حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

اختلالات بنيوية بمؤسسات ومقاولات عمومية

حل وتصفية 81 مقاولة ومؤسسة عمومية وإعادة هيكلة 130 هيئة

شكل اعتماد القانون الإطار رقم 50.21، المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، والقانون رقم 82.20 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، الانطلاقة الحقيقية لتنزيل الإصلاحات الضرورية ضمن مقاربة إصلاحية شاملة مندمجة وإرادية. ويهدف هذا الإصلاح إلى توطيد الدور الاستراتيجي للمؤسسات والمقاولات العمومية، وإعادة تشكيل المحفظة العمومية، التي تتكون من 271 مؤسسة ومقاولة عمومية تنشط في قطاعات استراتيجية متنوعة للاقتصاد الوطني، منها 228 مؤسسة عمومية، و43 مقاولة عمومية ذات مساهمة مباشرة للخزينة. ومن جهة أخرى، تمتلك بعض المؤسسات والمقاولات العمومية شركات تابعة و/أو مساهمات يبلغ مجموعها 525 هيئة، منها 53 في المائة مملوكة بأغلبية. ويهدف القانون، كذلك، إلى تعزيز أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين تدبيرها، والرفع من مردوديتها وقدراتها الابتكارية والتنافسية التي تساهم في خفض تكاليف عوامل الإنتاج، ما سيساهم في تقديم خدمة عمومية مستمرة وسهلة الولوج وعالية الجودة، بغية المساهمة في تسريع التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني. وتقوم وزارة الاقتصاد والمالية بإنجاز دراسة حول عمليات حل وتصفية المؤسسات والمقاولات العمومية، مشيرة إلى أن المحفظة الخاصة بالتصفية تضم 81 هيئة، كما تشتغل الوزارة على ورش إعادة هيكلة 130 مؤسسة ومقاولة عمومية تنشط في قطاعات حيوية.

 

إعداد:  محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

مؤسسات ومقاولات عمومية تساهم بـ15 مليار درهم في ميزانية الدولة

 

 

أفاد تقرير حول المؤسسات والمقاولات العمومية مرفق لقانون المالية للسنة الحالية، بأن المؤسسات والمقاولات العمومية تساهم في الميزانية العامة للدولة بتحويلات مالية بمبلغ 15 مليار درهم، على شكل أرباح وحصص الأرباح وعوائد الاحتكار وإتاوات مقابل الاحتلال الملك العمومي وموارد أخرى، وعلى رأس هذه المؤسسات، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والمجمع الشريف للفوسفاط، وبنك المغرب.

وحسب التقرير، فإن المحفظة العمومية تتكون حتى متم شهر شتنبر 2024 من 271 مؤسسة ومقاولة عمومية تنشط في قطاعات استراتيجية متنوعة للاقتصاد الوطني، منها 228 مؤسسة عمومية، و43 مقاولة عمومية ذات مساهمة مباشرة للخزينة، ومن جهة أخرى، تمتلك بعض المؤسسات والمقاولات العمومية شركات تابعة و/أو مساهمات يبلغ مجموعها 525 هيئة، منها 53 في المائة مملوكة بأغلبية.

وحسب التقرير، فقد بلغت مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية في الميزانية العامة للدولة، برسم الأرباح وحصص الأرباح والمساهمات الأخرى، دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة، ما قدره 13.987 مليون درهم برسم سنة 2023، أي بنسبة إنجاز بلغت 85 في المائة، مقارنة مع التوقعات الأولية (16.464) مليون درهم، متأتية بالأساس من المجمع الشريف للفوسفاط (7.441 مليون درهم) والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (4.000 مليون درهم)، وبنك المغرب (937 مليون درهم).

وأفاد التقرير أو هذه التحويلات تسجل ارتفاعا نسبته 6 في المائة مقارنة بسنة 2022، (13.146 مليون درهم)، ويعزى هذا التطور بنسبة كبيرة إلى تحسن حصص الأرباح والمساهمات الأخرى المتأتية من بعض المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصا المجمع الشريف للفوسفاط والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، نظرا إلى التطور الهام لأنشطة هذه الهيئات مقارنة بالسنتين الأخيرتين.

وبخصوص قانون المالية للسنة المالية 2024 تناهز توقعات الموارد المتأتية من المؤسسات والمقاولات العمومية ما قدره 15.480 مليون درهم، دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة، بينما بلغت توقعات الاختتام ما يناهز 18.485 مليون (زائد 19 في المائة)، وبلغ مجموع إنجازات هذه الموارد إلى غاية متم شهر غشت 2024، ما قدره 8.317 مليون درهم متأتية بالأساس من المجمع الشريف للفوسفاط (3.000 مليون درهم) والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (2.000 مليون درهم)، وبنك المغرب (2.636 مليون درهم، منها 2.156 مليون درهم برسم حصص الأرباح)، والمكتب الوطني للمطارات (120 مليون درهم) برسم أتاوى الاحتلال المؤقت للملك العمومي ومكتب الصرف (140 مليون درهم)، وشركة استغلال الموانئ (134 مليون درهم)، والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (120 مليون درهم).

