
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، صعّدت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة، متهمة واشنطن بالوقوف خلف التحركات العسكرية الإسرائيلية وتوفير الدعم الاستخباراتي والسياسي لتل أبيب، رغم تأكيدات الإدارة الأمريكية بأنها ليست طرفا في المواجهة. وجاءت هذه الاتهامات بالتزامن مع تطورات ميدانية متسارعة، بعدما أطلقت طهران دفعات من الصواريخ باتجاه إسرائيل، ردا على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، في خطوة فتحت فصلا جديدا من التصعيد بين الطرفين. وبين تهديدات إسرائيلية برد قاس، ومساع أمريكية لاحتواء الموقف، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها على أمن المنطقة ومستقبل المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
إعداد: سهيلة التاور
شهدت المنطقة تصعيدا عسكريا مفاجئا، بعدما أطلقت إيران، مساء الأحد الماضي، دفعات من الصواريخ باتجاه أهداف داخل إسرائيل، في خطوة رفعت مستوى التوتر إلى درجات غير مسبوقة وأثارت مخاوف من انزلاق الطرفين إلى مواجهة أوسع. وفي أعقاب الهجوم، سادت حالة استنفار في مختلف المناطق الإسرائيلية، مع تصاعد الدعوات داخل تل أبيب للرد على الضربة الإيرانية.
وأعلنت السلطات الإسرائيلية تفعيل الإنذارات في مساحات واسعة من شمال البلاد، شملت مدنا وبلدات عدة من الجليل إلى خليج حيفا والجولان، فيما تقرر تعليق الدراسة في جميع المؤسسات التعليمية، تحسبا لأي تطورات أمنية جديدة خلال الساعات المقبلة.
ومع تسارع الأحداث، عقدت القيادة الإسرائيلية سلسلة اجتماعات لتقييم الموقف والخيارات المتاحة، بينما دخلت واشنطن على خط الأزمة في محاولة لاحتواء التصعيد، إذ أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في ثني الحكومة الإسرائيلية عن اتخاذ خطوات عسكرية، قد تدفع الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة.
وأفاد موقع «أكسيوس» بأن ترامب طلب من نتنياهو خلال مكالمة هاتفية عدم الرد على الهجوم الإيراني، ومنح المزيد من الوقت للدبلوماسية. وبحسب ما ذكره الموقع نقلا عن مسؤول أمريكي، فإن ترامب قال لنتنياهو إن عليه التريث، لأن «الأمر بات وشيكا في ما يتعلق بالاتفاق». وأكد المسؤول أن ترامب مصمم على أن واشنطن قريبة من التوصل لاتفاق مع إيران، وأضاف: «لا أعتقد أن هناك أي شيء وشيك في ما يتعلق بضربة إسرائيلية». وأشار المسؤول إلى أن المرحلة حاسمة وأن المفاوضات وصلت إلى مراحلها النهائية، مؤكدا أنه لا داعي للمخاطرة بفرص التوصل إلى اتفاق محتمل.
اتهامات إيرانية لأمريكا
اتهم إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، الولايات المتحدة بمساعدة إسرائيل في هجومها الأخير على إيران، ووصف تصريحات الرئيس دونالد ترامب بأنها مجافية للواقع ولا يُعتد بها.
وأضاف أن واشنطن زودت تل أبيب بمعلومات استخبارية، وحاولت التصدي لبعض الصواريخ الإيرانية، «لكنها فشلت في ذلك».
وأكد رضائي أن لدى إيران معلومات تفيد بدعم الأمريكيين للهجمات الإسرائيلية الأخيرة، واصفا حديث ترامب عن عدم مشاركة بلاده في هذه المواجهة القصيرة بالكاذب.
كما أكد أن المواقف الأمريكية في المفاوضات تختلف عما يدلي به ترامب لوسائل الإعلام، مشيرا إلى أن إيران «لا تأخذ هذه التصريحات على محمل الجد، لأن الأمريكيين لا يوجهون أي تهديدات خلال التفاوض».
صواريخ إيرانية تضرب إسرائيل
أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن إيران أطلقت 10 صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل، فيما أعلنت قيادة الجبهة الداخلية السماح للإسرائيليين بالخروج من الملاجئ، مع التأكيد على ضرورة البقاء بجوارها تحسبا لتجدد القصف الإيراني.
وطالب الجيش الإسرائيلي السكان بعدم نشر أو تداول مواقع سقوط الصواريخ، أو توثيق أماكن الإصابة.
من جهته، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قاعدة رامات الجوية الإسرائيلية بصواريخ باليستية، مؤكدا أن العملية كانت «تحذيرا».
وجاء الهجوم الإيراني المفاجئ، عقب ساعات من الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، وأدت إلى سقوط قتيلين و20 جريحا، إذ زعمت تل أبيب أن هدفها كان مركز قيادة وتخطيط تابعا لحزب الله.
