حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

المؤسسة الملكية تقود التحول في ملف الصحراء

من تثبيت الشرعية الدولية إلى بناء واقع سياسي وتنموي جديد

النعمان اليعلاوي

مقالات ذات صلة

لم يعد ملف الصحراء المغربية يدار اليوم بالمنطق نفسه الذي كان سائدا قبل عقد من الزمن، بعدما انتقل من مرحلة الدفاع عن الموقف المغربي إلى مرحلة المبادرة وفرض الوقائع السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي. ويجمع متتبعون على أن هذا التحول ارتبط، بالدرجة الأولى، بالقيادة المباشرة للملك محمد السادس، الذي جعل من قضية الصحراء محور السياسة الخارجية للمملكة، وأعاد صياغة مقاربتها على أساس الجمع بين التحرك الدبلوماسي، والتنمية الميدانية، والانفتاح على الشركاء الدوليين، وربط العلاقات الثنائية بمواقف الدول من الوحدة الترابية للمملكة.

وخلال السنوات الأخيرة، حقق المغرب سلسلة من المكاسب غير المسبوقة، تمثلت في توالي اعتراف عدد متزايد من الدول بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية أو بدعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد والواقعي للنزاع، إلى جانب افتتاح عشرات القنصليات العامة بمدينة العيون والداخلة، في تحول عكس تغيرا واضحا في موازين القوى الدبلوماسية المرتبطة بالملف.

ويرى باحثون أن المؤسسة الملكية نجحت في نقل ملف الصحراء من دائرة النزاع الإقليمي إلى دائرة التنمية والاستقرار والشراكات الاقتصادية، وهو ما عزز مكانة المملكة باعتبارها فاعلا محوريا في إفريقيا والفضاء الأطلسي والمتوسطي، وربط مستقبل الأقاليم الجنوبية بمشاريع استراتيجية كبرى تتجاوز البعد السياسي إلى رهانات التنمية والاندماج القاري.

 

القرار الأممي.. تكريس للمقاربة المغربية

يعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 محطة بارزة في المسار الأممي لقضية الصحراء، بعدما أعاد التأكيد على المرجعيات التي يدافع عنها المغرب، وفي مقدمتها اعتبار مبادرة الحكم الذاتي الإطار الجاد وذي المصداقية لتسوية النزاع، مع الدعوة إلى استئناف العملية السياسية وفق الموائد المستديرة، بمشاركة جميع الأطراف المعنية.

ورغم أن قرارات مجلس الأمن لا تحسم النزاع بشكل نهائي، فإنها رسخت، بحسب متابعين، تراجعا تدريجيا للأطروحات الانفصالية، مقابل تعزيز المقاربة التي يقودها المغرب، والقائمة على الحل السياسي الواقعي والتوافقي، بعيدا عن الخيارات التي أثبتت التجربة استحالة تطبيقها.

وتعتبر الرباط أن التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن تعكس تحولا في قراءة المجتمع الدولي للملف، خاصة في ظل تنامي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وتزايد القناعة بأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل أرضية عملية لإنهاء نزاع عمر لعقود، بما يضمن الاستقرار في المنطقة.

كما ساهمت التحركات الملكية، من خلال الرسائل الموجهة إلى الأمم المتحدة والاتصالات المباشرة مع عدد من قادة الدول، في ترسيخ حضور القضية داخل الأجندة الدولية من منظور جديد، يقوم على الواقعية السياسية وربط التنمية بالأمن الإقليمي.

 

عيد الوحدة.. ترسيخ للبعد الوطني

من بين المستجدات التي ميزت سنة 2026 إعلان 31 أكتوبر عيدا وطنيا يحمل اسم “عيد الوحدة”، في خطوة اعتبرها متابعون ذات أبعاد سياسية ورمزية، بالنظر إلى ارتباطها بمحطة استرجاع الأقاليم الجنوبية وترسيخ الوحدة الترابية للمملكة.

ويأتي هذا القرار في سياق توجه يروم تعزيز الذاكرة الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بمحطات تاريخية شكلت منعطفا في مسار الدولة المغربية، خصوصا أن ملف الصحراء لم يعد يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل أصبح جزءا من الهوية الوطنية والسياسات العمومية.

ويرى مختصون أن اعتماد عيد الوحدة ينسجم مع المقاربة التي يقودها الملك محمد السادس، والهادفة إلى تثبيت قضية الصحراء باعتبارها قضية إجماع وطني، تتجاوز الحسابات السياسية الظرفية، وتشكل أحد ثوابت الدولة المغربية.

كما يحمل القرار رسالة إلى الخارج مفادها أن قضية الصحراء لم تعد مجرد ملف تفاوضي، بل أصبحت جزءا من البناء المؤسساتي والرمزي للمملكة، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في المسار الذي اختاره المغرب لتدبير هذا الملف.

 

الدبلوماسية الملكية وتوسيع دائرة الدعم الدولي

شكلت الدبلوماسية الملكية أحد أبرز عناصر التحول الذي عرفه ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة، حيث اعتمدت المملكة سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات، وعدم حصر العلاقات الدولية في محور واحد، مع ربط التعاون الاقتصادي والاستراتيجي بالمواقف من الوحدة الترابية.

وأثمر هذا التوجه مواقف داعمة من قوى دولية كبرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وإسبانيا، وعدد متزايد من الدول الأوروبية والإفريقية والعربية، التي أعلنت دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي أو اعتبرتها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.

كما ساهمت المبادرات الملكية ذات البعد الإفريقي، وعلى رأسها المبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، في تعزيز موقع المغرب كشريك إقليمي موثوق، وربط قضية الصحراء بمشاريع التنمية والاندماج الاقتصادي.

ويؤكد متابعون أن هذا الربط بين السياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية منح المغرب أوراق قوة إضافية داخل المحافل الدولية، وجعل عددا من الشركاء ينظرون إلى استقرار الأقاليم الجنوبية باعتباره عاملا أساسيا في نجاح المشاريع الإقليمية الكبرى.

 

تنمية الأقاليم الجنوبية.. الوجه الآخر للسيادة

إلى جانب التحركات الدبلوماسية، أولت المؤسسة الملكية أهمية خاصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية، من خلال النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي شمل مشاريع كبرى في مجالات البنيات التحتية والطاقات المتجددة والموانئ والطرق والاستثمار.

وأصبحت مدينتا العيون والداخلة واجهتين لهذا التحول، بعدما تحولت الأخيرة إلى قطب اقتصادي ولوجستيكي واعد، خاصة مع مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعول عليه لتعزيز الربط التجاري بين المغرب وإفريقيا.

كما شهدت الأقاليم الجنوبية توسعا في الاستثمارات العمومية والخاصة، وتحسنا في المؤشرات الاجتماعية، بما يعكس توجه الدولة نحو جعل التنمية إحدى أدوات تثبيت السيادة على الأرض، وليس مجرد خيار اقتصادي.

ويرى خبراء أن هذه المشاريع أسهمت في تغيير صورة المنطقة دوليا، وأصبحت تقدم نموذجا مختلفا عن الصورة التقليدية المرتبطة بالنزاع، من خلال إبراز دينامية اقتصادية واستثمارية متواصلة.

 

مرحلة جديدة في تدبير القضية الوطنية

يبدو أن ملف الصحراء دخل، بقيادة المؤسسة الملكية، مرحلة جديدة تقوم على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة، ومن تدبير الأزمة إلى بناء واقع سياسي وتنموي جديد. فالمغرب لم يعد يكتفي بالرد على خصومه داخل المحافل الدولية، بل أصبح يبادر إلى إطلاق مشاريع استراتيجية، وتوسيع شبكة تحالفاته، وربط قضية الصحراء بأجندات الأمن والتنمية والطاقة والتعاون جنوب-جنوب.

وتؤكد مختلف المؤشرات أن المؤسسة الملكية جعلت من هذا الملف ركيزة للسياسة الخارجية المغربية، معتمدة رؤية طويلة المدى تقوم على ترسيخ الشرعية الدولية، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتوسيع دائرة الاعترافات الدولية، بما يعزز موقع المملكة داخل النظام الإقليمي والدولي.

