حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

القْصر والنواحي..

يونس جنوحي

 

مشاهد عودة الحياة إلى القصر الكبير التاريخية أشبه ما تكون بكتابة فصل إضافي من فصول مغامرات عاشتها المدينة عبر التاريخ. حدث إضافي سوف يحكي الناس أحداثه لأجيال لم تعش عملية الإجلاء.

منذ قرون خلت والقصر الكبير مطوقة بالوادي والفيضانات تغمرها من ثلاث ضفاف، لكن فيضان هذه السنة كان استثنائيا. المد العمراني رشح المدينة للغرق أكثر من أي وقت مضى..

فور بداية عودة الأهالي، فتحت الأسواق وعاد الناس إلى العادة الأبدية: التسوق.

اعتادت المدينة على نزوح الأهالي في اتجاهها.. خلال الحرب الإسبانية في الشمال، نزحت مداشر بأكملها إلى القصر الكبير، وصار أهاليها من «أصحاب البلد»، مع مرور التاريخ. الشريف الريسولي فاوض الإسبان من القصر الكبير عندما قصفوا قصره في «زينات» بالطائرات. كان الشريف يؤمن أن القصر الكبير منيع.. رغم أنه كان سهلا مفتوحا أمام الآلة العسكرية الإسبانية. وفعلا لم يصب سكان القصر الكبير بأذى.

في مثل هذه الأيام، من فبراير 1912، لم يغادر سكان القصر الكبير منازلهم رغم انتشار إشاعات احتمال دخول الإسبان إلى المدينة، بسبب خلافات عميقة حول ما كان يعرف وقتها بـ«إتاوات الحامية العسكرية». وحكى الشريف الريسولي عن هذه الواقعة في مذكراته التي أملاها على المغامرة الإنجليزية «روزيتا فوربس» تحت خيمة نواحي القصر الكبير في بداية عشرينيات القرن الماضي. وقال إن المندوب السامي الإسباني في الشمال أرسل إليه يطلب منه خفض الرسوم المفروضة على الأماكن التي تحتلها الحاميات الإسبانية. لكن الريسولي رفض الحديث إلى المبعوث، إلا بعد أن تضع له إسبانيا خطا هاتفيا خاصا به!

ضاعت فرصة التفاوض، ولم يقو الفرنسيون على نشر قواتهم في نواحي القصر الكبير.

وفي سنة 1918 لعبت مدينة القصر الكبير دورا كبيرا في «الحياد» وأبطأ «جبالة» الاتفاق العسكري بين إسبانيا وفرنسا لرسم حدود نفوذ كل منهما فوق التراب المغربي.

شخصيات صنعت التاريخ، مرت من القصر الكبير.. شعراء وأمراء أجانب -أعضاء العائلات الملكية العريقة في أوروبا- وسياسيون وصحافيون مثقفون ومغامرون مثل «والتر هاريس» و«برنارد نيومان».. والقائمة طويلة..

بعض هؤلاء جاؤوا إلى القصر الكبير لرؤية محيطها، حيث «اللوكوس» وما تبقى من الحضارة الرومانية. وآخرون كان لا بد لهم أن يتوقفوا فيها، قبل زمن السيارات.. لأن الرحلة من طنجة نحو العرائش لا يمكن أن تتم دون توقف «إجباري» في القصر الكبير.

ولو أن أحد المسؤولين فكر في توثيق كل المذكرات والكتب الأجنبية التي تطرق أصحابها إلى تجربتهم في القصر الكبير خلال القرن الماضي فقط، لكانت النتائج مذهلة. مدينة تجر الجميع إليها رغم أنها محاطة بقوتين جغرافيتين: طنجة والعرائش.

القنصل الأمريكي إدموند هولت، الذي اشتغل في طنجة الدولية سنة 1909، كان مدمنا على زيارة مدينة القصر الكبير حتى دون أن يعلم السبب.. وكتب في مذكراته «الحياة في أرض المغرب العجيب» كيف أن زياراته إلى القصر الكبير جعلته يفهم الحياة المغربية ويُقدّر المغاربة.

محنة القصر الكبير الأبدية مع الفيضانات لا يجب أبدا أن تسلب المدينة «رُتبتها» التاريخية.

العالم كله تناقل صور عودة أكثر من 100 ألف نسمة إلى منازلهم، في درس إنساني في الإنقاذ.

في السابق كان القياد والباشوات والخارجون عن القانون أيام السيبة هم من كتبوا فصولا من تاريخ القصر الكبير، أما اليوم فكتبه عمال النظافة الذين أزالوا طين السيول من الشوارع، تمهيدا لعودة أحفاد سكان «القْصر» القدامى.. أولئك الذين لم يتخيلوا يوما أن المدينة ستغمر كليا بالمياه، رغم أن الوادي حاول، على طريقة الأفاعي، تطويق عنقها وخنقها منذ زمن الرومانيين إلى اليوم.. والنتيجة أن المياه تنحسر دائما، وتنجو «القْصر» والنواحي مرة أخرى..

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى