
بقلم: خالص جلبي
مع مذبحة الأساتذة في مدينة (إيرفورت) الألمانية، قبل عدة سنوات، والتي راح ضحيتها 17 شخصا، بمن فيهم الفاعل، الذي ختم حمام الدم بانتحاره؟! (عن غوغل: وقعت مذبحة إيرفورت في 26 أبريل 2002 بمدرسة غوتنبرغ الثانوية بمدينة إيرفورت الألمانية. أطلق طالب سابق يبلغ من العمر 19 عاما النار عشوائيا بعد فصله من المدرسة، مما أسفر عن مصرع 17 شخصا (14 معلما، طالبتين، وشرطي) بالإضافة إلى انتحار الجاني، لتشكل الحادثة صدمة كبرى وقوانين صارمة لحمل السلاح).
ويعكف اختصاصيون من علوم شتى على دراسة هذه الظاهرة المرعبة. ومن الناحية الفلسفية، يخضع أي حدث لعلاقة جدلية بين السبب والنتيجة، فكل حدث هو في حالة ديناميكية، فهو في الوقت نفسه سببا ونتيجة، فهو نتيجة لما كان قبله، وهو سبب لما سيأتي بعده. هكذا ركب الكون وتتالت الأحداث.
ومع ذلك، فقد ذهب ميشيو كاكو في كتابه «المستحيلات العشرة» إلى انغلاق باب المستقبل بأي حال، فلا أحد يعلم ماذا ينتظره، إذ عند عتبته تتكسر قوانين الفيزياء. ومع ذلك، فقد رأينا هذه القاعدة تتحطم مرتين في قصة يوسف ومجاعة مصر، بل ومستقبل الدولة الآشورية كلها، بموجب منام رآه ملك لا يوصف بالعدل والصلاح، كما كان الحال مع حاكم مصر الذي رأى مناما متكررا عن بقر يأكل بقرا في سبع حفلات عجيبة، وهو أمر لا يمكن حدوثه في الواقع إلا بكارثة كجنون البقر، التي عاصرناها من خلال إطعام الحيوانات طعاما غير نباتي
هذه نقطة أولى.. أما الثانية فإن كل ما يحدث يخضع لـ(مجموعة) من العناصر، تكونه وتفجر حدوثه. وبتأمل أصغر حدث نرى فيه هذين القانونين. والقرآن حينما يضرب المثل بالبعوضة والذبابة والعنكبوت، فإنه يفتح عيوننا على أن سر الصنعة واحد، والقانون يتخلل الوجود في كل مستوياته، وأكثر شيء إعجازا، هو بناء الخلية، والكود الوراثي. وهذا يشترك فيه شجرة التفاح والحشرة ونحن.
وهذه حقيقة ثالثة.. فحادثة الألماني (شتاين هويزر Stein Heuser = تعني حجر البيوت)، (صاحب مجزرة المدرسة في إيرفورت الألمانية)، تؤكد أنه ومصعب الزرقاوي، الذي أعلنت الفضائيات مصرعه صيف 2006م، ودونالد رامسفيلد، مجرم الصعق العراقي ومورد السلاح الكيماوي لصدام، لا يختلفون عن بعضهم كثيرا، فالجميع ينتمون إلى مذهب القتل، ويرون فيه أفضل الحلول.
والعنف تتدخل فيه ما لا يقل عن عشرة عناصر، منها: الجنس؛ فالمرأة خزان الرحمة ولا تُقتل إلا في أضيق الحدود. وصراع الأجيال، كالمعركة بين الطلاب والأساتذة. وأثر الجينات، ثم مشكلة اقتناء السلاح، ففي ألمانيا وحدها عشرون مليون قطعة سلاح غير مرخصة، فكيف بالعراق؟ أما في أمريكا فيمكن اقتناؤه كشراء البطاطس. يُضاف إلى ذلك أثر أفلام الرعب، والفشل التربوي، ودور المخدرات، والإحباط الاجتماعي.
وهكذا فالعنف شجرة خبيثة، تربتها الكراهية، وثمرتها الخوف والجريمة، يتبرمج في النفس من خلال دورة حضانة للأفكار، ويرسخ في اللاوعي ليطفح في النهاية على السلوك، مثل المرض الفيروسي في إنتاجه مرض جنون البقر والبشر. يمارسه أناس خارج المصحات العقلية، صفتهم الظاهرة أنهم عقلاء يفكرون.
ولكن ما هو العنف تحديدا؟
هل هو ممارسة الحرب وإطلاق الرصاص؟
أما (سكينر) عالم النفس السلوكي فقد رأى أن برمجة العنف تبدأ في الصدور، قبل تراشق الصواريخ. في الرؤوس قبل الفؤوس، على حد تعبيره في كتاب (تكنولوجيا السلوك الإنساني). والعنف يحتل طيفاً عريضاً من مشاعر النفس؛ فتعبر عنها قسمات الوجه بالحقد، واللسان بالتعبير السام، واليد بالبطش، والمجتمع بالحرب.
ولكن الحوض الأساسي للعنف يبدأ من البرمجة الذهنية، واستيلاء مشاعر الكراهية، كمرض ثقافي يتشربه اللاوعي فيفرز السلوك، ويعمل مثل المرض العضوي، ويبدأ في ضخ مظاهره الإمراضية.
إنه يشبه الأمراض تماما؛ ففيروس البوليو يعطب الجهاز الحركي عند الأطفال فتشل السيقان، وجرثومة الكوليرا تحتل الأمعاء فتتدفق بإسهال منهمر، ولولبية الزنا الشاحبة تقود إلى صمغ الدماغ، فيختل بالعته والجنون.
وإذا كان مرض العضوية يحدث بالوحدة الإمراضية، من فيروس وبكتيريا، فإن مرض العنف وحدته الإمراضية الفكرة المدمرة. وتقوم مشاعر الكراهية بنفي الآخر، والارتداد على الذات، فلا تتوحد مع الآخرين ولا تعترف بهم أو يبقون.
الكراهية تشحن كل المشاعر السلبية، من الغمز واللمز والانتقاص والأذية حسب كثافتها؛ فإذا استعرت؛ قادت إلى إفناء الآخر بالجرعة القصوى بالحرب.
الكراهية هي التربة التي تمد جذور العنف بأسباب البقاء.
وعندما يلجأ أحد إلى توظيف القوة وممارسة الإكراه واغتصاب إرادة الآخرين، فإن المقاومة تنشأ بطريقتين ظاهرة وباطنة، من التظاهر بالرضوخ مع الكذب خارجيا، والكراهية داخليا.
وعندما تلجأ الروح إلى تربة الكراهية فإنها تستلهم العنف آليا، وعندما يغتصب الفرد إرادة الأمة تنكسر رافعة التوازن النفسي، والطبيعة تقوم على التوازن، وتوازن النفس هنا هو رد الاعتبار، في برمجة العنف من جديد.
والمشكلة في العنف أنه لا يحل مشكلة، بل يقود إلى دورة عنف أشد هولا وأعظم نكرا.
هكذا علمنا التاريخ باتساع دورات الحروب هولا، وعلى الرغم من قسوتها، تحمل جانبا إيجابيا، إذ تنتهي في المحصلة إلى كبح جماح نفسها والتلاشي تدريجيا كما اختفت الديناصورات. وحاليا حرب النتن وترامبولين مع ملالي إيران يمكن أن تخسف بإيران الأرض بحفنة من قنابل نووية، كما فعل ترومان مع الساموراي. كما أن قنبلة واحدة على رأس النتن كافية لإنهاء خرافة دولة بني خريون، ولكن الكل يتلمظ والكل مشفق عليها ويعلم أنها الحق وأن الساعة لاريب فيها، وهو سلاح ليس للاستخدام إلا في حالة القيامة النووية وانهيار حضارة كد البشر في بنائها ستة آلاف سنة، كما جاء في مفارقة إنريكو فيرمي، أول مخترع للعبة الفناء النووي.
نافذة:
العنف شجرة خبيثة تربتها الكراهية وثمرتها الخوف والجريمة يتبرمج في النفس من خلال دورة حضانة للأفكار ويرسخ في اللاوعي ليطفح في النهاية على السلوك