وفي ظل هذه التحولات، تبدو قضية الصحراء اليوم أقرب إلى مرحلة تثبيت المكتسبات والبناء عليها، في انتظار استكمال المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، على أساس المرجعيات التي باتت تحظى بدعم متزايد داخل المجتمع الدولي، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لإنهاء هذا النزاع الإقليمي.

المؤسسة الملكية أهم مرتكزات تعزيز مكانة المغرب عربيا وإسلاميا

حضور وازن للدولة المغربية وأياد بيضاء في الفضاء العربي والإسلامي

النعمان اليعلاوي

على امتداد أكثر من ربع قرن من حكم الملك محمد السادس، تحولت المؤسسة الملكية إلى أحد أهم مرتكزات الحضور المغربي داخل الفضاءين العربي والإسلامي، ليس فقط من خلال العلاقات الدبلوماسية التقليدية، بل عبر أدوار إنسانية ودينية وتنموية جعلت المغرب فاعلا يحظى بقدر كبير من الثقة والاحترام لدى العديد من العواصم العربية والإسلامية. وقد برز هذا الدور بشكل خاص خلال الأزمات السياسية والإنسانية والصحية التي عرفتها المنطقة، حيث تبنت المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، مقاربة تقوم على التضامن العملي، والوساطة، والدعم المباشر للشعوب المتضررة.

ويؤكد متابعون أن خصوصية الحضور المغربي في العالم العربي والإسلامي ترتبط بطبيعة المؤسسة الملكية نفسها، باعتبارها تجمع بين الشرعية الدستورية والرمزية الدينية المرتبطة بإمارة المؤمنين، وهو ما يمنح الدبلوماسية المغربية بعدا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، ويجعلها أكثر قدرة على بناء جسور الثقة مع مختلف الأطراف.

دبلوماسية التضامن خلال الأزمات

أحد أبرز ملامح الدور الملكي تمثل في تحويل التضامن إلى سياسة دولة. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، دأبت المملكة على تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للدول العربية والإسلامية المتضررة من الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات الصحية. وقد شملت هذه المساعدات إرسال مستشفيات ميدانية، ومواد غذائية، وأدوية، ومعدات طبية، فضلا عن دعم جهود إعادة الإعمار في عدد من الدول.

وخلال جائحة كوفيد-19، برز المغرب كأحد البلدان التي اعتمدت مقاربة تضامنية تجاه عدد من الدول الإفريقية والعربية، من خلال توفير مساعدات طبية ووسائل وقاية، وهو ما عزز صورة المملكة كدولة تتقاسم إمكاناتها مع شركائها في أوقات الشدة.

كما لعبت المؤسسة الملكية دورا مباشرا في توجيه المساعدات إلى مناطق منكوبة في العالم الإسلامي، سواء بعد الزلازل أو الفيضانات أو الأزمات الإنسانية، وهو ما جعل اسم المغرب يرتبط، في الوعي العربي والإسلامي، بمبادرات الإغاثة والتضامن العملي.

لجنة القدس.. بعد ديني وسياسي

يشكل ترؤس الملك محمد السادس للجنة القدس إحدى أهم ركائز الحضور المغربي داخل العالم الإسلامي. فمن خلال هذه المؤسسة المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، حافظ المغرب على حضور دائم في ملف القدس والقضية الفلسطينية، جامعاً بين الدعم السياسي والإنساني والتنموي.

وقد واصلت وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة، تنفيذ مشاريع في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والحفاظ على التراث الديني والثقافي للمدينة، وهو ما منح الحضور المغربي في القدس بعدا ملموسا يتجاوز المواقف الدبلوماسية التقليدية.

ويرى متابعون أن هذا الدور ساهم في ترسيخ صورة المغرب كطرف ملتزم تاريخيا بالدفاع عن القدس وعن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خطاب متوازن يدعو إلى الحوار والحلول السلمية.

إلى جانب البعد الإنساني والديني، لعبت المؤسسة الملكية أدوارا مهمة في الوساطة وتقريب وجهات النظر بين عدد من الأطراف العربية والإسلامية. فقد راكم المغرب خبرة في استضافة الحوارات السياسية والدينية، مستفيدا من صورته كدولة مستقرة وقادرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين.

وتبرز هذه المقاربة بشكل خاص في طريقة تدبير المملكة لعلاقاتها مع دول الخليج، ودول المغرب العربي، وعدد من بلدان الشرق الأوسط، حيث حرصت الدبلوماسية الملكية على تجنب سياسة المحاور الحادة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

وقد مكنت هذه المقاربة المغرب من الحفاظ على شبكة واسعة من الشراكات السياسية والاقتصادية، ومن لعب أدوار تواصل في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة.

 

إمارة المؤمنين والقوة الناعمة

يعتبر كثير من الباحثين أن إمارة المؤمنين تشكل أحد أهم عناصر القوة الناعمة للمغرب داخل العالم الإسلامي. فالملك محمد السادس، بصفته أميرا للمؤمنين، يقود نموذجا دينيا يقوم على الاعتدال والوسطية والتعايش، وهو نموذج اكتسب إشعاعا متزايدا خلال السنوات الأخيرة.

وقد تجسد ذلك في برامج تكوين الأئمة والمرشدين الدينيين من عدد من الدول العربية والإفريقية، وفي إنشاء مؤسسات علمية ودينية تعنى بنشر قيم الإسلام الوسطي ومحاربة التطرف، كما ساهم هذا البعد الديني في تعزيز الثقة بالمغرب كشريك في قضايا الأمن الروحي، وجعل عددا من الدول يستفيد من الخبرة المغربية في مجال تأطير الحقل الديني.

والأمر نفسه، على المستوى الاقتصادي، حيث  شهدت العلاقات المغربية مع عدد من الدول العربية، خاصة الخليجية، تطورا لافتا خلال السنوات الأخيرة. فقد تعزز التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والسياحة والعقار والصناعة، كما ارتفع حجم الاستثمارات الخليجية في عدد من المشاريع الكبرى بالمملكة.

ويؤكد مراقبون أن هذا التقارب لم يكن منفصلا عن الدور الذي لعبته المؤسسة الملكية في بناء علاقات شخصية ومؤسساتية متينة مع قادة الدول العربية، وهو ما ساعد على تجاوز عدد من الأزمات الإقليمية والحفاظ على مستوى عال من التنسيق السياسي.

كما استفاد المغرب من هذه الشراكات في تمويل مشاريع تنموية كبرى، وفي تعزيز حضوره داخل الفضاء الاقتصادي العربي.

 

مكانة خاصة في الوجدان العربي والإسلامي

تكشف حصيلة السنوات السبع والعشرين الماضية أن المؤسسة الملكية لم تكتف بتعزيز الحضور الدبلوماسي للمغرب داخل العالم العربي والإسلامي، بل نجحت في بناء مكانة خاصة للمملكة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: الشرعية الدينية، والتضامن الإنساني، والدبلوماسية المتوازنة.

فمن دعم القدس، إلى المساعدات الإنسانية، إلى الوساطة وبناء الجسور، استطاع الملك محمد السادس أن يرسخ صورة المغرب كدولة تجمع بين المصداقية السياسية والالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الأمة.

ويرى متابعون أن هذه المكانة تمثل اليوم أحد أهم أرصدة القوة الناعمة للمغرب، خاصة في منطقة تعرف تحولات عميقة وأزمات متكررة، حيث أصبحت الثقة والاستقرار والقدرة على المبادرة عوامل حاسمة في تعزيز النفوذ الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، تبدو المؤسسة الملكية، بحسب عدد من الباحثين، الفاعل المركزي في استمرار الحضور المغربي داخل الفضاء العربي والإسلامي، من خلال مقاربة تجعل من التضامن العملي، والحوار، والاعتدال، والتنمية المشتركة، أسساً ثابتة للسياسة الخارجية للمملكة.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى