حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش…تجديد الوفاء وترسيخ للعهد بالنماء

تحل الذكرى السابعة والعشرون لاعتلاء الملك محمد السادس العرش في سياق وطني ودولي استثنائي، يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وارتفاع سقف التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مقابل استمرار المملكة في تثبيت موقعها كفاعل إقليمي ودولي مؤثر. فمنذ 30 يوليوز 1999، اختار المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، مسارا يقوم على الإصلاح التدريجي، وتحديث الدولة، وتعزيز البنيات التحتية، وترسيخ النموذج التنموي، بالتوازي مع انتهاج دبلوماسية نشطة مكنت المملكة من تحقيق مكاسب استراتيجية على مختلف المستويات.

مقالات ذات صلة

ولم تكن السنوات السبع والعشرون الماضية مجرد محطة زمنية في تاريخ الدولة المغربية، بل شكلت مرحلة لإعادة صياغة أدوار المؤسسات، وإطلاق أوراش كبرى مست مختلف القطاعات الحيوية، من الطرق السيارة والموانئ والسكك الحديدية والمطارات، إلى الطاقات المتجددة، والصناعة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، والجهوية المتقدمة، فضلا عن الأوراش المرتبطة بالرقمنة وتحديث الإدارة. كما استطاع المغرب أن يتحول إلى منصة اقتصادية ولوجستية تربط إفريقيا بأوروبا، وإلى وجهة لاستقطاب الاستثمارات الدولية، مستندا إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وعلى المستوى الخارجي، عززت المؤسسة الملكية حضور المغرب في محيطه الإقليمي والدولي عبر دبلوماسية متعددة الأبعاد، تقوم على الشراكات المتوازنة والانفتاح على مختلف الفضاءات الجغرافية. فقد شهدت العلاقات المغربية مع إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والإسلامي تطورا لافتا، مدعوما بمبادرات سياسية واقتصادية وإنسانية جعلت المملكة تحظى بثقة متزايدة لدى شركائها، كما برز الدور المغربي في دعم الاستقرار الإقليمي، والمساهمة في جهود الوساطة، وتعزيز التعاون جنوب- جنوب.

ويأتي الاحتفال بعيد العرش هذه السنة أيضا في ظرفية تستعد فيها المملكة لاستحقاقات سياسية كبرى، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية، بالتوازي مع مواصلة تنزيل الأوراش الملكية الكبرى، بما يجعل هذه المناسبة فرصة لتقييم حصيلة مرحلة كاملة، واستشراف التحديات والرهانات المستقبلية.

 

المغرب والدبلوماسية الإفريقية

 

عام من ترسيخ الشراكات الاستراتيجية بقيادة الملك محمد السادس

 

النعمان اليعلاوي

كرست الدبلوماسية المغربية، خلال الفترة الممتدة من غشت 2025 إلى يوليوز 2026، حضورها المتنامي داخل القارة الإفريقية، من خلال مقاربة تقوم على الشراكة الاقتصادية، والتعاون جنوب-جنوب، وربط التنمية بالاندماج الإقليمي، وهي المقاربة التي يقودها الملك محمد السادس منذ سنوات، وجعلت من المغرب أحد أبرز الفاعلين في القارة. وخلال هذا العام، تواصلت الدينامية المغربية على أكثر من واجهة، سواء عبر توسيع شبكة الشراكات الثنائية، أو إطلاق مشاريع استراتيجية عابرة للحدود، أو تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، بما يعكس تحولا من دبلوماسية تقليدية إلى دبلوماسية تنموية قائمة على الاستثمار والتكامل.

ويرى متابعون أن السياسة الإفريقية للمغرب لم تعد تقتصر على توطيد العلاقات السياسية، بل أصبحت ترتكز على بناء مصالح مشتركة طويلة الأمد، وهو ما جعل المملكة تحظى بموقع متقدم داخل القارة، سواء لدى الحكومات أو المؤسسات الاقتصادية والمالية، في وقت تشهد فيه إفريقيا تنافسا متزايدا بين القوى الدولية والإقليمية.

 

المغرب يعزز حضوره الاقتصادي وشبكة شراكاته الإفريقية

شكل البعد الاقتصادي أبرز ملامح التحرك المغربي في إفريقيا خلال السنة الماضية، إذ واصل المغرب توسيع حضوره الاستثماري داخل عدد من الدول الإفريقية، خاصة في قطاعات الأبناك والاتصالات والأسمدة والطاقة والبنيات التحتية والخدمات. كما عززت المؤسسات المالية المغربية انتشارها داخل أسواق جديدة، في وقت واصلت فيه المقاولات المغربية تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات السكن والطرق والموانئ والطاقة.