ويتوقع قانون المالية للسنة المالية 2025 أن تبلغ الموارد المتأتية من المؤسسات والمقاولات العمومية ما قدره 19.546 مليون درهم، دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة، أي بارتفاع بنسبة 26 في المائة مقارنة بتوقعات قانون المالية لسنة 2024 (15.480) مليون درهم.

وفي ما يتعلق بعائدات تفويت الأصول والخوصصة، فإن الإنجازات المسجلة برسم سنة 2023 بلغت 1.607 ملايين درهم، مما يمثل 18 في المائة من التوقعات الأولية (9.000 مليون درهم)، وتقدر توقعات الاختتام لهذه العائدات لسنة 2024 بما قيمته 5.980 مليون درهم، مقابل توقعات أولية بمبلغ قدره 9.000 مليون درهم. وقد بلغت الإنجازات متم شهر غشت 2024 ما قدره 1.700 مليون درهم، مما يمثل 28 في المائة من توقعات الاختتام، وبرسم سنة 2025 فمن المرتقب أن تبلغ عائدات تفويت الأصول والخوصصة ما قدره 9.000 مليون درهم.

وبلغت مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية في الميزانية العامة للدولة دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة مبلغا متوسطا سنويا خلال الفترة 2014-2023 قدره 10.215 مليون درهم، تم تحويلها أساسا من طرف أربع هيئات، وهي المجمع الشريف للفوسفاط، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، شركة اتصالات المغرب وبنك المغرب.

 81 مؤسسة ومقاولة عمومية مهددة بالحل والتصفية

 

 

شكل اعتماد القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، والقانون رقم 82.20 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبيرالاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، الانطلاقة الحقيقية لتنزيل الإصلاحات الضرورية ضمن مقاربة إصلاحية شاملة مندمجة وإرادية.

ويهدف هذا الإصلاح إلى توطيد الدور الاستراتيجي للمؤسسات والمقاولات العمومية، وإعادة تشكيل المحفظة العمومية، كما يهدف إلى تعزيز أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين تدبيرها، والرفع من مردوديتها وقدراتها الابتكارية والتنافسية التي تساهم في خفض تكاليف عوامل الإنتاج، مما سيساهم في تقديم خدمة عمومية مستمرة وسهلة الولوج وعالية الجودة، بغية المساهمة في تسريع التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق يشكل إحداث، الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة تطورا مؤسساتيا هاما في تدبير وقيادة قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية من خلال تجسيد دور الدولة-المساهمة، وضمان تدبير استراتيجي لمساهمات الدولة، وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وتأطير تطور محفظة الشركات التابعة والمساهمات، وتحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وتعزيز أوجه التكامل والتآزر في ما بينها، وإرساء إشراف يرتكز أساسا على تقييم الأداء والوقاية من المخاطر.

ويعتبر هذا الإصلاح شاملا ومندمجا، إذ يهم جميع الجوانب المتعلقة بالمؤسسات والمقاولات العمومية انطلاقا من بلورة النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذه الهيئات، مرورا بالسياسة المساهماتية للدولة، بالإضافة إلى عمليات إعادة الهيكلة وتحويل المؤسسات العمومية إلى شركات المساهمة، وتحسين حكامتها وتعزيز أدائها.

وقطع مسلسل تنفيذ إصلاح قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية مراحل هامة منذ دجنبر 2022، تاريخ إصدار المرسوم المتعلق بتعيين ممثلي الدولة في مجلس إدارة الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، والانطلاقة الفعلية للوكالة بمناسبة انعقاد الاجتماع الأول لمجلس إدارتها.

 

إصلاح عميق وشامل

أفادت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، أمام لجنة مراقبة المالية بمجلس النواب، بأن الوزارة تقوم بإنجاز دراسة تتعلق بحل وتصفية 81 مؤسسة ومقاولة عمومية، وذلك في إطار تنزيل إصلاح عميق وشامل للقطاع العمومي، من أجل معالجة الاختلالات الهيكلية التي تعيق تطور المؤسسات والمقاولات العمومية، وضمان التكامل والانسجام في مهامها، والرفع من فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضحت فتاح، في عرضها خلال اجتماع اللجنة البرلمانية حول موضوع «التأخر المسجل في تجسيد الإصلاح الشمولي والمندمج لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية الوطنية»، أنه في إطار تفعيل التوجيهات الملكية السامية، شكل اعتماد القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، والقانون رقم 82.20 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبيرالاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، الانطلاقة الحقيقية لتنزيل الإصلاحات الضرورية ضمن مقاربة إصلاحية شاملة مندمجة وإرادية.

