
من يراقب خريطة الإنتاج السينمائي العالمي يلاحظ أن المغرب لم يعد مجرد محطة عابرة لتصوير بعض المشاهد الصحراوية، بل تحول إلى استوديو طبيعي مفتوح يستقطب كبار المخرجين وشركات الإنتاج الباحثة عن تنوع جغرافي، واستقرار سياسي، وبنية لوجستية تسمح بتحويل الصحراء إلى مصر الفرعونية، والجبال إلى آسيا الوسطى، والقصبات إلى مدن رومانية أو شرق أوسطية، في مفارقة تجعل المغرب يؤدي أدوارا أكثر من بعض الممثلين أنفسهم.
وليس غريبا أن تختار هوليوود والمخرجون الكبار مدنا مثل ورزازات، وآيت بن حدو، والداخلة، ومراكش، والرشيدية، وتنغير لتكون مسرحا لأعمال ضخمة، لأن المملكة توفر مزيجا نادرا يجمع المناخ المناسب، وتنوع التضاريس، والخبرة التقنية، والأمن، وسهولة الإجراءات مقارنة بوجهات منافسة. ولهذا أصبح اسم المغرب يتكرر باستمرار في كواليس الصناعة السينمائية العالمية، حتى صار كثيرون يصفون ورزازات بأنها هوليوود إفريقيا.
ولعل قائمة الأعمال التي احتضنها المغرب تكشف حجم هذا الحضور، فمن «غلادياتور» إلى «مملكة السماء»، ومن «لورنس العرب» إلى «المومياء»، و«بلاك هوك داون»، و«ألكسندر»، و«سبكتر» من سلسلة جيمس بوند، و«مهمة مستحيلة»، إضافة إلى مسلسلات شهيرة مثل «صراع العروش»، كلها استفادت من سحر المواقع المغربية، وأسهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تقديم صور خلابة عن بلد يجمع التاريخ والطبيعة والضيافة في لقطة واحدة.
هذا الحضور لا ينعكس فقط على شباك التذاكر، بل يتحول إلى دعاية سياحية يصعب شراؤها بأغلى الحملات الإعلانية. فالمشاهد الذي يعجب بمدينة ظهرت في فيلم عالمي يبحث عنها لاحقا في خرائط السفر، ويكتشف أنها توجد في المغرب. وهكذا تتحول لقطة سينمائية مدتها ثوان إلى رغبة حقيقية في زيارة البلاد، بما يعزز صورة المملكة كوجهة مستقرة وآمنة وقادرة على احتضان أكبر المشاريع الدولية، وهو رصيد مهم في بناء القوة الناعمة التي أصبحت اليوم جزءا من المنافسة بين الدول.
لكن الصورة اللامعة لا ينبغي أن تحجب سؤالا أكثر أهمية. ماذا يستفيد السكان المحليون الذين تتحول قراهم وجبالهم وصحاريهم إلى ديكورات عالمية؟ صحيح أن التصوير يخلق فرص عمل مؤقتة، وينشط الفنادق والنقل والخدمات، إلا أن الأثر الاقتصادي يظل محدودا في كثير من الأحيان، خصوصا بالمناطق الهشة التي تستقبل هذه الإنتاجات، ثم تعود إلى واقعها بمجرد مغادرة آخر شاحنة تصوير. لذلك يحتاج المغرب إلى رؤية تجعل الصناعة السينمائية رافعة تنموية حقيقية، عبر تكوين الشباب، وتشجيع الشركات المحلية، وإنشاء مدارس تقنية، وتحفيز الاستثمار في المؤثرات البصرية والصناعات المرتبطة بالإنتاج، حتى يبقى جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
ويبرز هذا النقاش مجددا مع اختيار المغرب لتصوير أجزاء من فيلم «الأوديسا» للمخرج كريستوفر نولان، أحد أبرز الأسماء في السينما المعاصرة. وقد أثار الفيلم، حتى قبل عرضه، جدلا واسعا حول اختيارات بعض الممثلين والأبطال، إذ رأى منتقدون أن بعض الأدوار لا تنسجم مع التصورات التاريخية أو الأسطورية التقليدية، بينما اعتبر آخرون أن حرية الإبداع تسمح بإعادة قراءة النصوص الكلاسيكية بطرق مختلفة، وأن الأعمال الفنية ليست كتبا مدرسية ملزمة بإعادة إنتاج الماضي حرفيا.
ومن هنا عاد الحديث عن تأثير ما يسمى بالصوابية السياسية داخل هوليوود، وهي موجة دفعت خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة النظر في أساليب التمثيل، وتوسيع مساحة التنوع في اختيار الممثلين والخلفيات الثقافية. بعض المتابعين رأى أن نولان تأثر بهذا المناخ، بينما يؤكد آخرون أن مسيرته السينمائية لا تقدم دليلا واضحا على تبنيه أجندة إيديولوجية، إذ ظل اهتمامه منصبا أساسا على البناء الدرامي، وتعقيد الشخصيات، والأسئلة الفلسفية أكثر من انخراطه في الرسائل السياسية المباشرة. لذلك يبقى ربط اختياراته الفنية بالصوابية السياسية مسألة تفسيرية أكثر منها حقيقة محسومة.
يملك المغرب كل المقومات ليصبح قوة سينمائية عالمية، لا مجرد فضاء جميل للتصوير. فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في جذب الكاميرات الأجنبية، بل في بناء صناعة متكاملة تصنع الكفاءات، وتخلق الثروة، وتحول أبناء المناطق التي تؤدي دور البطولة في الخلفية إلى شركاء فعليين في النجاح. وعندما يتحقق ذلك، لن يكون المغرب مجرد موقع على خريطة الأفلام العالمية، بل سيصبح أحد صناعها الحقيقيين، مستثمرا السينما كجسر بين الثقافة والاقتصاد والسياحة والدبلوماسية، وكإحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرا في عالم تحكمه الصورة قبل أي شيء آخر.





