
ونحن في بهو المطار كان يتسلل إلى آذاننا هدير المحركات الذي يصم الأسماع، ومنبهات مزعجة لعمليات الهبوط والإقلاع المتواصلة، حيث كانت الأطقم تحاول تدبير التدهور الوشيك للأحوال الجوية حسب توقعات خدمات الأرصاد الجوية.
ولتمضية وقت الانتظار الطويل والممل قبل الإيذان باستئناف الرحلات، اشتريت ورفيقي تذاكر لمطعم خدمة ذاتية ضخم، واقتنينا بعض المشتريات من متاجر المطار الذي أجبرنا على قضاء ما يقارب ثماني ساعات، نسترخي أحيانا، ونمدد أرجلنا أحيانا أخرى ونتحرك دون اتجاه ونقوم بأي شيء لتذويب جليد الفراغ.
كانت التذكرة صالحة طالما بقي حاملها داخل منطقة الخدمة الذاتية للمطعم، لذا كنا نأكل ونجبر شهيتنا على تحمل مأكولات أخرى.
في منتصف الليل، تنفسنا الصعداء عندما أُعلن عن موعد صعودنا إلى الطائرة بعد هدوء نسبي للعاصفة، لكن، لسوء الحظ، كانت تنتظرنا محنة جديدة أكثر إزعاجا وإرهاقا من سابقاتها.
فبعد الإقلاع مباشرة للتحليق في السماء الغائمة، بدأت التنبيهات تصل تباعا من مكبر الصوت، انحرفت طائرة الـ«إيرباص»، التابعة للخطوط الجوية الفرنسية، التي كنا نسافر على متنها، حيث شرعت في مراوغة العاصفة التي تنبأت بها نشرة الأحوال الجوية، ما جعلنا نتحمل محنة جديدة وسط سلسلة من الاضطرابات، كل منها أكثر رعبا من سابقتها، ما تسبب في تمايل الطائرة في كل اتجاه.
كانت تجربة مرعبة، عشنا جحيما ما أتى الله به من سلطان، فهمنا المعنى الحقيقي للرعب الذي تقاسمه الجميع (الركاب وطاقم الطائرة)، وكنت تسمع صراخ الأطفال والنساء على حد سواء وأدعية من هنا وهناك.
ظلت أحزمة مقاعد المجندين غير مربوطة طوال الرحلة. لم تقدم لنا وجبات أو مشروبات أو خدمات، وبقيت دورات المياه مغلقة من الإقلاع حتى الهبوط. ساد صمت مطبق في الطائرة، وتسمرت المضيفات في كراسيهن وقد انخرطن في صمت عميق، بينما يلح صوت قادم من المقصورة على التزام الكراسي ووضع أحزمة السلامة في طائرة ندعو لها بالسلامة.
لم يقطع رعب المكان سوى هدير المحركات الذي شق طريقه عبر العاصفة والظلام فوق محيط هائج. جعل مشاعر القلق والخوف تسكن وجدان الركاب الذين كانوا يخشون تحطم الطائرة فوق المحيط، علما أن أغلبهم كانوا من الفرنسيين.
الناجون الوحيدون من هذا الرعب هم أولئك الذين ابتلعوا، قبل الصعود إلى الطائرة، نبيذا فصلهم تماما عن عالم الرعب الذي عشناه، إذ كانوا في حالة سكر مفرط، فناموا نوما عميقا طوال الرحلة، ولم يفتحوا أعينهم إلا عند الهبوط في مطار شارل ديغول في باريس.. منهكين شاحبين، بملامح غامضة وبطون فارغة تماما.
بعد ثماني ساعات من المحنة والاضطراب بين السماء والبحر، لم يبق في أذهاننا (أنا ورفيقي) سوى العودة إلى بيوتنا والاستمتاع بنوم عميق، ينسينا ساعات في الجحيم جوا وبرا، في مهمة لم تكن محفوفة بالمخاطر فقط بل كانت هي المخاطرة ذاتها.
لكن لابد من استخلاص الدروس والعبر من رحلة السلفادور، فقد أتاحت لنا هذه الزيارة فرصة قياس ومقارنة مستوى السعادة والرفاه الذي يعيشه المغاربة، بفضل الله، وبفضل السياسة الحكيمة والمستنيرة لملكهم، وبفضل روح الاعتدال التي تميز الشعب المغربي. وتمكنا، كذلك، من إدراك مستوى الأمن والاستقرار الذي يميز المغرب، بفضل كفاءة أجهزته الأمنية وتعبئتها. أما السلفادور، فاحتفظنا بذكرى بلد مضياف وشعب ودود ومتعاون، وتمنينا أن نعود إليه وقد تخلص البلد من كابوس الخوف والقلق وعاد السلم والأمان ليستوطن شوارع مدنه وقراه.





