
يعاني قطاع التعليم العمومي بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة من مشاكل مستعصية في التدبير وتراكمات اختلالات الهدر المدرسي وضعف الأنشطة الموازية وغياب الجودة في التوجيه، والصراعات النقابية حول الامتيازات والمكاسب بعيدا عن مصلحة التلاميذ والتلميذات، فضلا عن تعثر تنزيل المدرسة الرائدة وهدر الزمن المدرسي، وذلك رغم المجهودات التي تقوم بها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة قصد تجاوز الإكراهات وتجويد خدمات التعليم.
تطوان: حسن الخضراوي
جرى عقد اجتماعات متتالية لبحث سبل إيجاد الحلول التي يمكنها تجويد العملية التعليمية بالشمال، حيث تم دق ناقوس خطر الهدر المدرسي أكثر من مرة، خاصة بالعالم القروي والمدن القريبة من سبتة المحتلة التي شهدت قيام مئات التلاميذ والتلميذات القاصرين بالهجرة السرية سباحة نحو سبتة المحتلة، والتغرير بهم بدعوى رسم مستقبل مهني أفضل، حيث يتم استقبالهم بمركز إيواء القاصرين بالثغر المحتل قبل توجيههم نحو المدن الأوروبية.
وتعاني العديد من الأسر ذات الدخل المحدود وتلك التي تعيش الفقر والهشاشة، من انتشار ظاهرة الساعات الإضافية التي يقدمها الأساتذة الذين يعملون بالقطاع العمومي، وتتحول أحيانا إلى واجب شهري إجباري على أسرة التلميذ أو التلميذة دفعه بانتظام للحصول على نقط جيدة في المراقبة المستمرة، خاصة مستوى البكالوريا والجدل المصاحب لبيع النقط، بالإضافة إلى التباين في المعدلات المحصل عليها من قبل بعض تلاميذ القطاع الخاص وارتفاعها في المراقبة المستمرة، مقابل حصولهم على نقط توصف بالكارثية في الامتحانات الإشهادية.
ومازالت جل المؤسسات التعليمية بالعالم القروي بالشمال تعاني غياب العدالة المجالية في تجهيز البنيات التحتية وغياب المعايير المطلوبة في الملاعب الرياضية والتجهيزات الخاصة بالتدفئة، فضلا عن محدودية طاقة الاستيعاب بالأقسام الداخلية ودور الطالب والطالبة، وبعد المسافة بين المدارس ومقرات السكن وغياب مجانية النقل المدرسي، وارتفاع نسبة الهدر المدرسي، سيما في صفوف التلميذات، ما يتعارض وتكافؤ الفرص كما هو منصوص عليه في بنود دستور المملكة.
من جانبها نبهت العديد من جمعيات آباء وأولياء التلاميذ بالشمال إلى ضرورة معالجة الظواهر المشينة بالمؤسسات التعليمية، من مثل العنف بين التلاميذ وبينهم وأساتذتهم والأطر الإدارية، إلى جانب انتشار تناول المخدرات وتدخين «الشيشة» وبيعها بأماكن قريبة من محيط المدارس، ناهيك عن انتشار التحرش الجنسي بالتلميذات أمام الإعداديات والثانويات والحاجة لردع الظاهرة من قبل السلطات الأمنية والدرك الملكي والسلطات المحلية، وضرورة التفاعل مع الشكايات وردع المخالفين للقانون الذين ينتظرون خروج التلميذات والتلاميذ وقت الذروة للقيام بالسياقة الاستعراضية وتعريض سلامة المارة للخطر، سيما وأن بعض الجماعات الترابية، من مثل جماعة الفنيدق، أهملت حتى وضع التشوير الطرقي أمام مدارس رغم الشكايات والتقارير الإعلامية المتكررة لحماية سلامة الأطفال.
الهدر المدرسي
على الرغم من التدابير التي تواصل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، تنزيلها، بتنسيق مع المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، من أجل التخفيف من ظاهرة الهدر المدرسي، خاصة بالعالم القروي، إلا أن الظاهرة مازالت تؤرق العديد من الأسر والمهتمين بالشأن التعليمي بالشمال.
وقال والد تلميذ يدرس بالفنيدق إن العديد من المؤسسات التعليمية انطلقت في الدراسة وهي مقبلة على العطلة الأولى، ومازالت لوائح التلاميذ تشهد ارتباكا وغموضا بالنسبة للقاصرين الذين غادروا إلى الثغر المحتل، وهل ستتم إعادتهم لمقاعد الدراسة أم سيتم توجيههم نحو المدن الأوربية، بالإضافة إلى أن فكرة الهجرة السرية تبقى سارية لدى البعض ويحتاج الأمر إلى برامج حقيقية للتوعية والتحسيس وفتح آفاق المستقبل أمام جيل الغد، والقيام ببرامج تنشيط موازية تكون قادرة على استقطاب التلاميذ والتلميذات وتواكب التحولات الاجتماعية وتطور وسائل التواصل والانفتاح على الخارج والذكاء الاصطناعي.
وأضاف المتحدث نفسه أن مدينة الفنيدق وبعض مدن الشمال تشهد نزيفا في الهدر المدرسي، وذلك بسبب غياب الآفاق أمام التلاميذ والتلميذات، والتحريض على الهجرة السرية والتغرير بالقاصرين، وتبعات غش مباريات ولوج كليات الطب والصيدلة ومباريات المعاهد العمومية، وغموض التوجيه ما بعد البكالوريا، فضلا عن قلة فرص الشغل، ما يدفع البعض للتراجع عن مواصلة التعليم لأنه يحسبه غير منتج في المستقبل وسيؤدي به مباشرة إلى البطالة.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن السلطات الإقليمية بالمضيق سبق وقامت بإحصائيات للقاصرين الذين انقطعوا عن الدراسة ولا يزاولون أي مهنة. فكانت الحصيلة كارثية، حيث تبين أن الأحياء الهامشية تعج بالشباب الذين غادروا مقاعد الدراسة مبكرا، ولم يتلقوا أي تكوين يؤهلهم للحصول على فرص الشغل، وهو الشيء الذي يستدعي توسيع الطاقة الاستيعابية بالتكوين المهني ومواكبته للتطور التكنولوجي الذي تشهده المهن وحاجة بعض المقاولات والشركات التي تنشط في الصناعات الحديثة إلى يد عاملة مؤهلة.
وحسب مصادر مطلعة، فإن المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالشمال، تواصل تقديم كافة التسهيلات للتلاميذ والتلميذات الذين يغادرون مقاعد الدراسة لأسباب متعددة، من أجل العودة إلى مواصلة مسار التعلم، فضلا عن قبول وثائق الاستعطاف التي تتعلق بعودة منقطعين عن الدراسة، وكذا توجيه الشباب إلى التكوين المهني للتخفيف من ظاهرة الهدر المدرسي والبطالة والفراغ الذي يتسبب في ضياع أجيال في الإدمان وارتكاب جرائم تؤدي إلى السجن وتعقيدات عملية الإدماج من جديد.
هشاشة البنيات
تعاني العديد من المؤسسات التعليمية بقرى الشمال من هشاشة البنيات التحتية، وغياب المرافق الصحية أو تهالكها، فضلا عن غياب الملاعب الرياضية أو عدم صلاحيتها لممارسة الرياضة، ناهيك عن غياب الفضاءات الخضراء بساحات المدراس، والصعوبات التي تواجه تنزيل تدابير المدرسة الرائدة.
وفي ظل احتجاج بعض التلاميذ والتلميذات على هشاشة البنيات التحتية بالمدارس والمرافق الصحية، التي تغيب عنها معايير النظافة وتعاني مظاهر التخريب، تؤكد العديد من الأطر التربوية أن التخريب يكون أحيانا من طرف التلاميذ أنفسهم وذلك بوصفه طريقة احتجاج على قرارات إدارية لتفادي هدر الزمن المدرسي، أو التمرد على ضبط العملية التعليمية داخل القسم وتحكم الأساتذة في زمام الأمور ومنع التلاميذ من إثارة الشغب داخل القسم.
إلى ذلك طالبت العديد من جمعيات أمهات وآباء التلاميذ بتوفير وسائل التدفئة بالمناطق القروية التي تشهد انخفاض درجة الحرارة، فضلا عن ضرورة توسيع مشاريع صيانة الطرق وفتح المسالك القروية، لضمان وصول النقل المدرسي إلى المنازل وفك العزلة، والاهتمام بالإنارة العمومية بمحيط المدارس والطرق المؤدية إليها، والتجاوب مع الشكايات المتعلقة بمهام المجالس ولها ارتباط بقطاع التعليم وفق السرعة والنجاعة المطلوبتين.
وذكر مصدر لـ«الأخبار» أن المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالشمال قامت بإطلاق مشاريع صيانة لعدد من المدارس، وتقسيم مؤسسات تعليمية وإضافة حجرات لتفادي الاكتظاظ، فضلا عن القيام بصيانة أسوار خارجية وصباغة الجدران وتهيئة الظروف لتنزيل مشروع المدرسة الرائدة، لكن مازالت مطالب الجودة مستمرة وتوفير البيئة المناسبة للتعليم.
وأضاف المصدر نفسه أن توفير المعايير المطلوبة لتعليم جيد بجميع المؤسسات التعليمية بالشمال سواء على مستوى المجال الحضري أو القروي، يتطلب توفير ميزانيات ضخمة، والسهر على حسن صرف المال العام وتتبع تنفيذ المشاريع وضمان جودتها، فضلا عن العمل على حماية المرافق من التخريب وصيانتها بشكل مستمر.
العنف المدرسي
تنتشر ظاهرة العنف المدرسي بعدد من مدارس الشمال، حيث سبق تسجيل جرائم قتل بمحيط المؤسسات التعليمية على غرار ما حدث سابقا في شجار بين تلاميذ بشفشاون، إلى جانب تسجيل اصطدامات بين التلاميذ أثناء الخروج ووقت الذروة، ووصول الأمر أحيانا إلى أقسام الشرطة لوضع شكايات، ويرجع مهتمون بالشأن التعليمي ذلك إلى التغيرات الاجتماعية وتأثير المنصات الاجتماعية، وغياب المتنفسات والأنشطة الموازية التي يمكن أن تشكل فرصة لتفريغ الطاقة السلبية بالنسبة للقاصرين.
وطالب العديد من آباء وأولياء التلاميذ بتكثيف الدوريات الأمنية بمحيط المدارس بالمدارين الحضري والقروي بالشمال، من أجل ردع المخالفين الذين يقومون باعتراض سبيل التلميذات أثناء الخروج أو الدخول إلى المؤسسات التعليمية، والقطع مع مظاهر السياقة الاستعراضية والتحرش الجنسي ومضايقة القاصرات ومحاولة التغرير بهن.
ونبهت العديد من الأصوات المهتمة بالشأن الحقوقي إلى خطر انتشار المخدرات بمحيط المدارس، ومحاولة شبكات إجرامية إسقاط التلاميذ والتلميذات في شراكها، ناهيك عن انتشار تناول الشيشة الإلكترونية، وبيعها بمحلات أمام المدارس في غياب التشريع القانوني الذي يمنع ذلك ويحمي صحة وسلامة القاصرين.
وحسب مصادر مطلعة، فإنه إلى جانب تأثير التغيرات الاجتماعية ومنصات التواصل والمواقع الإلكترونية في مسألة العنف المدرسي، هناك الإهمال الأسري وتفكك الأسرة ومشاكل البطالة والفقر والتهميش والسكن غير اللائق، وغياب التواصل بين الإدارة والآباء لمعالجة المشاكل المرتبطة بالعنف المدرسي ومحدودية عمل المختص الاجتماعي بالمدارس رغم إيجابية إحداث المصلحة.
الساعات التجارية
يشتكي العديد من آباء وأولياء التلاميذ والتلميذات بالشمال من ارتفاع كلفة الساعات الإضافية التي تدفع لبعض أساتذة التعليم العمومي نظير ما يقدمونه لتلاميذهم بمراكز تعليم اللغات والدعم المدرسي، حيث يصل الواجب الشهري لمادة واحدة بمستوى البكالوريا إلى 500 درهم عن كل تلميذ أو تلميذة، وهو الشيء الذي يرهق ميزانية الأسر المتوسطة فكيف بالفقيرة.
وحسب مصادر، فإن الإقبال على الساعات الإضافية يكون أحيانا شبه إلزامي من أجل حصول التلميذ أو التلميذة على نقط عالية في المراقبة المستمرة، وذلك لدعم تعويض إمكانية الفشل في الامتحانات الإشهادية، خاصة البكالوريا، والإقبال الكبير على الساعات الإضافية في المواد العلمية، من قبيل الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية وكذلك لغات الفرنسية والإنجليزية..
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن التعليم العمومي بمستوى البكالوريا، الذي يفترض فيه المجانية، أصبح يكلف ميزانية الأسر ويدفعها للاقتراض أحيانا لتغطية مصاريف الساعات الإضافية شبه الإلزامية، حيث يختار الجميع الصمت على الملف لتعقيدات معالجته والخوف من الانتقام من التلاميذ، وغياب الإرادة في الإصلاح لدى الوزارة الوصية على القطاع واحتماء الجهات المستفيدة بالنقابات التعليمية والتنسيقيات.
ويحذر حقوقيون من تداعيات هذه الظاهرة التي لا تقف عند حدود استنزاف القدرة الشرائية للأسر، بل تمتد إلى تكريس الفوارق الاجتماعية والتربوية بين التلاميذ، إذ يصبح التفوق الدراسي، في نظر كثير من الأسر، مرتبطا بمدى قدرتها على تحمل مصاريف الدعم خارج المؤسسات التعليمية. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين، ومدى قدرة المدرسة العمومية على ضمان تحصيل دراسي جيد لجميع التلاميذ، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية والمادية، سيما في المستويات الإشهادية التي تحدد إلى حد كبير مساراتهم الجامعية والمهنية.
وأمام تنامي شكاوى الأسر، تبرز الحاجة إلى تدخل جدي من الوزارة الوصية لوضع حد لكل الممارسات التي قد تحول الدعم المدرسي إلى عبء مالي إضافي أو وسيلة ضغط غير مباشرة على التلاميذ وأولياء أمورهم، مع التمييز بين الدعم الاختياري المشروع وأي ممارسات تمس بمبدأ المجانية وتكافؤ الفرص، علما أن معالجة هذا الملف تقتضي فتح نقاش مسؤول مع الهيئات التعليمية وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ، وتعزيز آليات التتبع والمراقبة، وتوفير حصص دعم تربوي مجانية داخل المؤسسات العمومية، بما يضمن حق التلميذ في التعلم دون أن تضطر أسرته إلى الاستدانة من أجل تأمين فرص أفضل للنجاح.