وسبق الغارة تصاعُد المواجهات في جنوب لبنان، وأعلن حزب الله تنفيذ 5 هجمات على قوات الاحتلال ومواقعها، في حين قالت إسرائيل إنها اعترضت مقذوفين أُطلقا من الأراضي اللبنانية.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي ومصدرين مطلعين قولهم إن إسرائيل أبلغت إدارة ترامب قبل شن الغارة، وأكدت أن استمرار هجمات الحزب يعد «انتهاكا لوقف إطلاق النار ويمنحها الحق في ضرب بيروت».
وفي أعقاب الهجوم على الضاحية الجنوبية، صعدت إيران لهجتها، إذ قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، إن «القواعد والأصول الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة أهداف مشروعة»، معتبرا أن «الولايات المتحدة منحت إسرائيل ضوءا أخضر لمواصلة عملياتها العسكرية».
وهددت جهات تابعة للحرس الثوري بأن الضربة الإسرائيلية لن تمر دون رد، فيما قال إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إن طهران تتابع التطورات في لبنان عن كثب، وقد تتحرك سياسيا أو دبلوماسيا أو عسكريا، إذا رأت ضرورة لذلك.
أما مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي فقال إن «العدو أشعل طاولة المفاوضات للمرة الثالثة بقصفه لبنان، فيما كان الوسيط موجودا في إيران»، متوعدا بقوله: «نتحدث مع من ينقضون العهود بلغة القوة، وسيدفع المعتدون ثمنا باهظا ومؤلما في الميدان».
وفي مقابل التهديدات الإيرانية، نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مسؤول سياسي إسرائيلي وصفته بـ«الكبير» تأكيده أن إسرائيل تستعد لاحتمال تصعيد إيراني عقب التطورات الأخيرة، في حين قال مصدر أمني أمريكي لموقع «أكسيوس» إن الولايات المتحدة مستعدة عسكريا، إذا نفذت إيران تهديداتها وشنت هجوما.
إيران: حق الرد مشروع
أكد إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن التطورات الميدانية قد تؤثر على المفاوضات التي قال إن موقف إيران فيها ثابت، ويقوم على قبول الولايات المتحدة بالشروط الموضوعة على الطاولة، والمتمثلة في وقف الحرب على كافة الجبهات، ودفع تعويضات لطهران، ورفع العقوبات عنها، وإلغاء الحظر عن أموالها المجمدة.
وشدد البرلماني الإيراني على أن طهران مستعدة للحرب وللدبلوماسية، وأن الإيرانيين سيمضون في المسار الذي يقرره الأمريكيون، مؤكدا أن باكستان وقطر تبذلان جهودا لإنجاح المفاوضات، وأن التوصل لاتفاق «مرهون بقبول واشنطن لشروط طهران».
وأضاف أن إيران «لا تصر ولا تستعجل التفاوض مع الولايات المتحدة، بل ولم تطلبه مرة واحدة قبل أو بعد الحرب، وإنما الأمريكيون هم الذين وسطوا دولا من أجل الدخول في هذه المفاوضات»، حسب قول رضائي.
وعن الهجوم الإيراني الأخير على إسرائيل، قال رضائي إنه جاء «دفاعا عن اللبنانيين، وردا على قصف جزء من ضاحية بيروت الجنوبية، الذي تعهد ترامب لإيران بأنه لن يقع»، مؤكدا أن وقف الحرب في كافة الجبهات «شرط من الشروط الموضوعة على الطاولة منذ اليوم الأول».
وشدد المسؤول الإيراني على أن بلاده «سترد بطريقة أشد على أي استهداف إسرائيلي جديد لأراضيها»، قائلا إن الضربات الإيرانية الأخيرة كانت قوية، وأصابت الكثير من الأهداف وأوقعت خسائر كبيرة.
وقلل رضائي من تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلا إن إيران «كانت آخر من هاجم»، وإن القوة النارية التي وجهت لإسرائيل خلال الساعات الأخيرة «غير مسبوقة وناجحة».
القواعد القديمة انتهت
قال المسؤول الإيراني إن إسرائيل «عليها أن تنسى استخدام مضيق هرمز بعد هذه الحرب، لأن إيران ودول أخرى في المنطقة وضعت قواعد أمنية جديدة لحفظ أمن المنطقة، الذي لن تحميه أمريكا ولا الكيان الصهيوني»، وفق تعبيره.
وتابع: «بعض الدول ترفض الاعتراف بهذه القواعد الجديدة، ومنها الولايات المتحدة والكويت والبحرين، والبعض الآخر قبل بالأمر الواقع فصاروا أقل مواجهة للتحديات»، لافتا إلى أن المعادلة الجديدة تقوم على دول منها إيران ولبنان واليمن.
ولفت إلى أن قرار إغلاق مضيق باب المندب في وجه السفن الإسرائيلية، أو المرتبطة بإسرائيل «قرار يمني، لكننا نتمنى أن يُتخذ، ونتوقع أن يخسر الكيان الصهيوني فرصة استخدام باب المندب».
وقال رضائي إن حديث الولايات المتحدة عن تدمير البحرية الإيرانية «غير صحيح، بدليل أنها لم تتمكن من إدخال زورق صغير للمضيق، ولا إخراج ناقلة واحدة منه دون الخضوع للترتيبات الإيرانية».
وأكد أن البحر الأحمر «سيكون أحمر للصهاينة، لأننا نؤمن بأن أمن المنطقة يجب تحقيقه عبر دول المنطقة، وليس عبر الأمريكيين الذين أثبتت الحرب الأخيرة أنهم هم من يزعزع أمن المنطقة».
وأشار إلى أن إيران لن تكرر أخطاء الماضي، عندما كانت تسمح للمدمرات والقطع الحربية بعبور هرمز، ثم عادت واغتالت قادتها، مضيفا: «لن نسمح بعودة الوضع الجيوسياسي في المنطقة لما كان عليه قبل الحرب».
وفي وقت سابق، من يوم أول أمس الاثنين، أعلنت إيران وقف هجماتها، وقال قائد الجيش الإيراني إن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أي هجوم إسرائيلي جديد، وإن أي عدوان جديد سيقابل برد أشد قوة.
تل أبيب تتوعد برد قاس
توعد إيال زامير، رئيس الأركان الإسرائيلي، بتوجيه «ضربة قوية إلى العدو، فور إعطائنا الضوء الأخضر».
وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن زامير يُجري تقييما للوضع في الوقت الحالي.
وأكدت مصادر إسرائيلية متعددة أن نتنياهو يعقد مشاورات أمنية على خلفية التطورات، ونقلت كل من صحيفة «واشنطن بوست» وشبكة «سي إن إن» وموقع «أكسيوس» والقناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين تأكيدهم أن إسرائيل سترد بقوة على الهجوم الإيراني الأخير. في حين ذكرت هيئة البث الإسرائيلية -نقلا عن مصادر- أن تل أبيب تستعد للرد على عمليات إطلاق الصواريخ الأخيرة.
وهدد إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، قائلا: «يجب أن تحترق طهران الليلة»، بينما علق أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، وزعيم حزب إسرائيل بيتنا، بقوله: «كفى لسياسة الاحتواء، ويجب الرد فورا واستهداف البنية التحتية الاستراتيجية في إيران».
وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نقلا عن الجيش الإسرائيلي، إنه يستعد لعدة سيناريوهات.
ترامب يسابق التصعيد بالدبلوماسية
فور سقوط الصواريخ الإيرانية، أعلن الرئيس الأمريكي أنه سيتصل بنتنياهو لطلب عدم الرد على إيران، مشيرا إلى أن الضربات الإيرانية لم تُسفر عن إصابات، ومعربا عن أمله في ألا ترد إسرائيل.
وحذر ترامب من أن أي رد إسرائيلي سيعيد الوضع إلى ما كان عليه «في السنوات الـ47 الماضية أو الـ3000 الماضية»، مؤكدا أن واشنطن «قريبة جدا» من اتفاق نهائي مع طهران، ولا يريد أن «ينفجر الوضع»، بسبب ما يجري.
وانتقد ترامب الغارات الإسرائيلية على بيروت، قائلا إنها لم تُنسَّق مع واشنطن وإنه «غير سعيد» بها، مضيفا أن الهجوم الإيراني «لن يساعد في المفاوضات».
وعبر شبكة «فوكس نيوز»، خاطب ترامب إيران قائلا: «أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي»، داعيا طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وإبرام صفقة.
وأضاف ترامب أنه كان على وشك الإعلان عن توقيع اتفاق «الاثنين أو الثلاثاء أو الأربعاء»، قبل أن تقع هذه التطورات، مشيرا إلى أن الجيش الأمريكي في حالة تأهب.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي قوله: «لسنا جزءا مما يحدث حاليا». فيما كشفت «يديعوت أحرونوت» أن الولايات المتحدة نقلت رسالة إلى إسرائيل تفيد بتفضيلها «الانتظار بضعة أيام»، من أجل معرفة ما إن كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق.
ووفق الصحيفة الإسرائيلية، فقد أوضحت الولايات المتحدة أنها «ستمضي في عمل مشترك كما هو مخطط له» في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مضيفة أنه «لا ينبغي إهدار الفرصة بالانجرار إلى تبادل محدود للضربات».
وكانت هيئة البث الإسرائيلية ذكرت، الأحد الماضي، أن وفدا من كبار المستشارين القانونيين في إدارة ترامب وصل إلى إسرائيل، وسط تحذيرات في تل أبيب من رد واسع على إيران.
وعقد الوفد الأمريكي لقاءات مع نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، على أن يلتقي لاحقا وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ومسؤولين عسكريين كبار، في ظل تصاعد التوتر على الجبهتين اللبنانية والإيرانية.
وعلى إثر الهجمات الإيرانية المباغتة، أفاد مصدر في مطار بغداد بإغلاق الأجواء العراقية أمام حركة الطيران، فيما أعلنت هيئة الطيران المدني الإيرانية إغلاق الجزء الغربي من أجواء البلاد حتى إشعار آخر.
في غضون ذلك، أجرى عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، سلسلة اتصالات دبلوماسية شملت محادثات مع قائد الجيش الباكستاني، واتصالين منفصلين مع نظيريْه التركي والبريطاني، عقب الهجمات الصاروخية على إسرائيل، وفق ما أعلنته الخارجية الإيرانية.





