
يونس جنوحي
الأمريكيون يعرفون عن المغرب أكثر مما يعرفونه عن أي بلد آخر. نحن من بين البلدان الأكثر شعبية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن الأمريكيين ليسوا شعبا يهتم كثيرا بالجغرافيا، لكنهم يعرفون الضفة المقابلة لشطآنهم، على الأقل.
وصول المنتخب المغربي إلى الولايات المتحدة للمشاركة في نهائيات كأس العالم، في بلد لا تحظى فيه كرة القدم بنفس شعبية «البيسبول» و«الريگبي»، حيث يُسمح بـ«استخدام الأيدي» في لعبة يُحيل اسمها على «الأقدام»، ليس خبرا عاديا.. منتخب البلد الذي سوف يُنظم النسخة القادمة، بالإضافة إلى توظيف «موروكو» في مجال الدعاية لكل ما هو مشرقي، وإقبال مشاهير أمريكا على المغرب باعتباره وجهة سياحية، كلها مؤشرات تمنحنا أفضلية في الإعلام الأمريكي الذي يستهلك كثيرا، وقليلا ما يتوقف للتأمل.
قطع مغاربة كندا الحدود، وحجّوا لمتابعة مباراة المنتخب الودية ضد النرويج. لا تهم النتيجة بقدر ما تهم فرصة تجمع أبناء البلد في مكان واحد. حتى أن حرس الحدود بين بلدي أمريكا الشمالية، انتبهوا إلى «حضور غير معهود» للمغاربة العابرين لكندا في اتجاه الولايات المتحدة.
نحن أول شعب قطع المحيط الأطلسي ليصل إلى أمريكا. أجدادنا سبقوا «كولومبوس» الذي منحه التاريخ شرف اكتشاف القارة كلها.. ولأن البرتغاليين كانوا يعرفون مهارة من كانوا يطلقون عليهم «قراصنة»، فقد لجؤوا إلى خدماتهم لإنجاح مهمة كولومبوس في استكشاف العالم الجديد.
التاريخ يُكتب بمكر كبير.. وإلا لما حصل عالم القرن الحادي والعشرين على الحقائق الجاهزة.
المغاربة وصلوا إلى أمريكا قبل كولومبوس. مصطفى الأزموري دليل دامغ على هذه الحقيقة. لا يزال ضريحه محط نقاش في أمريكا الجنوبية على اعتبار أنه أول من نشر الإسلام بين قبائل أمريكا الجنوبية. وهناك إشارات أخرى تؤكد أن بحارة المغرب المسلمين وصلوا فعلا إلى «البلاد الجديدة» قبل الحملات الأوروبية.
حتى أن الأكاديميين المعجبين بمسار الأزموري المغربي، أو «استبانيكو» كما لقبه مؤرخو أمريكا الجنوبية، يجمعون على أن الرجل كان يسير على خطى أجداده، لذلك انفصل عن الفريق فور وصوله إلى الضفة الأخرى من المحيط، وانصرف إلى استكشاف أمريكا وحيدا، قبل أن يجمع حوله الأتباع من السكان المحليين ويصبح بالنسبة لهم كائنا قادما من «وراء البحر».
اليوم، يقيم المغاربة في كل الولايات الأمريكية، حتى في الولايات غير المأهولة التي تضعها إدارة الرئيس «ترامب» على رأس قائمة الولايات المستهدفة بحركات الهجرة الانتقائية.
لا مشكل لدى المغاربة في الإقامة حتى في «تكساس» الأكثر تشددا ورفضا للمهاجرين.
الأمريكيون المحافظون، الذين يتعاملون مع كل ما هو عربي بحساسية كبيرة، تقبلوا المغاربة بينهم قبل أكثر من أربعين سنة، حتى أننا وصلنا إلى المدن الصغرى في الجنوب، التي يتوفر سكانها على بئر بترول للأسرة الواحدة، ومخزن سلاح في الباحة الخلفية.
هناك أمريكيون يشجعون المنتخب المغربي، إعجابا بمسار قطر 2022. وهناك مشجعون متأثرون بالصور القادمة من المغرب، لساحة جامع الفنا وصومعة حسان وقصبات وقصور المغرب الشرقي التي تغزو كل المنصات الأجنبية.
الأمريكيون يعرفون ورززات أكثر مما يعرفون قبائل الصحارى العربية، ومثقفو الولايات المتحدة يعرفون طنجة أكثر مما يعرفون باريس.
تظاهرة، بحجم كأس العالم، ليست مجرد مباريات يتابعها الجمهور في انتظار النتيجة النهائية.. هناك اهتمام بالثقافات التي تمثلها المنتخبات، خصوصا في المجتمع الأمريكي الذي اعتاد دائما على لعب كرة القدم، باستعمال اليدين! لذلك فإننا أمام مباريات أخرى تُلعب خارج المدرجات، وليس فوق المستطيل الأخضر وحسب.