وتؤكد المعطيات الاقتصادية أن المغرب حافظ على موقعه ضمن أكبر المستثمرين الأفارقة في القارة، مستندا إلى شبكة واسعة من اتفاقيات التعاون الثنائي، وإلى الحضور المتزايد للقطاع الخاص المغربي، الذي أصبح شريكا أساسيا في تنفيذ مشاريع التنمية بعدد من الدول الإفريقية.

كما شهدت هذه الفترة توقيع اتفاقيات جديدة للتعاون في مجالات التكوين المهني والتعليم العالي والرقمنة والاقتصاد الأخضر، بما يعكس توجه المملكة نحو تنويع مجالات التعاون وعدم الاكتفاء بالاستثمارات التقليدية. ويواكب هذا التوجه نشاط مكثف للوكالة المغربية للتعاون الدولي، التي واصلت برامجها الخاصة بتكوين الأطر الإفريقية واستقبال آلاف الطلبة الأفارقة بالمؤسسات الجامعية المغربية.

ويرى خبراء أن هذا الحضور الاقتصادي لم يعد مجرد امتداد للنشاط التجاري، بل تحول إلى أداة دبلوماسية تعزز الثقة بين المغرب وشركائه، وتكرس صورة المملكة باعتبارها فاعلا يسهم في التنمية المشتركة، بدل الاكتفاء بالعلاقات السياسية التقليدية.

 

مشاريع قارية كبرى.. من أنبوب الغاز إلى المبادرات التنموية

تميزت السنة الأخيرة بتقدم عدد من المشاريع الاستراتيجية ذات البعد القاري، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، الذي شهد محطة مفصلية بعد توقيع دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو) الاتفاق الحكومي المؤطر للمشروع، بما يمثل انتقاله إلى مرحلة جديدة من التنفيذ.

ويعد المشروع، الذي يمتد على نحو 6800 كيلومتر، أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في إفريقيا، إذ يرتقب أن يربط ثلاث عشرة دولة إفريقية، وأن يساهم في تعزيز الأمن الطاقي للقارة، ودعم التصنيع، وخلق سوق إقليمية للغاز الطبيعي، إلى جانب ربط غرب إفريقيا بالشبكة الأوروبية عبر المغرب.

وفي السياق نفسه، واصل المغرب الترويج للمبادرات المرتبطة بالربط اللوجستي والتجاري داخل القارة، مستندا إلى بنيته التحتية المتطورة، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى منصة إقليمية للتجارة بين إفريقيا وأوروبا والعالم.

كما برزت مبادرات جديدة في مجالات الأمن الغذائي والفلاحة المستدامة، من خلال توسيع برامج التعاون في إنتاج الأسمدة ونقل الخبرة الزراعية إلى عدد من الدول الإفريقية، فضلا عن مواصلة التعاون في مجالات تدبير المياه والطاقات المتجددة، وهي قطاعات أصبحت تحظى بأولوية في الأجندة الإفريقية للمغرب.

ويؤكد متابعون أن هذه المشاريع تعكس تحولا في طبيعة الحضور المغربي، حيث لم يعد قائما فقط على توقيع الاتفاقيات، بل على إنجاز مشاريع هيكلية تخلق ترابطا اقتصاديا طويل الأمد بين الدول الإفريقية، وتمنح المملكة موقعا محوريا داخل سلاسل القيمة الإقليمية.

دبلوماسية تنموية تعزز مكانة المغرب داخل إفريقيا

إلى جانب الشق الاقتصادي، واصل المغرب خلال الفترة نفسها توسيع حضوره المؤسساتي والإنساني داخل القارة، من خلال برامج التعاون الصحي والتكوين الأكاديمي وتبادل الخبرات الإدارية والأمنية. كما عزز حضوره داخل المنظمات الإقليمية الإفريقية، وشارك بفاعلية في مختلف القمم والاجتماعات الوزارية التي تناولت قضايا التنمية والأمن والهجرة والتغيرات المناخية.

وفي المجال الأمني، استمرت المملكة في تطوير شراكاتها مع عدد من الدول الإفريقية في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، مستندة إلى خبرة راكمتها خلال السنوات الماضية، وإلى تعاون وثيق بين الأجهزة الأمنية المغربية ونظيراتها الإفريقية.

كما حافظ المغرب على دوره في تكوين الأئمة والمرشدين الدينيين من عدد من الدول الإفريقية عبر مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة، وهو ما يعكس اعتماد مقاربة شمولية تجمع بين الأمن والتنمية والتأطير الديني المعتدل.

ويرى متخصصون أن السياسة الإفريقية التي يقودها الملك محمد السادس أصبحت تستند إلى مفهوم “الشراكة المتكافئة”، القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مقابل تقديم الخبرة والاستثمار ونقل التجارب التنموية، وهو ما منح المغرب رصيدا مهما من الثقة داخل القارة.

وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، يبدو أن المغرب يتجه إلى تعميق هذا التوجه خلال السنوات المقبلة، عبر مواصلة الاستثمار في المشاريع القارية الكبرى، وتعزيز حضوره داخل الأسواق الإفريقية، وتطوير التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي والطاقة والصناعة، بما يجعل إفريقيا أحد أهم المحاور الاستراتيجية للسياسة الخارجية المغربية، ليس فقط باعتبارها امتدادا جغرافيا، بل باعتبارها فضاء رئيسيا لتحقيق التنمية المشتركة وتعزيز التكامل الاقتصادي جنوب- جنوب.

الدبلوماسية المغربية في أوروبا

 

عام من تثبيت الشراكات الاستراتيجية وتنويع التحالفات

 

النعمان اليعلاوي

عرفت الدبلوماسية المغربية تجاه أوروبا، خلال الفترة الممتدة من غشت 2025 إلى يوليوز 2026، دينامية غير مسبوقة، تجسدت في تعزيز العلاقات مع عدد من العواصم الأوروبية، والانتقال من منطق تدبير الملفات الثنائية التقليدية إلى بناء شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والطاقة والأمن والهجرة والاستثمار. وأبانت المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، عن قدرة كبيرة على التكيف مع التحولات التي يعرفها المشهد الأوروبي، سواء في ظل استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أو إعادة تشكيل أولويات الاتحاد الأوروبي في مجالات الأمن الطاقي وسلاسل التوريد والهجرة.

وخلال هذه المرحلة، عزز المغرب مكانته كشريك موثوق بالنسبة لعدد من الدول الأوروبية، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، ونجاحه في إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة والبنيات التحتية. كما استطاع توسيع مجالات التعاون لتشمل الأمن السيبراني، والتحول الرقمي، والبحث العلمي، والتكوين المهني، إلى جانب استمرار التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي أصبح أحد أهم ركائز العلاقات المغربية الأوروبية.

كما أن الدبلوماسية المغربية نجحت في تجاوز المقاربة الظرفية للعلاقات مع أوروبا، لترسيخ رؤية تقوم على المصالح المتبادلة والندية، وهو ما انعكس في حجم الاتفاقيات الموقعة، والزيارات الرسمية المتبادلة، وتزايد الاستثمارات الأوروبية بالمغرب، إضافة إلى انخراط المملكة في عدد من المبادرات الاقتصادية التي تراهن عليها أوروبا لتنويع شركائها في جنوب المتوسط.

 

شراكات جديدة تعزز موقع المغرب داخل الفضاء الأوروبي

شكل البعد الاقتصادي العنوان الأبرز للعلاقات المغربية الأوروبية خلال السنة الماضية، حيث شهدت العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية زخما كبيرا، سواء على مستوى الاستثمارات أو المبادلات التجارية أو التعاون الصناعي. واستفاد المغرب من توجه الشركات الأوروبية نحو إعادة توطين جزء من صناعاتها بالقرب من الأسواق الأوروبية، في إطار سياسة “القرب الصناعي”، ليصبح إحدى الوجهات الأكثر جاذبية للاستثمار.

وشهدت العلاقات مع إسبانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا زخما متواصلا، خصوصا في قطاعات صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر والهيدروجين الأخضر. كما توسع التعاون في مجالات الموانئ واللوجستيك والنقل البحري، مستفيدا من الموقع الاستراتيجي للمملكة كبوابة بين أوروبا وإفريقيا.

كما واصلت المؤسسات الأوروبية دعم مشاريع التنمية بالمغرب من خلال تمويلات جديدة وبرامج تعاون في مجالات الانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر والرقمنة، فيما عززت الشركات الأوروبية حضورها داخل المناطق الصناعية المغربية، خاصة بالقنيطرة وطنجة والدار البيضاء والناظور.