وأكدت الوزيرة، خلال هذا الاجتماع، الذي عرف حضور عبد اللطيف زغنون، المدير العام للوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، أن هذا الإصلاح يهدف إلى توطيد الدور الاستراتيجي للمؤسسات والمقاولات العمومية، وإعادة تشكيل المحفظة العمومية. كما يهدف إلى تعزيز أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين تدبيرها، والرفع من مردوديتها وقدراتها الابتكارية والتنافسية التي تساهم في خفض تكاليف عوامل الإنتاج، مما سيساهم في تقديم خدمة عمومية مستمرة وسهلة الولوج وعالية الجودة، بغية المساهمة في تسريع التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني.

وأضافت أنه لتسريع تنزيل هذا الإصلاح الهيكلي العميق تقوم الوزارة بإنجاز دراسة حول عمليات حل وتصفية المؤسسات والمقاولات العمومية، مشيرة إلى أن المحفظة الخاصة بالتصفية تضم 81 هيئة، حيث تم تحقيق تقدم ملموس في تنفيذ عمليات التصفية شملت ما يقارب 23 في المائة من المحفظة التي توجد في طور التصفية، وذكرت على سبيل المثال وكالة تحدي الألفية، ومكتب التسويق والتصدير، وبعض الشركات التابعة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات.

وعلى أساس نتائج الدراسة، تضيف فتاح، سيتم إعداد مشروع قانون يؤطر هذه العمليات، الشيء الذي سيمكن من تفعيل جيد لمضمون القانون الإطار رقم 50.21، وخاصة في الجانب المتعلق بإحداث هيئة مركزية لدى وزارة الاقتصاد والمالية تتولى القيام بتصفية المؤسسات والمقاولات العمومية التي تقرر حلها.

إعادة الهيكلة بقطاعات حيوية

تحدثت وزيرة الاقتصاد والمالية عن الورش المتعلق بعمليات إعادة الهيكلة التي توجد قيد التنفيذ، أو التي وصلت إلى مستوى متقدم من النضج، وأوضحت أنها تخص حوالي 70 مؤسسة ومقاولة عمومية تنشط في قطاعات حيوية، ومنها إحداث المجموعات الصحية الترابية، ومراجعة نمط تدبير وحكامة ومراقبة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وورش تأمين الطاقة المستدامة، وإحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات التي حلت محل فرع توزيع الكهرباء والماء التابع للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والوكالات الجهوية، وكذلك إعادة تنظيم المراكز الجهوية للاستثمار لتحسين نجاعة أداء منظومة الاستثمار.

أما بخصوص عمليات إعادة الهيكلة التي توجد قيد التقييم والدراسة والتشاور والتي لم تصل بعد إلى مستوى النضج المطلوب وتستلزم تعميق الدراسات والمشاورات، أفادت فتاح بأن الأمر يتعلق بحوالي 60 مؤسسة ومقاولة عمومية، وتخص هذه العمليات مؤسسات ومقاولات عمومية تنتمي إلى قطاعات الفلاحة والتعليم العالي والإسكان واللوجستيك والنجاعة الطاقية والتنمية الاجتماعية.

اما المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطابع التجاري، تضيف المسؤولة الحكومية، فتشمل هذه العمليات مجموعة من القطاعات الحيوية، أبرزها القطاع السمعي البصري، حيث يتم العمل على دمج المؤسسات العمومية الفاعلة في هذا المجال ضمن قطب موحد، بهدف إحداث شركة قابضة عمومية قوية ومتكاملة. كما يشهد قطاع الطاقة أوراشا كبرى، تتعلق بتحويل الأصول ومراجعة الاتفاقيات المؤطرة للطاقة المتجددة وتعزيز الاستدامة المالية، من خلال تقييم الأصول وإعادة تحديد التموقع الاستراتيجي.

وأبرزت فتاح أن تحسين حكامة وتدبير ومراقبة المؤسسات والمقاولات العمومية يشكل أحد الأوراش ذات الأولوية لإصلاح قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، ويخص هذا الورش حوالي 70 مؤسسة ومقاولة عمومية، تنتمي إلى قطاعات التربية والتعليم العالي والسياحة والفلاحة والبنيات التحتية والماء. وأشارت الوزيرة إلى أن حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية قد عرفت في السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا، فبالإضافة إلى إصدار النصوص القانونية المنصوص عليها في القوانين المؤطرة للإصلاح، المتعلقة بتعيين الأعضاء والمتصرفين المستقلين في الأجهزة التداولية، وتعيين ممثلي الدولة في الأجهزة التداولية للمؤسسات والمقاولات العمومية، تسهر كل من وزارة الاقتصاد والمالية والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة على اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية من أجل ترسيخ حكامة فعالة، وفق أفضل الممارسات في هذا المجال.

 

المؤسسات والمقاولات العمومية.. عجز مالي بملايير الدراهم

 

تواجه المؤسسات والمقاولات العمومية في المغرب، منذ سنوات، أزمة مالية متفاقمة تعكسها أرقام المديونية التي ما فتئت تسجّل ارتفاعًا متواصلًا، ما يثير مخاوف حقيقية بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، ويضع علامات استفهام حول مدى نجاعة منظومة التدبير المالي العمومي. وتكاد معظم التقارير الرقابية، سيما الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات وبنك المغرب، تتقاطع في تشخيصها لهذه الوضعية المقلقة، التي تتجاوز الطابع الظرفي لتلامس إشكالات هيكلية عميقة في حكامة هذه الهيئات.

