهدي المنبهي، في العام 1902، مدركا لأهمية «تازة» على اعتبار الخبرة التي راكمها في دواليب المخزن. فهذه المدينة طالما كانت مفتاحا لحركات انقسام كثيرة، وكانت أخبارها تصل إلى مراكش عندما كان المنبهي مخزنيا بسيطا في دار «باحماد».. فقد بايع سكان تازة في تلك الفترة أميرا منحدرا من بلاد الجزائر، وتسبب تمردهم ذاك في مشاكل للسلطة المركزية.
حاول المنبهي أن يطعن في «بوحمارة»، واعتبره على الفور صنيعة فرنسية قادما من الجزائر، للتمهيد لاحتلال المغرب. وهو ما جعل فاس تصمد أمام الإشاعات القادمة من الشرق، سيما وأن الأعيان والتجار وكبار موظفي المخزن كانوا يعرفون جيدا أن «بوحمارة» لا تربطه بالمولى الحسن الأول أي علاقة نهائيا، وأنه ليس إلا منتحلا لصفة الأمير مولاي محمد.
اللعب على الحبلين
في الوقت الذي كان فيه المنبهي يحاول أن يبرر للسلطان المولى عبد العزيز سر قوة بوحمارة، وينسبه إلى فرنسا باعتباره متواطئا مع الاستعمار الفرنسي للجزائر، ليمهد دخول الفرنسيين إلى المغرب، كان الفرنسيون يراسلون المولى عبد العزيز، مُعلنين عن مساندتهم للسلطان ضد تمرد بوحمارة، التزاما منهم بمعاهدتي 1901 و1902، اللتان التزمت فيهما فرنسا بـ«خلق سياسة مبنية على التعاون مع السلطان الشرعي ومساعدته وتوطيد سلطانه».
كان دليل المهدي المنبهي على المؤامرة العلاقة الوطيدة التي جمعت «بوحمارة» بالشيخ ابن عدة الجزائري، الذي اقترح على بوحمارة أن يمده بمقاتلين من بلاد الجزائر لتعزيز صفوف جيشه.
كان المنبهي يعتبر التحالف كله مخططا فرنسيا.. أي أن فرنسا، في نظر الوزير، كانت تلعب على الحبلين معا.
من جهة أخرى كان المنبهي ميالا إلى الاستعانة بالإنجليز. ولم تكد سنة 1902 تنقضي حتى بدأ اليأس يتسلل إليه، عندما لم ينجح في جعل الإنجليز يعلنون عن مساندة للسلطان مثل ما فعل الفرنسيون. فقد اكتفى البريطانيون بالمجاملات، ورسائل الخطابة واستعراض مفردات الدعم والمساندة، في حين كان المنبهي يحتاج إلى الذخيرة والعتاد لمواجهة بوحمارة.
شكلت تلك الفترة مرحلة من الانهزامات المتلاحقة، التي تكبدها جيش المولى عبد العزيز بقيادة المهدي المنبهي، ما جعل موقفه متدهورا جدا، في نظر حكومة المولى عبد العزيز، وفي نظر السلطان شخصيا، رغم العلاقة الوطيدة والمكانة التي يحتلها المنبهي في البلاط.
زلزال في قصر فاس
من جملة ما كان يحكيه المهدي المنبهي، بعد استقراره في طنجة الدولية، لجلسائه من الإنجليز، أنه كان يحس بنظرات الوزراء إليه، كلما اجتمع المولى عبد العزيز مع وزرائه، لمناقشة تطورات الأوضاع في تازة والنواحي.
ومن جملة ما حكاه المنبهي، للمفوض البريطاني في طنجة الدولية، والذي نقلته مراسلة تحمل ترقيم 12AA614/08، أن الوزراء كانوا يلمزون ويتغامزون كلما دخل المنبهي إلى البلاط للقاء السلطان.. واكتشف أن أخبار معارك بوحمارة كانت تصل إلى هؤلاء الوزراء أولا بأول، خصوصا وزير المالية محمد التازي الرباطي، وكانوا يطلقون تعليقات لمضايقة المنبهي في حضرة السلطان.
جاء في نص الوثيقة أن المنبهي كان يقول لأصدقائه الإنجليز إنه كان يحس بمؤامرة أقوى تهدد منصبه وزيرا للحرب، وأحد كبار وزراء الدولة. لقد كان السلطان يتوصل بتقارير من المنبهي يطمئنه فيها بقرب السيطرة على المعارك، ويخبره فيها بحاجته إلى الرجال والعتاد والذخيرة. في حين أن الوزراء كانوا يحذرون السلطان، في غياب المنبهي، من تبعات تسليمه مسؤولية إخماد ثورة بوحمارة، وأكدوا للسلطان، في أكثر من مناسبة، أنه يتعين عليه تغيير سياسته في التعامل مع الوضع، ويقدمون له روايات من مصادرهم الخاصة يؤكدون فيها أن الأزمة أكبر مما كان ينقله المنبهي إلى السلطان.
كان المنبهي يؤكد للإنجليز أن «بوحمارة» كان من اللؤم الذي جعله يخطب في الناس ظاهريا بمعاداته للأجانب، ويعتبرهم غزاة، في حين أنه كان يخطط لتوقيع اتفاقيات استغلال منجمي مع فرنسا في المنطقة الشرقية، بمجرد إعلانه سيطرته عليها وخروجها من نطاق نفوذ بلاد المخزن.
بدا واضحا، وقتها، أن السلطان المولى عبد العزيز لم يرغب في عزل وزيره في الحرب، ليس بحكم التعاطف، وإنما بحكم إلمام المنبهي بكواليس وزارة الحرب، ومشاكل تمويل الجيش المرتبطة بحالة الإفلاس والعجز عن استخلاص الضرائب. وكان إعفاؤه، في ظل هذه الظروف، ليكون ضربة قاضية. أما المنبهي فكان مُدركا أن أيامه على رأس الوزارة باتت معدودة.





