
الأخبار
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى تنصيب الوزير الجديد لقطاع التربية الوطنية، عاش ويعيش قطاع التعليم بجهة الرباط سلا القنيطرة دخولا مدرسيا مرتبكا، تتصدر أعطابه مديريتا القنيطرة وسلا. أرقام رسمية مطمئنة من جهة، وواقع ميداني متعثر من جهة أخرى، إلى حد دفع الإدارة المركزية إلى التدخل مباشرة خلف الأبواب المغلقة. وهو ما يطرح سؤالا أكبر: لماذا تحتاج مشاكل مديرية إقليمية إلى تدخل الوزارة، إذا كانت الأكاديمية الجهوية تملك قانونا صلاحيات معالجتها؟
أرقام رسمية تجمل المشهد
في 21 شتنبر 2026 قدم محمد عواج، مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الرباط سلا القنيطرة، مؤشرات الدخول المدرسي بالجهة، حيث أبرز أن أزيد من مليون و111 ألف تلميذ، و724 مدرسة ابتدائية منخرطة في مشروع «الريادة» بنسبة تغطية تبلغ 84 في المائة، و139 إعدادية بنسبة 45,5 في المائة، و15 مؤسسة جديدة فقط على صعيد الجهة كلها. أرقام لا تقول شيئا عن نصيب القنيطرة وسلا من هذه المؤسسات، ولا عن التعثرات التي تعرفها بعض المديريات الإقليمية التابعة للجهة.
في المقابل رسمت الهيئات النقابية ومتتبعو القطاع بالجهة صورة أخرى لدخول هذا الموسم، واعتبروا الانطلاقة بأنها «دخول مدرسي متعثر، يعمق هدر الزمن المدرسي بسبب احتجاج الأطر واختلالات النقل والداخليات ونقص المقررات»، ورصدت أيضا تعثر أشغال التأهيل في عدد من مؤسسات الريادة، فيما تحدثت نقابة أساتذة الابتدائي عن احتقان جماعي حقيقي، وعن إجبار أساتذة على العمل خمس ساعات متواصلة في بعض المديريات الإقليمية.
القنيطرة.. مديرية مقبرة المسؤولين لا يستقر بها أحد
ليست تعثرات القنيطرة وليدة هذا الموسم، إذ سبق لتقرير أن وصف المديرية بأنها مديرية «لا أحد يصمد في المنصب»، مشيرا إلى عودة مدير إقليمي مكلف للمرة الثانية منذ أكتوبر 2023، قبل تعيين مدير رسمي، وإلى تصنيف المديرية ضمن «الفئة الحمراء» في تنزيل مشروع مؤسسات الريادة. ويضاف إلى ذلك تعثر أوراش حظيت بالرعاية الملكية بالإقليم، وتعاقب حوالي 4 من المديرين الإقليميين على المديرية في سنوات قليلة. فكيف يُنتظر من مديرية بلا استقرار إداري أن تدبر أوراشا بهذا الحجم، بالنظر إلى امتداداتها القروية وتراكماتها السلبية على مستوى الأداء والتأهيل ومواكبة المشاريع وإنجازها.
سلا.. الواجهة الرسمية والأوراش المعلقة
تعد سلا أكبر مديرية إقليمية بأكاديمية جهة الرباط سلا القنيطرة، وهي مدينة مليونية تستقبل وافدين جددا كل سنة، خاصة بمقاطعات مثل العيايدة وبوقنادل والسهول، حيث يتجدد ضغط الطلب على التمدرس مع كل دخول مدرسي. غير أن ضغط الأرقام لا يفسر وحده ما تعيشه المدينة، فالمؤشرات المتراكمة تكشف أعطابا في التدبير قبل أن تكون أعطابا في الموارد، واختار الوزير السابق محمد سعد برادة إعطاء انطلاقة الموسم الدراسي الحالي من مدرسة ابن بطوطة الابتدائية بسلا، غير أن الواجهة لا تحجب الواقع المقلق لبنيات التدبير وأدائها.
ففي حي الرحمة بالمدينة نفسها، تحدثت تقارير هذه السنة عن إعدادية إدريس بن زكري التي تعرف أشغال بناء وإصلاح لم تكتمل منذ أزيد من ست سنوات، مع تشققات في جدران بعض الأقسام، دون أي توضيح رسمي لأسباب التأخر. والمسؤول عن الإقليم لا يتحرك إلا بعد صدور بلاغات نقابية تنتقد فيه تدبير الدخول المدرسي والنقص المسجلة بعدد من المؤسسات التعليمية.
لقاء خلف الأبواب المغلقة
أمام هذا الوضع، علمت «الأخبار»، من مصادر مطلعة، أن الكاتب العام لوزارة التربية الوطنية، الحسين قضاض، عقد، قبل نحو أسبوعين، لقاء وصف بـ«السري» مع مدير الأكاديمية الجهوية للرباط سلا القنيطرة والمدير الإقليمي بالقنيطرة. وبحسب المصادر ذاتها، جاء هذا التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دخول مدرسي تعثر بشكل كبير بالإقليم، بعدما تبين أن المعالجة الجهوية لم تعد كافية، وأن آلاف التلاميذ يواجهون متاعب كبيرة في الأسابيع الأولى من الدخول المدرسي. وانصبّ اللقاء على مواضيع أهمها الخصاص في الأطر، الاكتظاظ، تأخر الأشغال، تأخر انطلاق الدراسة في مؤسسات بعينها.. ولم يصدر عن الوزارة ولا عن الأكاديمية أي بلاغ يوضح ما جرى أو ما تقرر، رغم أن الأمر يخص آلاف الأسر بالقنيطرة، واختيار السرية في حد ذاته رسالة، فحين تعالج أعطاب الدخول المدرسي في اجتماع مغلق بدل خطة معلنة بآجال ومسؤوليات، يبقى الرأي العام المحلي خارج الصورة، وتبقى المحاسبة مؤجلة.
اللامركزية.. هل تنتظر الأكاديمية دائما الوزارة؟
هنا جوهر السؤال. فالقانون 07.00 جعل الأكاديميات الجهوية مؤسسات عمومية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، وأسند إليها التخطيط والبرمجة وتتبع البناءات المدرسية وتدبير الموارد البشرية والتنسيق بين المديريات، وفي سنة 2024 وقعت أكاديمية الرباط سلا القنيطرة عقود نجاعة الأداء مع مديرياتها الإقليمية لمدة ثلاث سنوات، تُتتبع بعشرين مؤشرا استراتيجيا، باسم ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فأين هذه العقود من تعثرات مديريات مهمة بالجهة، ولماذا لم تفعل آلياتها قبل أن تتدخل الإدارة المركزية؟ وهل ما زالت الأكاديمية، بعد أكثر من عقدين على إحداثها، مجرد وسيط إداري ينقل التعليمات من الرباط إلى الأقاليم وينتظر الضوء الأخضر لحل كل مشكل جهوي؟ إذا كان الجواب نعم، فإن الجهوية في قطاع التعليم تبقى شعارا على الورق، وتبقى الاختصاصات المخولة للأكاديمية مجمّدة بقرار غير معلن.