فوفق تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بلغ إجمالي الديون الخارجية للمؤسسات والمقاولات العمومية سنة 2018 حوالي 71.6  مليار درهم، وهو ما يعادل 24 في المائة من إجمالي تكوين رأس المال الثابت. وكشف التقرير أن الدولة قامت، خلال الفترة ما بين 2014 و2018، بتحويل ما مجموعه 159.8 مليار درهم إلى هذه المؤسسات، في حين لم تتعد تحويلات هذه الأخيرة نحو خزينة الدولة 53.9 مليار درهم فقط، أي بفارق سلبي بلغ 105.9 مليارات درهم، ما يعكس خللًا واضحًا في التوازن المالي بين الدعم العمومي والعائد الاقتصادي.

وتُظهر أرقام السنوات التالية استمرار هذا المنحى التصاعدي، إذ بلغت المديونية العامة للمؤسسات العمومية سنة 2020 حوالي 245.8 مليار درهم، أي ما يمثل 25  في المائة من الناتج الداخلي الخام. أما في سنتي 2021 و2022، فارتفع الدين الخارجي لهذا القطاع بنسبة ملحوظة، ليبلغ 179.3  مليار درهم، بزيادة قدرها 5.7 في المائة حسب تقارير بنك المغرب.

وفي السياق ذاته، كشف التقرير السنوي لبنك المغرب لسنة 2017 أن الدين العمومي المباشر ارتفع بنسبة 5.4 في المائة ليبلغ 871.5 مليار درهم، ما أدى إلى رفع نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الإجمالي إلى 82 في المائة، في حين ارتفع الدين العمومي المباشر نفسه إلى 65.1 في المائة من الناتج، وهو ما يناقض التزامات الحكومة بتقليص هذه النسبة إلى حدود 60 في المائة في أفق سنة 2021، كما جاء في اتفاقها مع صندوق النقد الدولي في إطار «خط الوقاية والسيولة».

هذا الواقع المالي المقلق للمؤسسات العمومية يفتح نقاشًا أوسع حول غياب الحكامة المالية، وضعف النجاعة الاستثمارية وعدم توفر رؤية استراتيجية واضحة، بالإضافة إلى غياب دراسات الجدوى التي ينبغي أن تسبق تأسيس العديد من المؤسسات، فضلًا عن تداخل الاختصاصات وضعف التنسيق مع الوزارات الوصية. ويؤكد مراقبون أن هذه الوضعية تنم عن تدبير تقليدي وعشوائي للموارد الذاتية، لا يواكب متطلبات التوازنات الماكرو اقتصادية ولا يراعي مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولا يمكن، كذلك، فصل هذا الإشكال عن ضعف هيكلة عدد من المقاولات العمومية، وافتقارها لأطر بشرية مؤهلة أو منظومات معلوماتية فعالة لتدبير وتتبع الموارد المالية، بالإضافة إلى تراكم متأخرات الأداء تجاه الموردين والمقاولات الخاصة، ما دفع الاتحاد العام لمقاولات المغرب إلى دق ناقوس الخطر بخصوص تفاقم آجال الأداء وتأثير ذلك على الدورة الاقتصادية.

وتماشياً مع هذا التشخيص، أصبحت الحاجة إلى إصلاح هيكلي شامل لهذه المؤسسات أمراً ضرورياً، من خلال إعادة تحديد مهامها بدقة، واعتماد معايير صارمة لتقييم الأداء، وتعزيز استقلاليتها المالية والمؤسساتية، وربط الدعم العمومي بنتائج فعلية. فضلا عن التفكير في إعادة هيكلة أو دمج بعض المؤسسات التي تتقاطع مهامها أو التي ثبت فشلها في تحقيق أهدافها، مع إيلاء الأولوية لبرامج التأهيل، والتكوين وتحسين الحوكمة الداخلية.

إن استمرار هذا الوضع المالي الهش يشكل تهديدًا حقيقيًا لاستدامة المالية العمومية، ويقوّض إمكانيات الاستثمار في القطاعات الاجتماعية الحيوية، مثل الصحة والتعليم والبنيات التحتية. ناهيك عن أنه يعيق قدرة الدولة على تفعيل النموذج التنموي الجديد، الذي يراهن على النجاعة والشفافية والمردودية.

من هنا، فإن إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية لم يعد خيارًا، بل بات ضرورة ملحّة لضمان التوازن المالي وتعزيز الثقة في الدولة كمقاول ومنظّم فعال. وإذا لم يتم اتخاذ تدابير واقعية وجريئة لاحتواء أزمة المديونية المتصاعدة، فإنها قد تتحول إلى قيد ثقيل يحد من قدرة المغرب على مواجهة التحديات المستقبلية، سواء داخليًا أو في علاقاته التمويلية الخارجية.

إن التدهور المالي الذي تعرفه المؤسسات والمقاولات العمومية لا يُمكن فصله عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي اعتمدته الدولة على مدى سنوات، والذي جعل من هذه الكيانات رافعة لتطبيق السياسات العمومية الكبرى، دون أن تتم، في المقابل، مواكبة هذا الدور بتأطير مؤسساتي ومالي صارم. وظلت العديد من هذه المقاولات تُحدِث استثمارات ضخمة ممولة بقروض خارجية، غالبًا بضمانة الدولة، دون تحقيق العائد المطلوب، ما جعلها تتحول من محرك للنمو إلى مصدر ضغط على الميزانية العامة.

وتُظهر القراءة المعمقة للمعطيات المالية أن هشاشة هذه المقاولات لا ترتبط فقط بتقلبات السياق الدولي أو بالأزمات الظرفية، بل تعود، في جانب كبير منها، إلى غياب آليات ناجعة لتدبير المخاطر، وإلى ضعف المساءلة وغياب التقييم الدوري للمشاريع، فضلا عن أن العجز في الربط بين المسؤولية والنتائج أفضى إلى نوع من «الطمأنينة الإدارية» التي تسمح بتكرار الأخطاء المالية نفسها دون محاسبة واضحة أو إيقاف للنزيف.

ومن الإشكالات البنيوية التي تُعمّق أزمة المديونية، أن عدداً من المقاولات العمومية تم تأسيسها في إطار «مقاربة استعجالية»، أو لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية مرحلية، دون أن يتم تقييم حاجيات السوق أو جدوى تدخلها، وهو ما يجعلها اليوم تُصارع من أجل البقاء في بيئة أصبحت أكثر تنافسية، خاصة مع انفتاح المغرب على القطاع الخاص والشراكات الدولية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المؤسسات العمومية، بحكم تبعيتها لمختلف القطاعات الوزارية، تجد نفسها أحيانًا محكومة برؤية سياسية متقلبة، وغياب استراتيجية وطنية شاملة لتدبير ممتلكات الدولة. وهذا الوضع يؤدي إلى تضارب في الأولويات، وتأخر في المصادقة على المشاريع، ويُعقّد مسار الحصول على التمويلات أو ضبط النفقات، ما يعمق اختلال التوازن بين الموارد والتكاليف.

ويبين التحليل المقارن أن جزءًا كبيرًا من المؤسسات العمومية المغربية تفتقر إلى الابتكار الإداري والتكنولوجي، حيث مازالت تعتمد على أنظمة تدبير تقليدية لا تُساير التحديات الرقمية، ولا تُسهم في تحسين جودة الخدمات أو تقليص الكلفة. وهذا القصور في التحديث يزيد من تعقيد وضعها المالي، ويؤدي إلى تضخم النفقات التشغيلية على حساب نجاعة الاستثمارات. وفي هذا السياق أصبحت الحاجة ماسة إلى إرساء نموذج جديد للمقاولة العمومية، يقطع مع منطق الريع والتمويل غير المشروط، ويعتمد على مبادئ الشفافية، والكفاءة وربط الدعم العمومي بالأداء الفعلي، مع ضرورة إطلاق مراجعة شاملة لخريطة المؤسسات والمقاولات العمومية، تشمل تقييما جديا لجدوى استمرار كل مؤسسة أو مقاولة؛ وتعزيز التنسيق بين المؤسسات ذات المهام المتقاربة؛ وحصر التدخل العمومي في المجالات الاستراتيجية فقط؛ وتفعيل برامج لمراجعة حكامة المجالس الإدارية وتكوين أعضائها على أساس الكفاءة لا الانتماء السياسي؛ ووضع آليات إنذار مبكر لرصد المخاطر المالية.

ويُنتظر من وكالة تدبير المساهمات العمومية، التي أُحدثت لهذا الغرض، أن تلعب دورًا محورياً في هذا التحول، لكن شرط أن تحظى بالاستقلالية الكافية، والموارد البشرية ذات الكفاءة، وتكون محصنة من التدخلات السياسية أو الضغوط القطاعية. وبينما تُخطط الحكومة لخفض نسبة الدين العمومي إلى الناتج الداخلي الخام خلال السنوات المقبلة، فإن فشل المؤسسات العمومية في ضبط ماليتها يُهدد هذه الأهداف ويُقوّض مصداقية المغرب أمام المؤسسات الدولية، خصوصاً في ما يتعلق ببرامج التمويل المشروط وخطوط الوقاية من الأزمات.

في المحصلة، فإن إنقاذ المؤسسات والمقاولات العمومية من دوامة المديونية المزمنة يمر عبر مسارين متوازيين: إصلاح داخلي عميق يهم منظومة الحكامة، والتخطيط والتدبير المالي، ومسار خارجي يروم إعادة تعريف علاقة الدولة بهذه الكيانات، وتحويلها من «متلقٍّ للدعم» إلى فاعل اقتصادي استراتيجي يخلق القيمة ويُسهم في تحفيز النمو وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية.. رهان حكومي بتحديات كبيرة

 

يمثل ورش إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية في المغرب تحولاً عميقًا، في فلسفة تدبير الشأن العام، إذ لم تعد الدولة اليوم تملك ترف تأجيل هذا الإصلاح البنيوي، الذي طالما أُثير في الخطابات الرسمية والتقارير الوطنية دون أن يتم تنزيله على أرض الواقع بشكل منهجي وحاسم. ويأتي هذا التوجه في سياق وطني ودولي يتسم بضغط متزايد على الموارد، وتنامي المطالب الاجتماعية، وتوسع دور الدولة في الرعاية، ما يفرض تدبيرًا عقلانيًا وفعالًا لكل مؤسسة تمول من المال العام.

إن من بين الإشكالات الكبرى، التي تعاني منها المؤسسات والمقاولات العمومية في المغرب، هو غموض المهام وتداخل الأدوار بينها، وافتقار العديد منها لرؤية استراتيجية واضحة، مما يؤدي إلى ازدواجية في التدخل وتضارب في الاختصاصات. وقد أدى هذا الوضع إلى هدر كبير للموارد، سواء البشرية أو المالية، كما ساهم في خلق مناخ بيروقراطي غير مشجع على الابتكار واتخاذ القرار.

ولا تقتصر الحاجة إلى الإصلاح على الجوانب المالية فقط، بل تشمل أيضًا البنية الإدارية والثقافة التدبيرية السائدة داخل هذه المؤسسات، والتي يغلب عليها الطابع التقليدي، والتسلسل العمودي في اتخاذ القرار، وغياب ثقافة الأداء المبني على النتائج. ولهذا، فإن تحويل هذه المقاولات إلى أدوات ناجعة للتنمية يقتضي إعادة هيكلة داخلية تهم أساليب العمل، وآليات التخطيط، ومنظومات التتبع والتقييم.

كما أن جزءًا من الإشكال يكمن في علاقة هذه المؤسسات والمقاولات بالإدارة المركزية، حيث تظل خاضعة لوصاية متعددة من قطاعات حكومية، ما يُضعف استقلاليتها ويعيق نجاعة قراراتها. من هنا، فإن إصلاح منظومة الوصاية والتوجيه ضروري لإرساء قواعد حكامة حديثة تعطي لهذه المؤسسات هامشاً من الاستقلالية، مقابل التزام تعاقدي صارم بالأهداف والنتائج.

من جهة أخرى، فإن واقع بعض المقاولات العمومية الكبرى، مثل تلك العاملة في قطاع الطاقة والماء والنقل، يُظهر تفاوتًا صارخًا في الأداء، حيث توجد مؤسسات تتسم بالكفاءة والربحية، وأخرى تعيش على الدعم المالي العمومي دون أن تحقق عائدًا يُذكر. هذا الواقع يطرح سؤالًا عن معايير التعيين داخل مجالس الإدارات، وجدوى استمرار بعض الكيانات التي لا تضيف قيمة للاقتصاد الوطني.

كما لا يمكن الحديث عن إصلاح المؤسسات العمومية دون التطرق إلى ورش الحكامة الرقمية والتحول التكنولوجي، إذ إن الرقمنة أصبحت اليوم رافعة أساسية لتحسين الأداء، وتوفير الوقت والموارد، وتطوير الخدمات العمومية. ومن المؤسف أن عددًا من هذه المؤسسات لم تنخرط بعد بشكل فعلي في هذا التحول، وظلت أسيرة منطق الورق والإجراءات البيروقراطية، في حين يُنتظر منها أن تواكب التحولات العالمية في الابتكار وجودة الخدمات.

إلى جانب ذلك، يشكل البُعد الترابي لإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية نقطة مركزية في دعم خيار الجهوية المتقدمة، إذ أن المركزية المفرطة لطالما عرقلت فعالية هذه المؤسسات، خصوصاً في ما يتعلق بتكييف تدخلاتها مع خصوصيات وحاجيات الجهات. من هنا، فإن تنزيل الإصلاح يتطلب آلية تنسيقية بين المستوى المركزي والجهوي، تتيح توجيه الاستثمارات العمومية بشكل أكثر عدالة وفعالية، بما يحد من الفوارق المجالية، ويعزز العدالة الاجتماعية.

ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن هذا الورش لا يقتصر على المؤسسات التابعة للدولة فقط، بل يشمل كذلك تلك المرتبطة بالجماعات الترابية، والتي تشرف على قطاعات حساسة مثل النقل الحضري، وتدبير النفايات، والإنارة العمومية، والماء والكهرباء.

وقد كشفت التجربة أن هذه المقاولات تعاني بدورها من مشاكل سوء التدبير، والافتقار إلى الشفافية، والارتباط المفرط بالمجالس المنتخبة، ما يُضعف استقلاليتها وفعاليتها.

وعموما فإن إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية في المغرب لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ملحة لتحديث الإدارة، وترشيد النفقات، وتوجيه الموارد إلى ما يخدم التنمية الفعلية للبلاد. إن الرهان الحقيقي يكمن في خلق قطاع عمومي ناجع، شفاف، يضع في صلب أولوياته خدمة المواطن والمصلحة العامة، ويواكب التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى للمغرب خلال العقود المقبلة.

رشيد عدنان*:

 

«لا يمكن لمؤسسات عمومية بدون إطار استراتيجي واضح أن تلعب دورًا حاسمًا في النموذج التنموي»

 

– أين وصل مشروع إصلاح المؤسسات العمومية؟

في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يعرفها المغرب وتزايد الحاجة إلى حكامة عمومية ناجعة وفعالة، وصل مشروع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية إلى مرحلة جديدة من النضج تقوم على إعادة هيكلة تدريجية مبنية على مرجعيات قانونية واضحة وآليات تنفيذية مؤسساتية حديثة. هذا التحول تعززه إرادة سياسية عليا لإعادة النظر في وظائف الدولة وتجويد تدخلاتها، خصوصاً في ما يتعلق بتدبير المال العام وتقييم أثر الإنفاق العمومي على التنمية.

ويُعد صدور القانون الإطار رقم 50.21، المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، لحظة مفصلية في هذا الورش، إذ يُمثل هذا النص المرجع القانوني الأساسي الذي يُحدد المبادئ العامة والمقتضيات الاستراتيجية المؤطرة للإصلاح، ويرسم، كذلك، معالم تصور جديد لوظيفة الدولة الاقتصادية، من خلال التمييز بين المهام السيادية للدولة والأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن يضطلع بها القطاع الخاص أو تُدار في إطار شراكات مبتكرة.

وينص هذا القانون على إعادة هيكلة شاملة لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، سواء عبر دمجها أو حلّها أو تحويلها، من أجل تفادي التكرار في المهام وتقليص الكيانات ذات النجاعة الضعيفة أو الغائبة، إضافة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة وهذه المؤسسات على أساس تعاقدي، يربط التمويل العمومي بالأداء، ويخضع للمراقبة والتقييم الدوري وفق مؤشرات كمية ونوعية محددة سلفاً.

وتكميلاً لهذا التوجه، صدر كذلك القانون رقم 82.20 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، والتي أُنيط بها دور محوري في تنزيل الإصلاح على أرض الواقع. فهذه الوكالة تمثل آلية تنفيذية مستقلة وممركزة، تسهر على تتبع تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية، وتعمل على ضبط خريطة مساهمات الدولة، ومراجعتها بانتظام، بهدف تحقيق التوازن المالي وتحسين مردودية المؤسسات العمومية.

إن إنشاء هذه الوكالة يمثّل خطوة نوعية، بإنهاء عهد التسيير التقليدي، القائم على منطق «التعويم المالي»، ليتم تعويضه بمنطق التدبير بالأهداف والمحاسبة على النتائج. ومن شأن هذا التحول أن يسهم في ترشيد استثمارات الدولة وتحسين مناخ الأعمال، باعتبار المؤسسات العمومية فاعلاً رئيسيًا في الاقتصاد الوطني.

وبالفعل بدأت الحكومة في مراجعة وضعية عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، اعتمادًا على توصيات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات وتقارير افتحاص داخلية، حيث تم الشروع في دمج أو حل مؤسسات أثبتت محدودية أثرها أو تقاطع مهامها مع مؤسسات أخرى. وفي الوقت ذاته يجري العمل على وضع عقود نجاعة جديدة مع المؤسسات الاستراتيجية، تعتمد على برامج عمل واضحة المعالم، مؤطرة بمؤشرات أداء دقيقة تُمكّن من تتبع تنفيذها وتقييم أثرها على المديين المتوسط والبعيد.

هذه الإصلاحات لا تقتصر على المستوى الهيكلي فقط، بل تشمل أيضًا تحديث منظومات الحكامة وتدبير الموارد البشرية داخل المؤسسات العمومية، من خلال تعزيز الكفاءة والشفافية، وتحسين منظومة التحفيز وإدخال تقنيات رقمية لتدبير المعطيات والقرارات، بما يجعل من المؤسسات العمومية رافعة فعلية للنموذج التنموي الجديد للمملكة.

في المحصلة يشكل تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 50.21 والقانون رقم 82.20 لبنة أساسية في مسار بناء قطاع عمومي أكثر كفاءة وشفافية وانضباطًا للمساءلة، يُواكب تحديات المرحلة، ويُسهم بفعالية في تحقيق التوازنات الماكرو-اقتصادية، ويُوفر خدمات ذات جودة للمواطنين، ما يعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في جدية وواقعية هذا الورش الإصلاحي.

 

– ما طبيعة الاختلالات التي تعاني منها هذه المؤسسات؟

 

في ظل غياب رؤية استراتيجية موحدة ومندمجة، تواصل المؤسسات والمقاولات العمومية اشتغالها وسط مناخ تنظيمي يطبعه التداخل والغموض وغياب التنسيق، ما يجعلها تعاني من اختلالات بنيوية متراكمة. ويبدو أن هذه الوضعية لم تعد مجرّد ملاحظات ظرفية بل تحوّلت إلى مؤشرات مقلقة تشكل تهديداً مباشراً لنجاعة المرفق العمومي، وتؤثر سلباً على ثقة المواطن والفاعلين الاقتصاديين في قدرة هذه المؤسسات على أداء مهامها بفعالية.

ومن بين أبرز ملامح هذه الاختلالات، يمكن تسجيل ضعف واضح في الحكامة الداخلية، وعدم القدرة على ضبط آليات المراقبة والتتبع، ما يفتح المجال أمام هدر الموارد وتكرار التجاوزات المالية والإدارية. وتكفي الإشارة إلى حجم المبالغ المتأخرة في الأداء لصالح المتعاقدين مع هذه المؤسسات كمؤشر واضح على الأزمة، وهي متأخرات لا تؤثر فقط على ميزانية الدولة بل تُضعف أيضًا دورة الاستثمار وتعطل دينامية المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تُشكل شريكًا مباشرًا لهذه الكيانات العمومية.

فضلا عن ذلك تشهد عدد من هذه المؤسسات تداخلاً كبيراً في الاختصاصات والمهام، وهو ما يؤدي إلى ازدواجية في الأدوار، وترهل في القرار العمومي وتضارب في المسؤوليات. ويرجع هذا الوضع، في جزء كبير منه، إلى تعدد وتداخل النصوص القانونية المنظمة، وغياب توجيه مركزي واضح، ما يجعل محاولات الإصلاح غير فعالة في ظل غياب إطار مؤسساتي جامع.

لكن هذه الإشكاليات لم تعد خارج نطاق النقاش العمومي والمؤسساتي، حيث جاء القانون الإطار رقم 50.21، المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، ليُشكل مرجعية قانونية وتدبيرية جديدة تهدف إلى تجاوز هذا الواقع المبعثر من خلال إعادة تعريف أدوار الدولة في المجال الاقتصادي، وتحقيق التمييز بين الوظائف الاستراتيجية والسيادية للدولة وتلك القابلة للتفويض أو الشراكة مع القطاع الخاص أو مع فاعلين ترابيين آخرين.

ويؤسس هذا القانون الإطار لتوجه جديد نحو ترشيد خارطة المؤسسات العمومية، من خلال آليات الدمج أو الحل أو التحويل، بحسب جدوى المهام المنوطة بكل كيان، مع إقرار تعاقدية في العلاقة مع الدولة ترتكز على النتائج ومؤشرات الأداء عوض الاستمرار في منطق التمويل التلقائي غير المشروط.

في السياق نفسه أُحدثت، بموجب القانون رقم 82.20، الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وهي هيئة مركزية تُعهد إليها مهمة تدبير ومراجعة استثمارات الدولة العمومية وتتبع مردودية تدخلاتها، بهدف إعادة ضبط التوازن بين التمويل والأثر التنموي، وتوحيد الرؤية التدبيرية على المستوى الوطني.

وبينما تُعد هذه الإصلاحات القانونية خطوة أساسية على طريق تحديث القطاع العمومي، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تنزيلها الميداني الفعلي، بما يستوجب إصلاحًا مؤسساتيًا وثقافيًا موازيًا داخل هذه المؤسسات، يتجلى في تكريس منطق الشفافية، وتحديث أدوات العمل، وتحفيز الموارد البشرية وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وعموما لا يمكن لمؤسسات عمومية تشتغل وفق نصوص متداخلة، وبدون إطار استراتيجي واضح، أن تلعب دورًا حاسمًا في النموذج التنموي الجديد الذي يتوخاه المغرب. ومن هنا فإن التحدي القائم اليوم لا يقتصر على الإصلاح التشريعي، بل يشمل بناء نسق إداري حديث قادر على استيعاب الرؤية الإصلاحية وترجمتها إلى ممارسة عملية مؤثرة في خدمة المواطن والمصلحة العامة.

 

– ما دلالة التوجه نحو تصفية عشرات المقاولات والمؤسسات العمومية؟

يمثل قرار تصفية عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب توجها نحو إعادة هيكلة «القطاع المؤسساتي»، بهدف التخلص من المؤسسات التي تكلف في ميزانيات تدبيرها دون مردودية بينة.

ويمكن القول إن هذا التوجه يعكس رغبة الحكومة في تعزيز الفعالية وتحسين جودة التدبير العام لهذا النمط من إدارة المرافق العمومية.

وفي قراءة لهذا التحول يمكن القول إن هناك تأسيسا لدور جديد تلعب فيه الحكومة دور الموجه والمراقب، عبر الوصاية الممارسة على تلك المؤسسات، وفي الوقت نفسه تكريس استقلالية هذه الأخيرة وفق فلسفة تستجيب للتحولات الاقتصادية ومتطلبات الحكامة التي، إن لم يتم وضع آليات لقياسها وضبط مؤشراتها وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق نتائجها، فإن تلك الاختلالات لا يمكن تجاوزها بشكل مطلق.

 

*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى