
مع بداية الأسبوع الجاري، وتفويض مجموعة من الأحزاب السياسية لقياداتها باتخاذ القرار المناسب في المشاورات الحكومية لتشكيل الحكومة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، تدخل الأخيرة، ومعها الأحزاب المفترض تحالفها، في اختبار حقيقي للتعامل مع الضغط المتزايد للتصريحات والتأويلات، والتسرع في ترويج تسريبات غير دقيقة يمكن أن تقلب كافة الموازين، وتتسبب في «بلوكاج» حكومي، ولو لمدة زمنية محدودة.
لقد تسببت خرجة نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، وقوله إن حزب التجمع الوطني للأحرار أصبح خارج تشكيل الحكومة، وتصفيق قيادة «الميزان» لهذا القرار، في حرق مراحل مهمة من التشاور الحكومي، كما أن حديثه بلسان الحزب الذي سيقود الحكومة زاد الطين بلة، وقد يخلط كل الأوراق من جديد.
إن التسريبات، سواء كانت أخبارا دقيقة أو مجرد تنجيم أو محاولة لخدمة أجندات خاصة، تعمل على زرع مزيد من الشك في المشاورات الحكومية. وبالشك لا يمكن بناء تحالف قوي ومنسجم، خصوصا في ظل الحواجز السياسية التي قد تخلقها التصريحات المتسرعة، ومؤشر غياب التفاهم بين «الميزان» و«الحمامة» ضمن هذا السيناريو، بما قد يخلق رواسب يصعب تجاوزها لاحقا في الأداء الحكومي.
وتواجه المنصوري، رئيسة الحكومة، اختبارا أكثر حدة من مجرد جمع أغلبية برلمانية عددية تضمن التصويت على القرارات ومشاريع الميزانية، ويتعلق الأمر بتوزيع الحقائب الوزارية على أحزاب التحالف الحكومي، وعدد الحقائب المخصصة لكل حزب، والقطاعات الوزارية التي يرغب كل طرف في تدبيرها. وتعتبر هذه المرحلة من أدق مراحل تشكيل الحكومة، إذ يمكن أن تشهد خروج أحزاب من التحالف المفترض ودخول أخرى، في حال غياب التوافق حول توزيع المناصب والقطاعات الحكومية.
لقد دخل مخاض تشكيل الحكومة مراحله الأخيرة، وحروب غياب التفاهم القبلي، والتسريبات، والتصريحات المتسرعة، يمكن أن تتضاعف وتتسبب في زرع الشك والصراعات الحزبية، مع إمكانية استغلال ذلك من طرف جهات معارضة لإخراج حكومة معطوبة من حيث التنسيق والانسجام. وهو أمر لا يمكن القبول به في ظل مرحلة سياسية حساسة تجتازها البلاد، وتحتاج إلى حكومة قوية ومتماسكة، قادرة على مواجهة التحديات، وتمتلك من الكفاءة ما يمكنها من إيجاد حلول لأعقد الملفات الاجتماعية والاقتصادية، والصمود أمام المعارضة واستيعاب انتقاداتها والبدائل التي تطرحها بمرونة سياسية.
وفي نهاية المطاف، فإن الاختبار الحقيقي أمام رئيسة الحكومة والأحزاب المعنية لا يكمن فقط في الوصول إلى صيغة توافقية لإعلان الحكومة، وإنما في القدرة على بناء ثقة سياسية متبادلة تضمن استمرار التحالف بعد الإعلان عنه، والأهم من كل ما سبق تنفيذ الوعود الحكومية، وخلق فرص الشغل، وتنزيل إصلاحات مستعجلة يلمسها المواطن في معيشه اليومي بكل تفاصيله.





