
في الوقت الذي تعمل فيه لجان اليقظة تحت إشراف وزارة الداخلية على قدم وساق لمعالجة تبعات الفيضانات وفك العزلة عن القرى والمناطق المتضررة، يطفو على السطح سؤال جوهري يتعلق بمآل الميزانيات الضخمة التي رُصدت لتجهيز وصيانة البنيات التحتية بالمجال الحضري. فبينما يتم تكثيف الجهود الميدانية لمواجهة آثار الكوارث الطبيعية، يسجل غياب ملحوظ لعدد من رؤساء الجماعات الحضرية المعنية، في وقت يحتاج فيه السكان إلى حضور ميداني ومسؤولية سياسية واضحة.
ورغم الاعتمادات المالية المعلنة في الميزانيات الجماعية، ما زالت مشاهد الحفر المنتشرة بالشوارع، وتساقط أعمدة الإنارة العمومية، وتسربات شبكات التطهير السائل، وتلوث المحيط البيئي، وانجراف التربة، عناوين يومية لمعاناة سكان الأحياء، حيث تحولت طرقات لم تخضع للصيانة منذ سنوات إلى ما يشبه الغربال، ما أعاد احتجاجات سائقي السيارات والطاكسيات، بسبب الأعطاب الميكانيكية الناتجة عن هشاشة البنيات التحتية.
وتشير معطيات متداولة إلى وجود اختلالات في صفقات عمومية بملايير السنتيمات موجهة للصيانة، إلى جانب سندات طلب مخصصة لأشغال مستعجلة، ومشاريع إعادة هيكلة يفترض أن تعالج الاختلالات البنيوية، غير أن الواقع الميداني يعكس فجوة واضحة بين ما يُرصد من اعتمادات وما يتحقق من نتائج.
وتبرز خلال هذه المرحلة مطالب بافتحاص الميزانيات ليس كشعار ظرفي، بل كآلية رقابية قانونية لحماية المال العام، حيث الافتحاص ينبغي أن يشمل طرق إسناد الصفقات العمومية ومدى احترامها لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، وجودة الأشغال المنجزة بالنسبة إلى البنيات التحتية ومدى مطابقتها لدفاتر التحملات، فضلا عن مآل سندات الطلب المستعجلة ومدى قانونيتها وجدواها، واحترام تصاميم إعادة الهيكلة ومعايير التعمير.
وطبعا فإن الفيضانات سرعت وتيرة تدهور بعض البنيات، لكنها لم تكن السبب الوحيد، فهناك عوامل أخرى لا يمكن تجاهلها، من بينها شبهات فساد، أو مجاملات في بعض الصفقات، وغياب المراقبة الصارمة لجودة الأشغال، والبناء في مناطق ممنوعة أو معرضة للمخاطر دون احترام معايير السلامة، في ظل إهمال الصيانة الدورية لشبكات تصريف مياه الأمطار والتطهير السائل، وضعف تتبع التغيرات المناخية وانعكاساتها على التخطيط الحضري.
إن الكوارث الطبيعية غالبا ما تكشف ما كان مستترا من اختلالات تراكمت عبر سنوات من فشل التسيير، فتفضح هشاشة البنيات التي لم تُشيّد وفق رؤية استباقية أو معايير تقنية دقيقة، لذلك يجب تفعيل دور لجان التفتيش التابعة للسلطات المختصة، ومراجعة تقارير الافتحاص التي سبق إنجازها، ليس بهدف تسجيل الملاحظات فقط، بل لترجمتها إلى قرارات عملية، أبرزها ترتيب المسؤوليات الإدارية والسياسية، وإحالة الملفات التي يثبت فيها تبديد المال العام أو سوء التدبير على الجهات القضائية المختصة، وإلزام الجماعات بوضع برامج صيانة دورية واضحة بمؤشرات قياس دقيقة، مع نشر تقارير الافتحاص لتعزيز الشفافية.
إن تخليق الحياة السياسية لا يتحقق بالشعارات فقط، بل بافتحاص الميزانيات دون استهداف لأشخاص أو أحزاب، وحماية مصداقية المؤسسات وصون حقوق المواطنين في خدمات عمومية لائقة، لأن الثقة في عمل المجالس تبنى بالفعل، لا بالوعود الانتخابية المعسولة والعمل لفترة شهور، والانسحاب لاستغلال سلطة التوقيع وبريق المنصب لست سنوات.