ويؤكد خبراء أن هذه الدينامية الاقتصادية لم تعد ترتبط فقط بجاذبية السوق المغربية، بل أصبحت تعكس تحولا في نظرة أوروبا إلى المغرب باعتباره شريكا استراتيجيا في ضمان الأمن الصناعي والغذائي والطاقي للقارة الأوروبية.

 

التنسيق الأمني والهجرة.. ركيزة ثابتة في العلاقات الثنائية

واصل المغرب خلال هذه الفترة تعزيز موقعه كشريك أساسي للدول الأوروبية في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث حافظ التعاون الأمني بين الأجهزة المغربية ونظيراتها الأوروبية على مستواه المرتفع، من خلال تبادل المعلومات والتنسيق الميداني وإحباط عدد من المخططات الإجرامية والإرهابية.

كما واصل المغرب لعب دور محوري في تدبير الهجرة غير النظامية، من خلال مقاربة تجمع بين البعد الأمني والإنساني، وهو ما حظي بتقدير واسع من قبل عدد من الحكومات الأوروبية، التي اعتبرت المملكة شريكا أساسيا في حماية الحدود الجنوبية للقارة.

وفي المقابل، حرص المغرب على التأكيد أن التعاون في ملف الهجرة ينبغي أن يقوم على المسؤولية المشتركة والتنمية الاقتصادية، وليس فقط على المقاربة الأمنية، داعيا إلى تعزيز الاستثمارات الأوروبية في إفريقيا لمعالجة الأسباب العميقة للهجرة.

كما توسع التعاون ليشمل الأمن السيبراني وحماية البنيات التحتية الرقمية ومحاربة الجرائم الإلكترونية، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالفضاء الرقمي، وهو ما جعل المغرب شريكا متقدما في برامج التعاون الأمني الأوروبية.

 

انتقال العلاقات إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد

أبرز ما ميز الدبلوماسية المغربية تجاه أوروبا خلال السنة الماضية هو الانتقال من التعاون القطاعي إلى بناء شراكات استراتيجية شاملة، تجمع بين الاقتصاد والطاقة والأمن والبحث العلمي والتعليم والثقافة.

فقد شهدت العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات التعليم العالي والابتكار والبحث العلمي، إلى جانب توسيع برامج التكوين المهني والتبادل الجامعي، بما يعزز اندماج الكفاءات المغربية في فضاءات البحث الأوروبية.

وفي مجال الطاقة، عزز المغرب حضوره كشريك رئيسي في مشاريع الانتقال الطاقي الأوروبية، خصوصا في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، مستفيدا من المؤهلات الطبيعية التي يتوفر عليها، ومن البنية التحتية الصناعية التي راكمها خلال السنوات الأخيرة.

كما شهد التعاون الثقافي والسياحي بدوره تطورا ملحوظا، من خلال إطلاق برامج مشتركة للتبادل الثقافي وتشجيع السياحة والاستثمار في الصناعات الإبداعية، بما يعكس اتساع مجالات التعاون خارج الملفات التقليدية.

ويرى متابعون أن هذه المرحلة تؤشر على تحول نوعي في العلاقات المغربية الأوروبية، إذ لم يعد المغرب مجرد شريك في قضايا الهجرة والأمن، بل أصبح فاعلا اقتصاديا واستراتيجيا يساهم في صياغة حلول مشتركة للتحديات الإقليمية والدولية.

 

المغرب يعيد صياغة موقعه بأوروبا

تكشف حصيلة السنة أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، نجحت في ترسيخ نموذج جديد للعلاقات مع أوروبا، يقوم على المصالح المتبادلة والشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد، بعيدا عن المقاربات التقليدية التي طبعت العلاقات الثنائية خلال العقود الماضية.

فقد استطاعت المملكة أن تستثمر التحولات الجيوسياسية التي تعرفها القارة الأوروبية، لتقدم نفسها كشريك مستقر وموثوق، قادر على المساهمة في الأمن الطاقي والغذائي والصناعي والأمني لأوروبا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقلالية قرارها وتنويع شراكاتها الدولية.

وتشير مختلف المؤشرات إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تعميق هذا المسار، خاصة مع اقتراب إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الهيدروجين الأخضر والربط الطاقي والصناعة والاقتصاد الرقمي، وهو ما يعزز موقع المغرب كأحد أبرز الشركاء الاستراتيجيين للاتحاد الأوروبي في الضفة الجنوبية للمتوسط، ويكرس مكانته كفاعل إقليمي قادر على الجمع بين العمق الإفريقي والانفتاح الأوروبي في إطار رؤية دبلوماسية متوازنة تقودها المؤسسة الملكية.

عتيق السعيد *أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش- محلل سياسي

 

عتيق السعيد*: القيادة الملكية صنعت نموذجا تنمويا ورسخت مكانة المغرب إقليميا ودوليا

 

النعمان اليعلاوي

تشكل الذكرى السابعة والعشرون لاعتلاء الملك محمد السادس عرش المملكة محطة وطنية لاستحضار التحولات الكبرى التي عرفها المغرب منذ سنة 1999، سواء على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو في مجال تحديث البنيات التحتية، أو من خلال المكاسب الدبلوماسية التي عززت مكانة المملكة قاريا ودوليا. فخلال أكثر من ربع قرن، انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، مستندا إلى رؤية ملكية بعيدة المدى جعلت من الاستثمار في الإنسان، وتأهيل المجال الترابي، والانفتاح على العالم، ركائز أساسية للنموذج التنموي المغربي.

ويرى عتيق السعيد، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن حصيلة سبعة وعشرين عاما من حكم الملك محمد السادس «تعكس انتقال المغرب من منطق تدبير الحاجيات الآنية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى»، موضحا أن الأوراش التي أطلقت خلال هذه الفترة لم تكن مشاريع قطاعية معزولة، وإنما شكلت رؤية متكاملة استهدفت بناء اقتصاد تنافسي، ودولة حديثة، ومؤسسات قادرة على مواكبة التحولات الدولية.

 

بنية تحتية بمواصفات عالمية صنعت مغربا جديدا

قال السعيد إن من أبرز ملامح العهد الجديد التحول العميق الذي شهدته البنيات التحتية، مؤكدا أن المغرب أصبح اليوم من بين الدول الإفريقية الأكثر تطورا في هذا المجال، بفضل مشاريع هيكلية كبرى شملت الطرق السيارة، والموانئ، والسكك الحديدية، والمطارات، وشبكات اللوجستيك والطاقات المتجددة.

وأوضح أن الرؤية الملكية جعلت من البنية التحتية أداة للتنمية الاقتصادية، وليست مجرد مرافق للخدمات، إذ ساهمت هذه المشاريع في تحسين جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية، وربط مختلف جهات البلاد بشبكات نقل حديثة، وتقليص الفوارق المجالية بين المدن والأقاليم.

وأضاف أن إنجاز مشاريع كبرى، مثل القطار فائق السرعة، وتوسعة ميناء طنجة المتوسط، والطرق السيارة، والموانئ الجديدة، عزز قدرة المغرب على الاندماج في سلاسل التجارة الدولية، وجعل منه منصة لوجستيكية تربط أوروبا بإفريقيا، مشيرا إلى أن هذه المشاريع هي التي تفسر اليوم اختيار المملكة لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى، بفضل جاهزية بنياتها الأساسية واحترامها للمعايير الدولية.

واعتبر السعيد أن نجاح المغرب في تحديث البنيات التحتية لم يكن منفصلا عن ورش الجهوية المتقدمة، حيث ساهمت هذه المشاريع في تحويل العديد من الجهات إلى أقطاب اقتصادية وصناعية وسياحية، وربطها بشبكات حديثة للنقل والاستثمار، الأمر الذي أعطى دفعة قوية للتنمية الترابية.

 

العالم القروي في صلب المشروع التنموي

أستاذ القانون العام أكد أن التنمية في العهد الحالي لم تقتصر على المدن الكبرى، بل شملت العالم القروي الذي حظي بعناية خاصة في مختلف البرامج الملكية، سواء عبر تطوير البنيات الأساسية، أو تحسين الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، أو دعم الفلاحين الصغار.

وأوضح أن البرامج الموجهة للعالم القروي ساهمت في فك العزلة عن عدد كبير من المناطق، وتحسين الربط الطرقي، وتوسيع شبكات الماء والكهرباء، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية المحلية، وهو ما انعكس على مستوى عيش السكان وعلى دينامية الاستثمار بالمناطق القروية.

وأضاف أن الرؤية الملكية قامت على جعل التنمية القروية جزءا من التنمية الوطنية الشاملة، معتبرا أن تقليص الفوارق المجالية أصبح أحد أبرز ملامح السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة.

 

الشباب والتكوين.. استثمار في الرأسمال البشري

يرى السعيد أن أحد أهم رهانات الملك محمد السادس تمثل في الاستثمار في الرأسمال البشري، خاصة من خلال النهوض بالتكوين المهني وربطه بالتحولات الاقتصادية وسوق الشغل.

وقال إن مشروع مدن المهن والكفاءات يعكس هذه الرؤية بوضوح، باعتباره برنامجا وطنيا يهدف إلى توفير تكوين حديث يستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني، ويؤهل الشباب للاندماج في سوق العمل داخل المغرب وخارجه.

وأضاف أن هذه المدن تمثل جيلا جديدا من مؤسسات التكوين المهني، يعتمد على حكامة حديثة، وشراكات مع المقاولات، وبرامج تكوين مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والصناعة والخدمات والطاقات المتجددة.

وأشار إلى أن العناية الملكية بهذا القطاع تنطلق من قناعة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون كفاءات بشرية مؤهلة، ولذلك تم جعل التكوين المهني رافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي، وأداة لمحاربة البطالة وتعزيز الإدماج الاجتماعي.

وأكد أن المغرب أصبح، بفضل هذه السياسة، مؤهلا ليكون مركزا إقليميا لتكوين الكفاءات الإفريقية، وهو ما يعزز حضوره داخل القارة ويرسخ مكانته كشريك في التنمية.

 

الدبلوماسية الملكية.. من تدبير الملفات إلى صناعة النفوذ

على المستوى الخارجي، اعتبر السعيد أن الدبلوماسية المغربية عرفت خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا بفضل القيادة الملكية، حيث انتقلت من منطق الدفاع عن المواقف إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.

وأوضح أن السياسة الخارجية للمملكة أصبحت تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الدوليين، وهو ما مكن المغرب من اكتساب مصداقية كبيرة كشريك موثوق يتمتع بالاستقرار والقدرة على الوساطة والانفتاح.

وأضاف أن هذا الحضور الدولي لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل دبلوماسي متواصل قاده الملك محمد السادس عبر زيارات رسمية، واتفاقيات استراتيجية، ومبادرات للتعاون جنوب- جنوب، خاصة مع الدول الإفريقية، فضلا عن تطوير العلاقات مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

وأكد أن قوة الدبلوماسية المغربية أصبحت تستند أيضا إلى قوة النموذج التنموي الوطني، حيث باتت المشاريع الاقتصادية والاستثمارات والبنيات التحتية تشكل عناصر قوة ناعمة تعزز صورة المملكة في الخارج.

 

مكاسب القضية الوطنية وترسيخ الوحدة

في ما يتعلق بالقضية الوطنية، أوضح السعيد أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات دبلوماسية غير مسبوقة عززت الموقف المغربي على الساحة الدولية، بفضل الرؤية الملكية التي جعلت من الواقعية والحوار أساسا لمعالجة هذا الملف.

وأشار إلى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي أصبحت تحظى بدعم متزايد داخل المنتظم الدولي، باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية، وهو ما انعكس في مواقف عدد متزايد من الدول، وفي الدينامية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

وأضاف أن إعلان31  أكتوبر عيدا للوحدة يحمل دلالات وطنية عميقة، لأنه يجسد مرحلة جديدة في مسار ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة، ويخلد التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة.

وأكد أن هذه المكاسب لم تكن نتيجة ظرفية، وإنما ثمرة سياسة خارجية متواصلة يقودها الملك محمد السادس تقوم على الحوار، والشرعية الدولية، وبناء الثقة مع الشركاء، وهو ما عزز مكانة المغرب داخل المنظمات الدولية والإقليمية.

 

نموذج تنموي يتطلع إلى المستقبل

اختتم عتيق السعيد تصريحه بالإشارة إلى أن حصيلة سبعة وعشرين عاما من حكم الملك محمد السادس تؤكد أن المغرب نجح في بناء نموذج تنموي متوازن يجمع بين تحديث الاقتصاد، وتأهيل البنيات التحتية، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز الحضور الدبلوماسي للمملكة.

وأضاف أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في مواصلة هذا المسار عبر تسريع وتيرة الإصلاحات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وترسيخ العدالة المجالية والاجتماعية، حتى يواصل المغرب تثبيت مكانته كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على مواجهة التحولات الدولية ومواصلة مسيرة التنمية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.

*أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض- مراكش

 

 

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى